حركات نضالية عملاقة تحيط بنا، لها تاريخها العريق، واجهاتها جذابة جداً، لُصقت عليها صور رموز وأحداث تاريخية.. تاريخها سر قوتها، تماماً كالفنانة الحسناء!! عندما تشاهد فيلماً قديماً لإحدى الفنانات الحسناوات، ربما تتمنى أن لو رأيتها على الطبيعة، لكنك فور أن تتاح لك الفرصة لتقترب منها؛ تكتشف أنها ليست هي ذات الصورة التاريخية التي أعجبتك، فقد هرمت الحسناء.

وعندما تُعجب بتاريخ إحدى الحركات وتود الالتحاق بها اسأل نفسك أولاً: هل تريد الالتحاق بتاريخها أم حاضرها؟ هل لازالت أهدافها ومواقفها التاريخية التي أعجبتك هي ذاتها أهدافها ومواقفها الراهنة؟! وهل لازالت تتمتع باللياقة الكافية لإنجاز تلك الأهداف؟!

لقد أعجبك تاريخ صباها لكنك ستلتحق بها في هرمها، أعجبتك رشاقتها وهي صبية لكنها الآن متورمة بالكاد تتحرك، أعجبتك فكرتها النقية الفتية، لكنها الآن تحمل طبقات من الأفكار التي تعاقبت عليها عبر التاريخ، أعجبك أنها تزف دائماً بشارات المستقبل، لكن التاريخ اليوم يكاد يكون مادتها التسويقية الوحيدة، أعجبك حماسها المتدفق وخوضها الأهوال بجسارة، لكنها الآن ترفع شعار”الاتزان” الذي يتناسب مع سنها، أعجبك أنها تتقدم الصفوف ولو كانت منفردة لتقدم النموذج وتلهم الأحرار، وهي اليوم تبحث عن عُكاز، تصرخ فيمن حولها بعصبية “لن أتقدم منفردة”، “إما كلنا أو لا”.. أنت تود الالتحاق بالحركة التي أعجبك تاريخها، وتظن أنك ستشارك في أحداث مشابهة لما قرأته عن تاريخها، تتوهم أنك ستعود للمشاركة في ذكريات الحركة وتشاركها صنع التاريخ السحيق قبل عشرات السنين، وهذا أبداً لن يكون!!

ولكن.. على رسلك.. انتبه.. فهذا لا يعني أن لا تنصف تاريخها، فتاريخها محفوظ ومقدَّر، ويكفي أنه أشعل فيك جذوة المقاومة. لكن لا تتوقع منها بناء المستقبل، فهل من الحكمة أن تقسو عليها وتتمنى أن لو فعلت ما كانت تفعله في الصبا من عدو وقفز ولعب؟!. لذلك لا تُحرج من أن تسأل الحركة عن عمرها، قلها بصراحة… كم عمرك يا “حاجة”؟ ثم افتح أرشيف المؤسسات وابحث عن عمرها الافتراضي لتعرف كم تبقى لها من أنفاس.

فالمؤسسات مثل الكائنات الحية، أعمارها متفاوتة، بعضها مثل السلحفاة تعيش مائتي عام، وبعضها مثل الحشرات تعيش أياماً، ابحث في تاريخ الحركات الناجحة التي من نفس جنس الحركة التي تريد الانضمام إليها وتعرف على عمرها الافتراضي، لأنك قد تكتشف أن طول عمرها دليل إخفاق ليس إلا.
فالحركات تفقد مبرر وجودها عندما تخفق في إنجاز أهدافها، وتموت بموت الفاعلية، وبعضها يظل جسدها وتاريخها عدتها للخداع والتهام المواهب. عندما ترى حركة معمرة كان يفترض أن تحقق أهدافها من عقود لا تغتر بعمرها، فهذا هو عين الداء وموطن الخديعة، يجب أن تسألها.. لماذا عَمَّرتِ؟ ألا زلتِ هنا؟! أقرانك رحلوا منذ زمن طويييل، ماذا تفعلين هنا؟! ألم يكن من المفترض أن مشروعك قد أُنجز منذ عشرات السنين؟! فبعض الحركات يكون طول عمرها شاهد عليها لا لها، كحركة نضالية كانت تريد القفز على السلطة، فإذا بالحكومات تتعاقب عليها وهي لا تزال – بعد قرنين- تنظر في دهشة فاغرة فمها.

إن دورة حياة الحركة النضالية أشبه بدورة حياة دودة القز التي تريد إنتاج الحرير، فهي تبدأ كدودة (يرقة) صغيرة، ثم تتحول إلى شرنقة، ثم تتحول إلى فراشة، ثم تضع البيض الذي يحمل الدود في جوفه، وما إن تضع الفراشة البيض حتى تموت.. فهي في كل طور من عمرها بشخصية وخصائص ووظيفة مختلفة تماماً، والطور اللاحق قائم على سلب السابق، أي أن جوهر تطورها قائم على السلب، سلب الوجود السابق. فالشرنقة تسلب الدودة وجودها، والفراشة تحطم الشرنقة، والبيض هو ملك الموت الذي يلتهم الفراشة. لا أدري بماذا أناديها، الفراشة أم الشرنقة أم الدودة أم البيضة، أمر مذهل بحق، لكن بصفة عامة؛ هذا الكائن المتطور هو مصدر الحرير، هو سر الرفاه الذي تسعى إليه جل الحركات.
والحركات النابهة تدرك أن طبيعتها تشبه إلى حد كبير دودة الحرير، فهي تعلم أنها في طور “الحركة”، وهو ليس الطور النهائي، فهو الطور الثاني، فالحركات تنشأ من ضعف، من “فكرة”، ثم يشتد عودها وتتحول إلى “حركة”، وهو طور تَشَكَُل الفكرة إلى كيان له أهداف ووسائل، وهي لا تفكر أبداً في أن تظل “حركة” إلى ما لا نهاية، إذ صُممت من أجل التحول إلى مشروع “دولة”، سواء وصلت بنفسها إلى السلطة أو اكتفت بالمساهمة في التغيير. أي أن طور “الحركة” هو طور العبور من “الفكرة” إلى “تحقيق المشروع“.


إن طول عمر طور “الحركة” يعني أن هناك خللاً في دورة الحياة، أن هذا الطور أصابه عطب بحيث لم يعد صالحاً للتحول إلى طور جديد. أو أن العطب كان في طور الفكرة” غير القادرة على التحول إلى طور “الحركة الفعالة“.

لو كنت زعيماً لحركة تاريخية لآثرت أن ينتهي تاريخ الحركة بآخر محاولة فعالة قامت بها على طريق التغيير، لتنضم فخورة إلى أرشيف الحركات التي قدمت محاولات قيمة على مدار التاريخ. فتاريخ آخر محاولة فعالة سيلهم الأجيال، بينما سيضلله ويخدعه الاستمرار في صناعة تاريخ خاو من الأحداث. لذلك أعتقد أنني كنت سأكتفي بتقديم تجربتي للشباب، ومنعهم من الانخراط معي، لأن الحركة لم تعد قابلة للتحول إلى الطور التالي، ولأخبرتهم أن المقاومة دوماً في حاجة إلى الحركات الشابة شكلاً ومضموناً، التي لم تتأثر بعد بالتجربة السلبية التي يخلفها الصدام مع الواقع، ولأوصيتهم بصناعة حركتهم الشابة ونسج تجربتهم الفريدة.

اخشى أن يخبرني البعض أن أجدد نشاط الحركة بدفعة شبابية جديدة، وليت الأمور تسير على هذا النحو، قد تخدع الحركة العجوز الآخرين قائلة لهم.. انظروا.. جل عشاقي من الشباب، أنا لا أزال شابة.. لكن الأمور لا تتم بهذه البساطة، فهناك فرق بين عمر الحركة الذي لا يمكن العودة به للوراء، وبين وجود شباب يمثل مساحيق التجميل الفاقعة، التي تثير الاشمئزاز عندما تراها تلطخ وجه عجوز شمطاء، فلا هي تحلت بحيوية الشباب ولا وقار العجوز.

وائل عادل