خالد فضل ما حدث فى مصر يقع فى المنزلة بين المنزلتين فى تقديري؛ فلا هو انقلاب عسكرى كامل الدسم نفذه ضباط القوات المسلحة ضد نظام عسكرى أو مدنى ديمقراطى منتخب واستلموا بموجبه السلطة عبر أى تشكيل أو مسمى وتولوا  كافة السلطات التشريعية والتنفيذية وفرضوا حالة الطوارىء والغوا الحياة السياسية برمتها كما حدث عندنا هنا فى السودان على يدى انقلابيى الجبهة الاسلامية فى العام 1989م .

 ولا هو من جانب آخر انحياز من الجيش لانتفاضة شعبية ضد حكم عسكرى , فما حدث هو ان الجيش قد اعلن انحيازه لقطاعات واسعة من الشعب المصرى المنتفضين ضد سلطة رئيس منتخب , وبحسب ما اعلن فان الرئيس المعزول مرسى كان قد امهل لـ 48ساعة من جانب الجيش لحل الازمة السياسية الناجمة من كيفية ادارته لشؤون الحكم وما اكتنفها من ممارسات كادت تؤدى بمصر الى هاوية الانهيار, ولعل هذا مايجعل التوصيف فى غاية التعقيد فعلا (انقلاب أم انحياز) فكلا وجهتى النظر يمكن ايراد حيثيات داعمة لها, ولكن فى المحصلة النهائية حدث تغيير ثان فى مصر بطريقة تشابه تغيير 25 يناير2011م اذ سقط مرسى بذات طريقة سقوط مبارك مع اختلاف كيفية صعود كل منهما لدست الرئاسة المصرية اساسا , من هنا يأتى اشفاق الديمقراطيين على الديمقراطية حقيقيا , بينما انفتح الباب للمزايدين واعداء الديمقراطية للنيل من جدواها , وعلى رأس هؤلاء الجماعات الاسلاموية التى تتباكى على الشرعية, وتنعى الانقلاب على الديمقراطية من ما يطرح التساؤل البدهى: هل اعتنقت التنظيمات الاسلاموية الديمقراطية وسائلا وممارسات كأفضل خيار متاح أمام البشر من كل جنس ودين لتسيير امور الحكم والسياسة اى تسيير امور الدنيا؟ اذا كانت الاجابة (نعم), فان الديمقراطية هى نتاج بشرى علمانى , باعتبار البشر ادرى بشؤون دنياهم , وبالتالى على التنظيمات الاسلاموية ان تنفض يدها مرة واحدة والى الابد من اى محاولة  لجعل الدولة تخضع للدين, وهذا يكلفها الاقرار والاعتراف بمبدأ الفصل بين الدولة كجهاز لادارة الشؤون العامة للبشر فى الوطن المحدد , وبين الدين كمعتقد روحى ينتظم فيه على اختلاف المداخل  معظم البشر  فى الكون كله, اذا حدث مثل هذا التغيير لدى الجماعات الاسلاموية , سيكون لثورتهم او انتفاضتهم ضد الانقلاب على الشرعية كما يزعمون معنى ودليل, ويستحقون التضامن والمؤازرة من كل الاحرار , أما وواقع الحال يثبت أن هذه التنظيمات  تنظر للدولة  والشعب من خلال منظورهم  وفهمهم للاسلام وبالتالى ادارة شأن الدولة وشعبها وفق ما تشتهى هذه التنظيمات, يصبح لا فرق ساعتها بين من جاء منتخبا ومن جاء مموها  كحرامى عند الساعة 2صباحا, ولا يحتاج الامر لكبير عناء لملاحظة أن الديمقراطية لدى تنظيمات الاسلامويين تعنى اجراءات شكلانية فحسب , يتخذونها معبرا لشنق الناس على مشانق تخريجاتهم ورؤاهم لما ينبغى أن يكون عليه المجتمع وحملهم للاذعان  باسم الدين, وهذا عين ما فعله مرسى وتنظيمه الاخوانى فى مصر عندما بدأوا فى هدم بنيان البيت المصرى الراسخ على ساكنيه كلهم واعادة بنائه وفق فكرهم هم وكأن المصريين عبر الديمقراطية قد منحوهم صك ملكية مصر  ناسين أو غير معنيين بمعرفة  أن الانتخاب لتولى الحكم قد تم وفق برنامج معلن اسموه برنامج الثورة ضد برنامج الفلول ووعد من خلاله مرسى  بتنفيذ طموحات الثوار التى لم يكن من بينها (أخونة الدولة) أو (هدم القضاء) أو (تدمير الجيش والاجهزة الامنية عبر ادلجتها) لم تكن طموحات الثوار تشمل مسح تاريخ مصر منذ عهد الفراعنة بزعم وثنيته بما فى ذلك هدم الاهرامات أحدى عجائب الدنيا حتى الآن,…..الخ الخ برنامج الثورة والثوار هى اعلاء شأن  الانسان وصون حقوقه وكرامته عبر دولة عادلة تقوم على الشفافية والمحاسبة  والنزاهة والمساواة وبناء وطن ديمقراطى يسع جميع ابنائه  فما هى اسهامات مرسى وعصبة اخوانه فى تلبية طموحات الثورة وثوارها؟ لقد قرر ملايين المصريين أن مرسى وجماعته قد انحرفوا بمطالبهم  وانهمكوا فى تحويل الدولة التى هى ملك للجميع بالضرورة الى اقطاعية  اخوانية  فخرجوا إلى الشوارع والميادين ينادون باصلاح المسار  فما الذى وجدوه من الاخوان ؟ وجدوا المليشيات الاخوانية تسد عليهم الطرقات  وتنهال عليهم بالعصى والسلاح , وقذف الصبية من اعلى المبانى  كما وقع فى الاسكندرية , فهل هذه ممارسات شرعية ديمقراطية ؟ وأى شرعية تقوض حق الانسان فى الحياة لمجرد أنه قال لا, وهل فى تجارب حكم الاسلامويين ما يشجع الشعوب لتكرار الخيبات  ألم يكف نموذج السودان؟ وغزة؟ وايران؟ وغيرها من بلدان هل الانسان لدى تلك التنظيمات غاية؟ وهل يمكن للجماعات الاسلاموية  أن توجد وتعيش وتنمو فى مناخ ديمقراطى سوي سلمى ومنفتح؟ أم أنها لا تنمو الا فى مناخ القهر والقمع اما قامعة باطشة  للآخرين كما فى السودان وغزة  والبدء فى مصر أو يتم قمعها  كما فى مصر قبل ثورة 25يناير والجزائر وتونس قبل ثورتها الخ الخ . أما التنظيمات الاسلاموية التى تعيش فى اوربا وامريكا  وغيرها من بلدان تكفل نظمها العلمانية حقوق الانسان  فانها،  أى التنظيمات الاسلاموية، تستمتع بكل مزايا المجتمع الحر الديمقراطى  ولكن بعضها يستغل السماحة المدنية  ليمارس القتل والعنف ضد الابرياء  فى مترو انفاق او سوق او مسرح الخ الخ فهل التنظيمات الاسلاموية  مثل الدودة لا تعيش فى مكان نظيف  فاذا ما وجد نفسه فيها سعى لتعفينها  وتلويثها حتى تلبى شروط استمرارية نوعه؟ وهكذا يشرع باب الاسئلة.