عبدالغني كرم الله بيده ازميل فنان، وليس قلم كاتب  (اللغة لوحة) ميشيل فوكو حكى، الشاعر النحات، مايكل انجلو، عن المواطن التي يرى فيها الملائكة، وسحرهم، وأجنحتهم البديعة، وصوتهم الذي تحاكيه موسيقى بني آدم، وتخفق خجلة، ومن العجب إنه لم يرهم في تخوم السماء، بل تحت قدميه،  قال: (أبصرت ملاكا، جميلا، في ركام صخرة تحتي، ولم أفعل شيئا..سوى أن نحت، ونحت..إلى أن خلصته منها).

كذلك فعل الطيب صالح، رأى حياة كاملة، خصبة، في بلدة بسيطة، قرية شمال الوطن، لا تعرف هل خلق الله شكسبير أم لا، ولم يتذوق أهلها مسرات الشعر الهندي، ولم تؤرق مضجعهم حجج الفلسفة اليونانية، حول العلة، والمعلول، ولا منابر جدل بين قبائل الساسة، كما لم يزعجها رنين أجراس المدارس، بل تنام القرية كلها، في أسرة خشبية صنعت من شجر حقولهم، ومع صياح أخر ديك، تلتحف السماء، وتفترش الثرى، وتتوكل على الحي القيوم، وتغرق في سر السبات، سر النوم الهنئ ، ومع هذا (ولم لا)، ظل العرس الذي خطه قلمه، بل نحته أزميله العبقري، قائما، في تلك القرية، وفي العالم أجمع لأكثر من نصف قرن، تسمع زغرودة عشمانة الطرشاء، تتسلل من رف المكتبة في نيروبي، أو من  تحت مخدة ناقد بلجيكي، أو حين تتصفح الكتيب الصغير، الكبير، الذي تضعه قربك كتعويذة حب، وأنشودة فرح فطري، زغرودة يسمعها العرب، والزنج، والعجم، بكل لغات الأرض..

 

 جعل الطيب صالح،  من الزين البسيط، الساذج، النحيف (كعود يابس، أو جلد معزة جاف)، ومن عزة بنت العمدة، (والتي انتعش جمالها كنخلة صبية حين يأتيها الماء بعد الظما)، ونعمة، الممتلئة كعود قصب السكر، زغرودة خالدة. كما جعل من لمة أطفال، عند البير، الذي يسقي عطش البلدة، وخرافها، وطيورها، لوحة تخلب لب العباد، في أرجاء المعمورة، تلك هي عبقرية أن ترى الكمال في كل خلية، من خلايا الكون (تشعر بأنه حي، حتى الجماد، والشجر والغروب، تنبض مثل قلوب بني آدم)،  فقد رسم لوحة للكون، بأسره، من شخوص بسيطة، تمر عليهم مرور الكرام (من جهل العزيز، لا يعزه)، وهنا يكمن ثراء عبقرية تعبيرية عالية، ثراء من يرنو، ويصغي بأدب جم، لكل فجاج الحياة، وظلالها، وجذرها، في ابسط شكولها، وأعرقها، وكأنها دعوة، “منه” لرؤية الأشياء كما هي، وليست كما تبدو للحواس المغبرة بصدأ العادة، وغرور التعميم، (اللهم أرني الأشياء كم هي)، وذلك برفع غطاء العادية عن وقائع الحياة البسيطة، المتشابكة، والمبهمة، ولو جرت في جزء من ثانية، منزلقة (والله أعلم)، من الماضي، للحاضر (أو صاعدة)، من الماضي للحاضر، فمن يعرف اليد  الأولى التي دفعت عجلة الزمن،  مجرى الزمن، كي يمضي، ثابت الخطو، أهي دفعته كي ينزلق، أو كي يصعد، فالطفل يولد غضا، وفي المنتهى يسكن حفرة القبر، خرفا، أهو صعود، أم هبوط؟، بعد أم قرب؟، ولكن عقل الطفل الغرير، ينمو، متأملا عبر الزمن،  مسرات الحياة، ووخزها، في درج حتمي، مراهقة، وشاب ورجولة، حتى يبلغ أعتى الحكمة، عند باب الشيخوخة، على مشارف لغز الموت، شعر الموت، (أهو صعود، أم نزول)، ترهل جسد، وعنفوان عقل، أيهما أحلى، وأغلى، لست أدري، نشاط الغريزة، أم هدوء التفكير، أم كلاهما، وفي الطريق وجه آخر للتطور، يترك الجسد يتجمل أكثر، كالعقل، بدلا للترهل، والضعف، من يدري؟ فقد كان الإنسان، بكل غروره، ردحا من الحقب، غيبا، وعدماً، بل سبقته للوجود على مسرح الحياة، الدجاجة، والنملة، فمن يقسم بأن جعبة الحياة خلصت، وكنانتها نفدت، ورحمها عقر، في خلق جديد، يرتقى ببنى آدم، لكائن يتجمل كل يوم، ويحلو مع دفق الزمن، من يعرف ما يخبئه غيب الزمن، (الغد: الذي يخفي وجهه دوما، وهو يخلق عجبه العجاب، كي يسفر عنه برفع ستار الحاضر، في كل لحظة، وخاطرة!!…

قرية دومة وحامد

 

لو سألت أي سوداني، رجل أو امرأة، طفل أو عجوز،  (أين تقع قرية دومة ودحامد، أو عن بت العريبي، وناس العمدة، وعن الضيف الذي سكنها، من أهل الخرطوم، التاجر مصطفى سعيد)، لدلاك الرجل، ووصف لك موقعها بالتمام والكمال، ودلاك على بيت التاجر، أو قطية موسى الأعرج، فقد صارت تلكم القرية، الحقيقية، التي خطها، ونحتها الطيب صالح، قرية حقيقية، فيها الروح، والروائح، واللغط، والحلم، والطموح، والمآثر، مثل أي قرية حقيقية، ولكنها قرية، رسمها وخطها، ونحتها في قلب كل سوداني، بل كل قارئ، ومتلقى، في عموم أهل الكرة الأرضية، وأقول الكون بأسره، إذ ان هناك عوالم من الجن، والسحر، تطلع على خفايانا، وحالنا، فلاشك الدومة الخالدة، كانت جزء من الحال والخيال، لذا صارت كتبه بقوتها، واقعاً معاشاً للقارئ..

 

وتلك القرية، نحتها على مثال، لاشك، هي قريته، كرمكول، بل أي قرية شمال ووسط السودان، ورسم من خلال شخوصها الحية، هموم وتطلعات، واسئلة، وحيرة أهلنا البسطاء العظام، نحتها بشاعرية عظمى، كما نحت مايكل انجلو تمثال داؤود، وقيل له (تكلم)، لصدق ومهارة التقليد، والأصالة.

 

أما قرية ود حامد، فقد تكلمت، وغنت، وساهرت، وحزنت، دون أن تؤمر، وصارت مزاراً، للسواح، من كل قارة، يمتطوا إليها قوافل الحرف، وحصين القراءة، كي يرموا عصى الترحال في الفسحة، التي امام دكان سعيد، وكي يرقصوا في عرس الزين، وكي يشتروا من التاجر البسيط (الماكر)، مصطفى سعيد، ولم يصور الطيب الحال والأحوال، بل مست موهبته الفذة روح الشعب السوداني، وجوهره النفيس، ولغته البسيطة العذبة، وهنا مكمن التأثير البالغ، الذى غمر الناس، حين يطلعوا على أعماله، وكأنهم، يعرجون لمقام معرفي، وذوقي بالقراءة، أكثر من متعة القراءة البسيطة، فقد لامست، تلك الروح، روح الشعبي الصابر، المثابر، البسيط، لامست روح القارئ، فأنعشت فيه الشاعرية، والغموض، بهم وروح وفكر، وشاعرية شعب يعيش على ضفاف نيل، بين الصحراء، والنيل، بين الشعر والواقع، يقتات النبت، ويحلق للسماء، ويتأمل الحياة، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الدهر..قرية كاملة، صباها في خمس كتب عظيمة، مؤثرة، أبد الدهر (عرس الزين، موسم الهجرة، دومة ود حامد، مريود، بندرشاة)..

 

بل أكاد أقسم، أن عشق الطيب صالح للبساطة، وغرمه العجيب بالقرية، وليلها، وحكايات أهلها، رغم تشربه بالعلم، وموهبته العجيبة في السرد، وعيشه في حياة الغرب، لقلت أنه، لو توفر له زهد بسيط، أمام رغبات نفسه، لزهد في الحياة، مثل أولياء السلطنة الزرقاء، حسن ود حسونة، ود الأرباب، ود ام مريوم،  وبانقا الضرير، ولزم الخلاء، باحثا عن السر، الذي يتراءى في كل كتبه، كما جرت العادة لكبار العباد من أجداده، حين اختلوا بأنفسهم، وعثروا على كنوز معرفية، وخرق عادة، ملأت كتاب ود ضيف الله، مثل كتبه، وهي مشحونة بما لطف، من مائدة “خرافة”، وهو لم يحكها كخرق للعادة، بل هي كعادة للنفوس التي لم تخلد للتقليد، وتحن أن تخرج من أرض لها وسماء، وتأبق من رسم الماضي، إلى تحليق الغد، بما لم يخطر على قلب، أو تلحظه عين، أبدا، فهذه المدونات التي سطرها (عرس الزين، موسم الهجرة)، هي نوق للرحيل، للسر الأحلى، والاعجب، للحياة.

 

غبطة ونشوة كاتب يكتب

 

هل غبطتم كاتب ما؟..

ليس فيما كتب، بل تأمل الحالة التي عاشها، وهو يكتب بضع كلمات، لا تتجاوز الأسطر الثلاثة؟!!.

وجرى بكم الخيال، إلى حالته تلك، وهو يعاني مسرات المخاض العجيب، وهو ساهم، يقلب طرف بصيرته، ويرنو لداخله، كأوسع ما يكون، يراقب دفق الإلهام، والتفكر، والشعور الداخلي  كي تنثال على الورقة البيضاء، امامه، يستل، ويرسم ببراعة مشهداً بسيطاً، غير بسيط، من بنات أفكاره، وهي تلك الفقرة الصغيرة،!!.(ونجح الزين في جذب الدخان إلى فمه، فنفث منه غمامة كبيرة، وقفت ساكنة برهة، ثم ذابت في خيوط دقيقة، بعضها نحا نحو الضوء، والآخر اختلط مع سواد الليل في الجانب المظلم..(عرس الزين، صفحة 91) هذا الحدث البسيط، الكبير، جرى ليلا امام “قدام”، دكان سعيد، وضوء الرتينة، خلق مستطيلاً طويلاً، من الضوء، في سماء فسحة كبيرة، سوداء بطعم الليل، فتمرغ الدخان بين روح الضوء، وشعر الظلمة، فطرح جسده، بين فضيحة الضوء، وستر الظلمة، سريرة وسيرة، وسرها، كم غبطته (أي الطيب صالح)، في حاله تلك، حال ان تتضافر أدوات الحس، من قلب، وعقل، وجسد، كي تتفرج على الحياة العادية ككرنفال سحر، وغموض، وهو يراقب بأنس عظيم خيوط البخور، تخرج من فم الزين “الشروم”، كفوهة بركان، وتقف برهة، ثم تتلاشى، مثل تلاشئ خيط بخور الزمان، في ظلمة الماضي، أتية، من ضباب الغد، كم غبطته، في حالته، وهو ثمل بوقائع الحياة العادية، اللاعادية، لذهن متوقد مثله، يتفرج على الحياة، على كرنفال الحياة الأبدي، وهو يعرض نفسه على خشبة مسرح “اللحظة الحاضرة”، بعد بروفات الماضي، وعلى خطى مراقبة مخرج عظيم، هو المستقبل، وعلى جمهور عظيم، هم الأنس والجن، فتتعجب من حاله “أثناء الكتابة” من (ممثل وكاتب ومتفرج) معا، أنها الحياة، ودورنا فيها، بين تصفيق الأعجاب، وسخط النظارة، وسخط الضمير الداخلي، وسخط قوى الحياة المحيطة، وهي تقضمنا بأفواه صغيرة، ذكية، كل حين، حتى نتلاشى، بفكرة الموت..

 

عشمانة الطرشاء ترقص قرب باريس:

 

من إغراءات الكتابة، تلك الوحدة العضوية للاشياء، التي تبدو للعقل متنافرة،  ولكن للعقل الفني، “القلب”، تبدو كائن عضوي واحد، جارحة لجسد، تمسك كل خلية، بأختها، في إخاء كوني، يجعل من الكون جسدا، ينبض بالفكر والشعور، وكل جبل فيه، إو وهاد، أو نهر جار، أو قرية ناعسة في سجا الليل، هم أهل، وعشيرة واحدة، وهذا المذاق، هو سر الخمر المعتقة بأحشاء الفن، أنى كان، بل أي جبل هو نهد حسناء، وكل وهد، هو منزلق بطنها، وكل بركة، هي سرتها الساحرة، في تلكم الذبذبة الخلاقة، لحال الكتابة، في حضرة مناسكها، حين تقام، وهذا هو إغراء العظيم، تكاثر الوحدة، ووحدة التكاثر، جذرك في الأرض، وفرعك في السماء..

 

فمن الذي جعل عشمانة الطرشاء، ترقص في ليل كان، قرب باريس، ومن جعل قرية بسيطة، تحج، بأسرها، وثغائها، وبيرها، ودروايشها، إلى هناك؟.

 

هي الكتابة، ببراقها العجيب، الذي يجلب، كرجل بلقيس، عروش من الاشياء البعيدة عن العين، القريبة من القلب، على عرش الكتابة الخلاقة (والكتابة هي: ثراء الاحشاء)، ولمها للبعيد والقريب، من حيث المسافة، ومن حيث الزمان، فلا ماض، معها، ولا غد (جمع الزمان، فكان يوم لقاك)، لقاء الحلم والخيال والتذكر، في سوح الكتابة الخلاقة..

 

فقد كتب الطيب صالح، حكاية “عرس الزين، في قلب كان، تلكم المدينة الشهيرة بالأفلام (الأفلام تجسيد الخيال، والأيدي الماهرة تجسد الخيال)، فقد هاجر، في إجازته من لندن، إلى الجنوب، إلى فرنسا، هرب وهو حامل بشئ في بطن “قلبه”، ومثل النساء الحوامل، من آلام المخاض، يعشقن الطين، (أصلنا الأول)..

 

لا أدري، لم اربط، بين الكتابة، وبين الحلم القوي، الذي يفلت من النوم، لعالم اليقظة؟

حلم قاهر، قوي، لم يكتف بعوالم النوم، بل فرض سلطانة على اليقظة، لذا كان الطيب صالح “يخاف الكتابة”، ويخاف الجنون، مثل همنجواي، لو دأب على الكتابة، لأن الكتابة لديهم هي حلم حقيقي، شخوص واقعيين، إضافة لحياته الحقيقية، إضافة لذكرياته، ولك أن تتصور، ثالوث قوي، يهيمن عيك، كأنك ثلاث شخوص معا، لقوة خياله، وقوة تذكره، وقوة ملاحظته للحياة الماثلة، امامه، نحن روحان حللنا بدنا، بل ثلاث أرواح، وتلك هي العنت، ولاشك ممارسة الكتابة، لديه، جعلته يعيش هناك، أكثر من هنا (أنظر إليه، حين يتكلم، ونظرته البعيدة)، مثل جده عبدالغني النابلسي (أن جسمي هنا، وقلبي هناك، وأنا الصب بين هذا وذاك)، وتلك هي معاناة الكتاب العظام، (هنا، وهناك)، يفر خيالكم لفردوس داخلي، يرتق فتوق الحياة، ويصقلها، ويخصبها، ولكنه وهم، مهما سرح الطرف، فيعود  الجسد لحاله، وأحواله..

 

 

 ومع ذلك الثالوث (الخيال “بديل الواقع”/ التذكر”الحنين”، وقوة الملاحظة الحاضرة)، اختلى في مدينة  “كان”، وببراق الكتابة، حضرت عشمانة، وعشيرتها، عن بكرة أبيهم، حقا، لا مجاز، إلي قلب مدينة كان، بل حين سطرها، وبين الحين، والحين، حين يشرب فنجان قهوة، ويتطلع بهدوءه المعتاد في الريف الفرنسي الخلاب، وخياله مسكون بشخوصه البسيطة، يتوحد الثالوث، للذات البشرية، عبر طقس الفن، والكتابة، وهنا يكمن سر الفن (تجزأ فرة، فطر عند أربعين فدة مرة)، كرامة الشيخ السمان، حيث تكاثر وجوده، في أكثر من مكان، في زمن واحد)،..

 

من إغراءات الكتابة الخلاقة، ذلك الحنين للبلد، وتلك القدرة على توحيد البنية البشرية (عقل وقلب وجسد)، أي خيال وذاكرة وحياة جارية، تلكم الجزر النفسية، التي قسمت النفس البشرية أيدي سبأ، وجعلت من أحشاء الإنسان، أرخبيلاً متصارعاً، في شراسة الغاب، وهي حرب داخلية، في كل بنية منقسة، على نفسها، اشرس من حروب العصى، والعكاز، والبندقية، والقنبلة الذرية التي خاضها الإنسان، ضد أخيه الإنسان (الأب آدم، والأم حواء، وإن كان في اصلهم شئ يفاخرون به، فالطين والماء)!!، فلم الحرب أيها الأخوة، أخوة التراب، تراب المنشأ، وتراب القبر، تراب الحال، والمآل، ولكن متى تنجاب الغشاوة، متى؟..

 

ففي “حال الكتابة”، تتوحد الذات البشرية، في إنسيابية رائقة، تجعل من دمه خمرا حلالا، وهو يسوح في أفاق داخلية، يتيحها الفن المعتق، كمعبر، وجسر لفهم النفس، وفهم الذات، وقدراتها السحرية، مما جعل الفن، عبر التاريخ، أبن الدين، وخدين العلم، يمد جناحيه، لثمار العلم، وخفق القلب، ومخيلة السحر، والتوق الدافئ للخلود.

فتلكم الوحدة العضوية بين العوالم، لكل الاشياء، والوقائع، التالدة، والمقبلة، في قلب الكاتب، هي أس الكتابة، بل أس شراب أكسير الكتابة، والتمرغ في سرها، وسحرها، وهي التي جعلت من عشمانة الطرشاء، أن تفارق أهلها، وترقص “بشتارتها المحببة”، في قلب كان، قرب باريس، حيث كتب الطيب صالح عرس الزين.

 

ولك أن تتصور الطيب صالح، وهو يكتب، منكبا بصدق في عوالم العرس، ولمة دكان سعيد، ومكر الأمام، وضحكة الزين المعهوده، لنا، وله، ثم يرنو ببصره من النافذة، لعوالم كان، والنساء الشقر، الاكثر رشاقة، ثم يحس بأنه يحتاج لفنجان قهوة، فيصنعه بمهل، تلكم هي عوالم الكتابة، أن تكون في كل الأمكنة، ولا يشغلك شأن عن شأن، بل يتسع قلبك، ليتثمل كل مسرات الكون، ويتذوق المطلق، بين حناياه، فما أوسع القلب الإنساني، (لو أن الكون وعشرة، أمثاله في ركن من أركان قلب العارف، لما أحس به)، كما لمح عاشق الحق، والحقيقة، البسطامي..

 

الطيب انسان نبيل، احساسه بالزين/ وعشمانة الطرشاء ومحبتهم لهم كخالق واحساسه بحزنهم الداخلي، حتى خلقهم شخوصاً حقيقية يشئ بقلبه هو، أكثر منهم فهم مجرد خواطر في قلبه والكتابة تشير له، لحياة المؤلف، وليس موته، كما يقول شطح النقد، بل حياته المترعة، الواسعة، والتي يسكنها، وفي قلب واحد، مصطفى سعيد البارد، والزين  الحي بالمشاعر، وعشمانة الطرشاء البسيطة، وبت مجذوب بطلة الفحش البسيط، وحيوات أخرى، تموج بها بحاره الواسعة، التي سطرها في القصص والمقالات الصحفية، والنقدية.

 

ثراء تداخل عوالم ثلاث، فهو جالس في عذوبة حياة كان، الفرنسية، يرنو بعينه الذكية في الخضرة، والرقة الفرنسية، والريف المديني، الساحر، الهادئ، ثم هو في دومة ود حامدة، قريته التي خلقها  بيديه، وحروفه، ونحته، نحت مدينة كاملة، تسمى دومة ودحامد، تمثال، من المثال، ومثله، هي أي قرية سودانية، وهو نحت القرية، وبيوتها، وشكلها، ومقابرها، وماضيها، وغدها…

 

العلاقة معه ، مثل الأخوة، لاتدري متى بدأت!!

 

كيف أحدد علاقتي به، فأبواب الدخول إلى الطيب صالح، بالنسبة لي، مثل قبة السماء، من حيث تأتي، تدخل إليه، فالعلاقة به مبكرة، وتكاد ضبابية بدئها، تجعلك تحس وكأنها بدأت في الرحم، مثل علاقتك بأخوتك، وأمك، وابيك، متى بدأت؟ وماذا جرى بينكم من أفراح وأتراح؟   فتعجز عن تحديد، متى، وكيف، وأين بدأت العلاقة به، ، بل تحس بأنها كانت قبل الجسد الطيني، هناك في عالم الذر، حيث الجميع، أخوة، لذا تحس بأنه يلامس فؤادك حين يكتب، وحين تطيعه أبجدية العرب، فيما يريد، وينشد..

 

للحق مر بي وقت عصيب، في مطار دمشق، فلم أجد عزاء سوى ترديد، لمح شاعري، عظيم، بل حكمة، في لبوس آية أدبية، هي مقولته: (أنني لست ريشة في مهب الريح، ولكني مثل تلك النخلة، مخلوق له أصل، وله فصل)، وفي التو ، شعرت بأن لي جذور في اليقين، برقت كلمح من ترتيلي الخاص لهذه الفقرة الأدبية، برقا أزليا، أضاء كياني باليقين، وبسلامة طوية الحياة، فيما تضمره من عنت، فقد كنت في هوان عجيب، بعد أن ضاقت البلاد بأهلها، بما رحبت، وعسكر العسكر في القلب، وأنطمس الضوء، وتسرب الظلام للفؤاد، ، ولمست يد الفقر الخشنة الكبد، فتشتت شمل الأسر، وشاء القدر أن أغامر، بلا حول ولا قوة، للسفر، بلا تخطيط، لبلاد العرب، مثل هروب من الرمضاء للنار، لوحشة فراق الأهل، والمصير المجهول،  وفي المطار، ولا أحد ينتظرني، بل لا أحد يعرفني بين المسافرين، بل لا أعرف أنا نفسي سأذهب إلى أين في مدينة بحجم دمشق، وجيبي يكاد خاو، لا أملك، من يوصلني لقلب دمشق، ناهيك عن العيش والسكن، في تلكم اللحظات، والبرد يلفح وجهي، برد شتاء لم يتعود عليه جسمي من قبل، (هل أخطأت بالمغامرة)  أغرقني الهوان، وتفكرت في الوجود، كله، تفكر مضطر، لا حالم، وانبثقت تلك المقولة، ككف تربت كتفي، وتلهمني اليقين، بأن الله معي، حيثما كنت، فكان ما كان، مما لست أذكره، من برق يقين، أضاء احشائي، وكأني ورثته، من تقلب أصلاب أهلي في دنيا التصوف، قرون عدة، برق خاطر (المكتوب في الجبين لابد تشوفوا العين) وهذا هو الأدب الاصيل، ليس فقرات تقرأ، ولكن عزاء عظيم لبنى آدم، في متقلب حياتهم، ومثواها، فلذا العلاقة بالطيب صالح، ليست علاقة كاتب ومتلقي، بل علاقة أعظم من هذا، كما حكيت، ففيها المروءة، وفيها صلة الرحم، عبر الكتابة، وفيها إغاثة الملهوف، وفيها جلسة ندامى، في رشف رحيق الأدب العظيم.

 

فأبواب الدخول إلى الطيب صالح، بالنسبة لي، مثل قبة السماء، من حيث تأتي، تدخل إليه، فالعلاقة به مبكرة، تكاد ضبابية بدئها، تجعلك تحس وكأنها بدأت في الرحم، مثل علاقتك بأخوتك، وأمك، وابيك، متى بدأت؟ وماذا جرى بينكم من أفراح وأتراح؟ هي اشياء لا تحصى، لذا هي علاقة قديمة، وكبيرة، تتذكر منها أشياء، وتغيب أشياء، كما يتذكر المرء فجأة تجربة كاملة (تطفو وتكون في راحة اليد)، أذكر أول خجل لي، من القراءة، كان بسببه، حين جاء ابن اختي، يقرأ لي، كلام بت مجذوب، خجلت فعلا، حين شعرت كأني متلبس بقولها،  وكأننا قرأناها بصوت عالي، وليس في سرنا، حين دخلت أمي وقالت “مالكم”، لاشك قلب الأم يقرأ الأسارير، وهي قرأت خجل ما بداخلنا، تتسرب للأسارير، كعادة الانفعالات، تتخذ من الوجه مسرحا، لعرض حزنها، أو دهشتها، ويظل الوجه اسير الانفعالات، حتى الضئيلة منها، واتقوا فراسة الأم، فإنها تنظر بعين الله، وقد تكون الأم هي الشعب، هي الأشياء والأحياء، فكن (صادق الكتابة)..

 

فكل إناء بما فيه ينضح، كانت القراءة فتحاً لنا، شعرنا بغته، بعوالم أخرى، غير عوالم القرية، وأعرافها، وتقاليدها تحج إلينا، وعبر القراءة الصامتة، كنا نطلع على الحروف الصامتة هي الأخرى، ولكنها تهمس بصورها، وشكولها، ومكرها فينا بأسرار العالم خارجنا، وحولنا، وفينا، وأدركنا سر الأبجدية، في الصمت والصراخ معا، كقبور أهلي، أحياء وأموات، يشربون خمر السماء، فصمت القبور وسكينتها الغامضة، في تلك المقابر، البعيدة عن القرية، حين يتكئ الافق على الارض، ويصير جزءاً من القرية، ومعه تلك السحب التي تلعب فيه، مدى الدهر..

 

علاقة كبيرة، معه، كل مرة تتذكر أشياء، وتنسى أشياء، وكما للأخوة، والأباء والأعمام علاقة ترتبط بالأمكنة، بالبيت، فيما جرى بالحوش، وما جرى في التكل، أو أوضة الحبوبة، والصالون، والزريبة، والفسحة، والأعياد، كذلك يذكرني الطيب صالح بصالوننا الطيني، لا أزال اذكر شباكنا الخشبي، الأخضر، ذا الشقوق التي تعزف عليها الريح، وأنا أطلع على موسم الهجرة، وأقف بين الفقرات المشحونة بالشعر، والتصوير الرائع، كي أتمثلها، كصور، وكي أحفظها عن ظهر قلب، وهي أشياء تجري حولي، فأصغي لصوت الريح في الشباك، وأدخلها في عالم النص، فلولاهو، لما شعرنا بثراء الواقع حولي، وبأن مسيد قريتي، ومدرسها، وشخوصها، بمقدروهم أن يكونوا أبطال قصة، ومدار حكاية، فصار الشارع الذي يقود للمشروع الزراعي، والذي يمر بدارنا، هو مسرح أحلامي، وتفكراتي المراهقة، عن من يصلح ليكون بطل روايتي القادمة، خادم الله، أم سكينة الداية، بشيطنتها المربعة، وهي تركب الحمار، في مطرة شديدة، كي تولد طفلاً في قرية أخرى، أم الدرويش “سلك”، والذي يلف كالمترار، ولسويعات طويلة، تدوخ الجبل، ولكن يظل ثابتاً، كالمروحة، ويدور مثلها، ساعات طوال..

 

وحينما اتوقف (عن القراءة) كي اشرب ماء، أو أمضي لفاتحة أقصى الحلة، فأخرج للحوش، وكأني لا أزال في عالم القراءة، فأجد أهلي، والحمير، ورائحة البلدة، كما هم في عالم القصة، نفس الملامح والشبه، وحين أعود للقراءة، بعد أن أثني المخدة، فكم أحب القراءة راقدا، كأنها حلم يقظة، أجد أهلي، والذين لا تزال كفي دافئة من مصافحتهم في الفاتحة، داخل النص، وقد كشفوا، سيرتهم، وسريرتهم، كعادة القصص العجيبة، التي لا تكتفي سوى بجوهر الإنسان، ومعاناته في الحياة، وفي البحث عن نفسه، وتعترف لكاهنة الكتابة، بكل ما يعتمل في السيرة، والسريرة، بطفولة عجيبة، تجعل من الأدب، عاقد أواصر بين بني آدم، فيما خبأ في نفوسهم الخائفة، الوجلة، الخجولة، في قول ما يعتريها من هوان، وضعف، وحلم، وخطايا.

 

عالم الكتابة يظهر رقة الطيب صالح، حتى تشعر بأنها رقة مباشرة، وليست خلال حجاب الكتابة، رقة سكبها في قلب أم الزين، وفي بت العريبي، وفي الحنين، تكاد تلمسها، من قوتها، وكأنه جعل من شخوصه، أواني يسكب فيها رقة المعاني التي تجيش بصدره، للحياة مطلق حياة، وللبسطاء أمثال الزين، وصحبه، وأمثال المعقدين، كمصطفى سعيد..

 

حتى رسوم كتبه، وروائها، وشكلها منطبع في القلب، مثل ذكريات المطرة، وزراعة الحقول، وطعم الغرق في الترعة، جنوب القرية، أنها مجموعة علاقات، أشبه بالأبوة، أو الأخوة، بل والأمومة، فقد كان قلبه مترعاً بحب أسطوري، للكون بأسرة، وبالأخص الذوات المعذبة، مثل مصطفى سعيد، والزين، والحنين، وموسى الأعرج، ومنسى، النادر بطريقته. ..

 

له صورة، تذكرني دوما، بقصيد الشاعر الحزين، على محمود طه، من ديوان “الملاح التائه”، فقد عاش بعيدا عن وطنه، ومات بعيدا، وهو أقرب الناس للبسطاء، بل الشعب بأسره.

***

أيها الشاعر الكئيب مضى الليل

ومازلت غارقا في شجونك

مسلما رأسك الحزين إلى الفكر

وللسهد ذابلات جفونك

ويد تمسك اليراع وأخرى