عبدالغني كرم الله أخرج من البيت، وأنا ابن عشرة سنين، زيد عليها خمس،  وأنقص شهرا، عابس الوجه، مهموما، حزنا لا أعرف له سبب، أو علة، أفكر  في حالي، لم أنا حزين؟ متوتر؟ لم أكن مريضا، ولا جائعا، كما أني لم أسرق اليوم من صحن "طلس"، حبوبتي، تحت سريرها بعض بلحات لينة، معطونة في ماء، كي يوبخني ضميري كعادته،

ولا أدري أين كان “ضميري“، حين اعترتني حمى التوق للبلح؟ فأنحشرت تحت السرير، وبلعت معها “جقمة”،  من ماء كاد أن يتخمر، في بطن الصحن، يصحو “ضميري” من نومه، مجرد أن أبلع البلحات في جوفي، ويوبخني (لم؟ أن فم حبوبتك كفم طفل وليد، لا أثر لأسنان في لثتيه، فالجنين يرضع بلا مضغ، وحبوبتك  كيف تأكل بلحا جافا؟ فأمضي لشوال البلح، في ركن “التكل”، وأقبض حفنة من تمر جاف، أسرع لصحن الطلس الملون، أغمرها فيه، تروادني نفسي، حين أرى بلحة مورمة من نعومة الماء، فأسرق ما راق لي، دوما، فتنز طعمها في لساني، وأنا اسمع حبوبتي من وراء الحجرات (الجنى ده، الله يهدي، مشاركني في بلحاتي، ان شاء الله أشاركو عرسو وجديدو).

 

 أقلب طرفي في الحزن، وأنا في طرق، تتلوى دروبها  مثل بخور،  كما أني لا أعشق فتاة في الفريق، (يولد الحزن، من رحم الحب أعمق ما يكون، دونما سبب، أظنه ثمار الفرح، بين الضلوع، حين تخاف ظمأ الجفاء)  أحس بأني مقهور، حين يباغتني الحب، أو ينزل الحزن، في مضارب نفسي، بلا حول مني، أو قوة، ما أعجب القدر، حتى مجاري الحزن، لم يعجبي وصف، كما عجبني الإعرابي، الذي قال (عرفته بنقض العزائم)، أي الله، فاللهم أعنى على حزني البهيم!

حزن غريب، يملأ ضلوعي النحيفة، لم أدرك العلة، أهو قدر؟ أن يكون الحزن رفيقي، هذه الليلة؟ أقتلت نملة؟ أو أهلكت عشب؟ تلكم الكائنات التي نغتالها ولا نبالي، بها، وهي تلفظ نفائيس أرواحها الكريمة، وتموت تحت أرجلنا، ولكن الروح المنفوخ فينا، كالخمر الاسمر، يشعر ويحس، ويؤنب، ويشعل الحزن فينا، كي نصحو من ثبات الصحو الكاذب، ونرى الأمر كما هو، وليس من خلال عين تحدق ولا ترى سوى يبس المظهر، دون نبض الجوهر، في كل شئ تلحظه، وترمقه، وتراه.

أتكون جروح حيوات آخرى، اقترفتها آثما بلا وعي مني؟ قبل ميلادي الحسي، حين تقلبت في أصلاب، حملوني كشعلة الأولمب، من جيل لجيل، أو أثناء نومي، أو حتى صحوي المزيف، ما أقدمنا في علم الإله، كذوات قديمة، فلم تكن ولادتي، على يد الداية ست النفور، فجر الأحد،  هي انبثاقي الأول، رغم زغاريد خالتي، وهي تحلمني مورم العينين، باك، إلى صحن طلس كبير، ملون، أول رحم حديدي، بعد رحم أمي الدافئ، غسلتني برقة وحبور، وقطعت حبلي السري، فصنعت، دون قصد، حبال أخرى، أكثر وأنضر، مع أمي، وخالاتي، واعمامي، والنهر والحقول، والديدان الملونة، والسماء، بديلا لحبل وحيد، في بطن، صار لي ألف حبل سري جميل، ومنها حبل السماع، والإصغاء، أحسبها غريزة، أن تسمع، وتعي بركة الصوت، ويقشعر ضرع الحب، بلبن اللحن، فترضع الروح من ثدي الغناء، كل فطرة مسالمة، وعاطفة سامية، تنير كنهه الحياة، في حياتها القصيرة، أي الأغنية….

 يسرح طرفي، في عوالم لا أذكرها، لوح محفوظ، في حنايا ذاكرتي، لا يغادر كبيرة، ولا صغيرة، إلا أحصاها، يقال بأن الانفعالات كلها، التي جرت لك، ومن أقدم العصور، حتى انبثاقك الأخير، تمسك بيد الأخرى، كف في كف، فتؤثر فيك الآن، تحن للخلود مثلك،  الكون غامض، تحج النفس في الأحلام، وفي اليقظة، إلى أفاق، لا اقدر على سبرها، طواها النسيان، في قاع قلبي، وهاهي تفطو، لمحا، من أيقظها؟ أتكون أوجاع روحي، هي من صرخ بلا لسان، في تلكم الوادي المقدس في الحنايا، فأيقظ عاطفة غريبة، حزينة، تتداعى لها سائر جسدي، بالصمت، والعبوس، أمضت روحي، تحت جنح سلطان النوم، أو الصحو، ورأت فردوسا بهيا، حرمني النسيان من العيش فيه؟، فطردت من جنته، لنار الحزن، ولم تجد فيني عزما، أم عرجت نفسي، فاقترفت ذنبا كبيرا، هاأنذا أجني ثمار خطئي، حزنا يملأ صدري كله، بركة حزن بين ضلوعي، ولا أعرف سببه، فما أعجب النفس، وهي بين الضلوع، تفرز الحياة، الحياة، وماهي الحياة؟ اسأل بصدق، ماهي؟..

سبحانه، من يضع سره في أضعف خلقه، إنه النغم، الألحان، الأغاني، كائن رخو، يسبح كبخور في الأثير، حينا كالعطر في الأثير، أو كضوء مسموع، ثم يعرج للقلب عن طريق طبله الأذن، تحسبه هينا، وهو في القلب عظيم، يروض شراسة النفس، يأنسن توحشها، في لمح، تغدو خراف مسالمة، ترعى في حقول الجمال، والصفاء، وتصبح في خلق جديد. 

أمر بدكان خالي “دفع الله”، يضع المذياع على في أحد رفوفه الخشبية العالية،  مغطي بقطعة قماش بيضاء، ذات بقع زرقاء، ويرقد خالي في عنقريب بسيط، مخدته يديه، المعقوفات تحت رأسه الأصلع، سوى شويبات قرب الأذن، يصدح  إبراهيم الكاشف، تغمر الأغنية، بضوئها المسموع، الراكوبة والحوش والشارع، (رحلة بين طيات السحاب)، لا أدري، كيف تعرف هذه الأغنية سبب حزني؟ وسبب حزن خالي معا؟ وكلانا له هم مختلف؟ وحزن خاص،  تشخصه، كداء، وتعالجني بدواء في لمح بصر، كأنها كف ولي، أتفهمني أكثر من نفسي؟ أأنا لحن؟ ولا أعلم بذلك؟ أجهل نفسي؟ ويفهمني شاعر الأغنية، وملحنها؟، أحس بعجب الفن، وسره، ورقة قلبه، وقدراته السحرية، دون من أو سلوى..

أشكر من قلبي جدي (سيد عبدالعزيز، وعمي إبراهيم الكاشف)، خالق النص، وصانع اللحن، كيف عرفا سر أبنهما، وحزنه، ومدا له يد العون، أتقى فراسة الفنان، فإنه يرى بنور الله، يعرفون الغد، وحلمه، يعيشون في المستقبل، وأجسادهم في باطن القبور، فتأمل؟.. تسبق أنوارهم، أذكارهم، ما أعجب الشعراء، والمغنين، بلى ما أعجبهم، شهداء العاطفة، لا تحسبهم أموات، فعند سماع الأغنية (تنهض بابلهم من جديد)، أروع ما يكون.

 يرتفع صوت الكيمياء، في حسي، ويهمس  بلسان علم فصيح،  (بأن الأجساد مجرد ذرات،  تلف وتدور، لا شئ ثابت)، سوى في وهم الحواس، الجميع يرقص ويحوقل،  بل نحن طاقة  تقسم الفيزياء، هي الأخرى، نحن مجرد ذبدبة مثل الضوء، ومويجيات الجاذبية الأرضية، والقوى الكهرومغناطسية، لسنا أجساد، سوى في وهم الحواس الخمس، وخداعها، نحن أرق من خيط بخور، ولا نعرف سرنا، هدا، سوى في وقت الأغنية، نمر مر السحاب، وتلف هالتنا بحنو خلاق الكون كله، نصير أدكي، وأشعر، وأعمق، أحس بنمو شعري، وأظافري، ما يجري في أصغر ثاينة، بل أصغر ألف مرة منها، أحسه، كثافة وعي، يبرق في حناياك، فيشكف علاقتك بالكون بأسره، وما يمور من فيه حيوات، علاقة صداقة نبيلة بالكل،  أتعجب أكثر، (أتعرف الأغنية سري، وحزني، وبأناملها البارعة، الخفية تضمد جروحي القديمة، أيكون هناك جرح غائر، نسيته، في سالف حياتي، أو مقبلها، هو الذي يدمي قلبي، وينكئه؟ هي تعرف بخبرتها، الأغاني كهل عجوز، حكيم، بيديه الأكسير، وخاتم المنى، وهي شاب، ملئ بالحيوية، والعنفوان الطيب، وهي طفل غرير،  وقد غفرت لي، ما تقدم، من جهلي، وما تأخر ذنوبي وعيوبي، وفقر حسي!! …

يا لسر صوت الكاشف (هل سمعتم بكلمة العذوبة)، وعجزتم عن فهم معناها، أنه صوت الكاشف، أحلق أنا، بين طيات السحاب، يبلل الغيم قدمي، واشرب منه، وأحدق تحتي القرية، ودورها، والنهر يلمع كالفضة، أنا سنبر، وحمائم، ونوارس رحالة، ألف جناح نبت فيني، غرسه دفء اللحن، بين جوانحي، فحلقت في لا مكان، ولا زمان، وسوى سر المطلق، واللحن..

 

 

***

 

فيك صور المحاسن ظهرت لي عيان

 

موسيقى حديثك مع سحر البيان

 

وإذا مال قوامك يازين الحسان

 

روحي تسيل عواطفي، وقلبي يذوب حنان

 

أنا كيف ما أخافك، ومما طرفي شافك، ما حبيت خلافك

 

حبك منيتي، فرضتي وسنتي، ناااري وجنتي

 

 

 

***

 

 

 

كيف عرفني جدي محمد بشير عتيق؟ ودون حالي، في بيت قصائده، وهو يسكن أمدر، بعيدا عن قريتي، القمر يضي لجدي مصلاته، ولأمي ضرع الماعز، ولنا وجه حبوبتي، وهي تحكي لنا “قدح قديح، وأخدر عزار”، لم أكن أعلم بأن الشعراء أكرم وأجمل من القمر، يكتبون لكل فرد على حدة، وللجميع معا، أناملهم تربت كفي بصدق، وحنو، وتمسح دمعي، وتحس بخلجات صدري، كأنهم أمي، وأبي، وحبوبتي، معا، قمر مضي أسمر، هو جدي عتيق، تشرق قصائده في سماء دواخلي، هلال من سر، وطيبة، شفوق، أكثر من قلب أم، وأعجب للحن، كيف عصر أبي الكاشف حنجرته، كي نشرب نخبها خمرا حلال، فأشفى من داء الحزن، بلا دواء مر، أو فصد، (وروحي تسيل عواطف، وقلبي يذوب حنان)….

همد الحزن، واضاءت ضلوعي بروق الحياة، والتوق، والفضول، سعيدا مضيت لخالتي، بوجه بشوش كالشعر، عدت للحياة، من موت الحزن، بنفخ روح اللحن، والريحان.

لمسرح المغاني، في القرية، تتزين الحسان، ويتعطر القلب، وتزدهي الملابس، كل الحواس، من عين، وفم ولسان، وحس، تتزيأ بالجميل، في حضرة الفن، كي تشرب خمر الأذن، فتروى من مباهج الانفعالات المشرقة، التي تبنع من الغناء، وعزفه، فتجلو صدأ النفس، ويظهر بريق الجدة، والنضارة، في تجاعيد الكبد، والرتابة، يخرج الحي من الميت، ذلكم هو النغم الأصيل، تخضر الحنايا، بألف نبت وزهر، وتمور الحياة الراكدة، ويتجدد النبع، ولادة بعد ولادة، لألف حس جديد، وعاطفة جياشة تغمر الحوارح، بكل جميل، وبهي!!( أعطني الناي، وغني، فالغناء سر الوجود)!!..

من العصر، تكنس النسوة، والفتيات الحوش، وما أوسعه، ويفرش بالرمل الأحمر، المجلوب من خور الدفيسة بالكارو، ويرش بماء النهر الطيب، تفوح رائحة الرمل والطمي معا، تعميد لارض أنجبتنا جميعا، أمنا الأولى، حتى الحيوانات التي تدب فيها، يجلب الناس الأسرة والعناقريب من الجيران، كلهم خيلان وأعمام، تفرش البروش لرقص النساء والفتيان، وعلى حبال الغسيل، في القرية كلها، ترقص الثياب الجميلة، والسروايل، والاقمصة، والفساتين، في أنتظار المساء النبيل، مساء السكر الجماعي الحلال، حفل رقص، أو حنة، أو عرس، لا صوت يعلو، فوق صوت اللحن، والطرب اليوم، طقوس فرح، أشبه بالوضوء الدي يسبق الصلاة، النية والصدق فيه، من واجبات السماع المبارك، وإلا بطل السماع، كالضوء، فللسماع طقوس، وأركان، وأكرم محدثك بالإصغاء إليه، فمن يسمع القلب، وليس الأذن، يا غافل البال.

لا تخذلهم الأغنية، كل الحضور،  تنصف الذوات السامعة، لا يشغلها امرء عن آخر، عدالة فطرية، مبثوثة في طوايا لحنها، ترى القلوب كلها، في عتمة الظلام، أو ضح ما يكون، لا تخطئ باب نفس، من النفوس، تطرقه بهون، وبأناملها اللامرئية ألف مفتاح سري، يفتح العصي، والصدئي، والمغلق،  ثم تعرج لصحن الدار، فتكنسه، وترتبه، وترويه، أسرع من رجل بلقيس، حتى الصور الشعرية في القصيدة، الملحنة، تصبح واقعا، يدخله السامع، كما يدخل داره، ويلقى عصى رحله وهمه، ويخلع نعل سعيه في فجاج الأرض، فالقوت بين الضلوع، ويسكن المرء في حلم الأغنية، ومعانيها اللطاف، ويعرج اللحن به، إلى سموات فيه، لا يطالها حكي، أو شعر، أو نور، حيث الحياة، في عرشها الأول، وتخلقها امشاجا وشعور، حتى يسكن حقيقة، وليس مجازا، الحلم المجسم في القصيدة، وقد سقاه خمر اللحن، والأداء الطروب، خمر الإيجاد والإمداد، فطبت، أيتها الأغنية، رسولة للحلم المعاش، كالواقع، بل أعمق، ويخرج المرء من الحلم، أكثر حكمة، وبركة، ورهافة، كي يواجه ضرواة الحياة، وكبدها اليوم، (ليس بالخبز وحده يحي الإنسان)، خبز الأغاني، ألذ، وأفيد…

 

 

**

 

زيدني في هجراني

 

في هواك يا جميل العذاب سراني

 

على عفافك دوم

 

سيبني في نيراني

 

 

***

 

 

عند معرج الطريق، يقود للمشروع الزراعي، وإلى القرية، والنهر، نجلس، معي صديقي الحاج ود كلتوم، هجرته حبيبته، وهو سعيد، معلمة في المدرسة، يحبها ويخاف منها، ويرهبها، حلو القلب، مترع بالرهافة، يحس بسعادة الألم، يحبها وهي بعيدة، أو قريبة، كما أحب أدريس جماع السماء (دنت له، وأستعصمت بالبعد عنه)، كان يحكي عن تعنتها، بحزن نبيل، وطرب أصيل (بربكم كيف يلتقيان، سوى في معجزة الغناء، وقال لي حين اسمع (زيدني في هجراني)، أتعجب كيف كتبها جدنا عبدالرحمن الريح، وأنا بطلها (والعذاب سراني)، أيسر العذاب؟ قد نعجب، ولكن أليس الحب عجب؟ وهل الحبيب بعيدا عنا؟ ألم يقول الصوفي الوله (لا تصلح المحبة بين أثنين، حتى يقول إحداهما للآخر يا “أنا”، فساعدته، ولو بعيدا عنك، سعادتك “أليس هو “أناك”، وللحب، في زمن الإغاني، عجائب…

(أدر دكر من أهوى، ولو بملام، فإن أحاديث الحبيب مدامي)، النابلسي، عبدالرحمن الريح يعرفون ود كلتوم، صديقي أكثر، وأعمق مني، ونحن نجلس في خور رملي،  الشاعر راعي، مسئول عن الأحياء والموتى، والأحفاد في بطون الغد، شعاع القصيدة الأصيلة، كالشمس، يضي قبة الماضي والحاضر والمستقبل، مقتبسه من نبض الحياة القصيدة الأصيلة، الأغنية الأصيلة، للقصيدة الأصيلة معجزة، مثل معجزات الرسل والأولياء، تخرق العادة، وتلمس الفؤاد، وتشعل الحب في الغدد المعضلة للجسم البشري، الغريب المبهم، تضئ مراسم فعله، فيبدو غارقا في النشوة، والتفاؤل، كأنه يسبر سر الوجود في وقت السماع، بلى.. بلي..

لم تكن مزامير دؤاد، سوى دواء شاف، يطبب به توحش الملك، يهرع الناس لداؤد، عليه السلام في مرعاه، حين يهيج الملك، وحين ينفخ مزماره، تسكن حنايا الملك، وتصفو خواطره ويعود ملكا وديعا، مسالما، عادلا، شفوقا، طيبا، (فأعطني الناي وغني)!!..

كان اسماعيل، يحمل ربابته، ويمضي في دروب الأبيض، وبارا، ينقر على أوتاره، من شعر ذيل الحصان، فتركض النغمات النواعم، كالشعر، لمخالب الأسد، وشرود المجانين، وقلب الصخور، فتستأنس الحيوانات، ويعقل المجنون، وتندى جلود الصخر، عزف مبارك، تضمد جروح المكان والزمان، بسر الحب، في لبوس أنغام وأهازيج، ومدائح، ..

(هل تحممت بعطر، وتنشفت بنور؟ وشربت الحب كأس من أثير؟، بلى سيد جبران، شربنا خمر الأثير، خمر الصوت والطبل والنغم، في حيواتنا، إنها حالة السماع، حال تجعلك، تفهم، مغزى قوله ابن العربي (أني لا أعجب لسعادة الإنسان، ولكني أعجب لشقاوته)، فقلبه المغني دوما، بالفهم والعرفان، جعله يرى جمال الكون، من حكمة المكون، ويتعجب لم يشقى الإنسان، وحوله كرنفال فكر وشعور، يرتل أنشودة ما نسميها “حياة”، وما أغربها، وما أعجبها، أي نملة تحبو تحتك، تقسرك على غموض الحياة، فهي تسعى، وتتعب، وتكد، بغريزة الحياة الأعجب من الشعر والخيال (وكلاهما في جلبابها البهي، ورحمها الوسيع)..

ما رأيت في الكون ياحبيبي أجمل منك، في جمالك وتهيك وفي صغارة سنك، أحس بأني أحب، وتلك هي حببيتي، فتاة ذات ضفائر، تحمل الماء على رأسها، وينزلق الماء، ويلتصق عليها كالفستان، كيف عرف عبدالرحمن الريح، وصف حبييتي، ورسم مشاعري، هل الشعراء كهنة؟  وكيف تغنى الكاشف بلحن، يرسل الأنوار للطوايا، والبقايا من النفس، في شطح السماع؟…

الأغاني تعرف سر الحياة، وجوهر الوجود، وحين نسمعها تلامسنا مهارة الصانع، في صنعه، فشكر الصنعة، شكرا للصانع، وما الكون، سوى تجليات المكون، وفي السماع نشعر بتلكم الهيبة والتوقير للوجود بأثره، حيث تتفتح حواسنا كلها، في قمة نشاطها، وصفائها، وعمقها، وعاطفتها، فنرى الجمال والعمق، يحيط بنا، كما يحيط الجلد بالجسم..

 

 

يا مداعب الغصن الرطيب

 

في بنانك، ازدهت الزهور

 

زاد جمال ونضار وطيب

 

يالمنظرك للعين يطيب

 

وتبدل الظلمات بنور

 

وتبدل الأحزان سرور

 

 

أقسم بأنها قيلت عن فتاة في قريتي، وعن فتاة مسيحية داعبت زهرة، وعن فتاة أمدرمانية، ما أجمل حياة الأغنية، في حياتها الصغيرة، والتي قد لا تتجاوز خسمة دقائق، تجعلك تعيش الدهر كله، ما كان، وما سيكون، بتنشيط الداكرة والخيال فيك، وقوى الإحساس، هل يغني الكون كله، ونحن لا نسمعه؟ قالها إفلاطون، ليتنا نصغي له، فالكون ملئ بالأسرار، التي ارهقت العلماء والفنانين والرسل والمفكرين..

أنه أغنية،  على يقين، ولكن كيف أصغي لها؟ أعني الكون برمته، كما أصغى له افلاطون، والحلاج، الذي كان يهمس لبيك لبيك، حين يسمع تغريدا، أو وشيشا، او هفيفا، (كان الله، ولاشئ معه، وهو على ما كان عليه)، الفاعل للجمال، وأن خفى، هو وحده، في لحظيات السماع، ترى الخراف، وهي عناصر الكون كله، الأحياء والجمدات، تسعى على حداء فكر، وحنب، لسوح المراعي الخضراء في الغد الزاهر، والحاضر الأزهر..

طعم الأغنية في قلبي، مثل طعم الحب في قلب الأم، لحظات سكرى، أصير شاعرا وحكيما، وبشوشا، في لمح بصر، أحس بجوهر القلوب، التي تنبض حولي، أرى أفضل وأعشق أعمق،  وأفكر أصفى، إذ نصبت بطلا،  في حياة الأغنية، وأهوي لعاديتي، بعد فنائها في الأثير، ويعتلي الملل ظهر حواسي كلها، أهجو الأثير، لم أغتلتها؟  ليتها تدوم، في حناياك اللطيفة، عطرا مسموعا،  ليتها، كي نرى أجمل، وأشمل، وأعمق، كل شئ يحيط بنا، أو فينا.

لا أدري، قد أسطر، الجزء الثالث، من الأغاني، وقد لا، بيدها الأمر، أي مسرات الأغاني، وأنا راضي عنها، وما اسدته لي، في تاريخ طفولتي وحياتي برمتها، ومن لا يشكر الشعراء، والألحان، لا يشكر الله..

شكرا أيتها الأغاني، عبر نوافذك، رأينا حقيقة الكون، وجماله، ومع غيابك، تصلصل الرياح، ويثار الغبار، وتتبلد الحياة، وتنبهم الرؤية.

الفكر أغنية، والحب أغنية، والأم أغنية، وأوسع الأغاني، بلادي، الحبيبة.