شباب وشابات من خلفيات وافكار متعددة جمعهم منبر "التغيير الشبابي" الاول، والهدف الاستماع والتعبير عن افكار جديدة نحن في اشد الحوجة لسماعها للخروج من الدائرة الضيقة التي ندور حولها. طرحنا في المنبر اسئلة للحضور تتعلق برؤيتهم حول : الوضع السياسي الراهن في السودان؟، والازمات والمشكلات الموجوده ؟، واذا كانت هناك حوجة للتغيير ام لا ؟، ونموذج وشكل التغيير الذي يرغبون فيه ؟، وأسباب تاخر التغيير؟، ورسائلهم لقيادات الاحزاب المعارضه والحركات المسلحه؟، بجانب تجاربهم وخبراتهم الشخصيه.

وامتد الحوار لثلاثة ساعات جاءت حافله بنقاش مستفيض وجرئ؛ حمل في بعض جوانبه هجوما وحدةً علي المنظومة الاجتماعيه والسياسيه السائده، وعرضاً لتجارب وافكارا يدخل الكثير منها ضمن المسكوت عنه.

وسيتم عرض ملخص النقاش خلال اربع حلقات، نبتدرها هنا بالجزء الاول وتناول خلاله المتحدثون : الوضع الراهن في السودان، الشعور القومي، واستقلال الجنوب.

وتكون حضور المنبر من (الترتيب حسب الحروف الابجديه) :

1 ـ الساري سليمان / خريج جامعة الخرطوم – حاصل علي درجة الماجستير في ادارة الاعمال.

2 ـ حسن محمد نور / مقاتل وعضو سابق بجبهة الشرق – خريج جامعة النيلين.

3 ـ ريم عباس / صحفيه و كاتبة لعدد من المواقع – درست اعلام وعلم اجتماع.

4 ـ عبدالفتاح تبن / مخرج افلام وثائقيه وناشط في مجال حقوق الانسان – خريج كلية الهندسه جامعة ام درمان الاهليه.

5 ـ وفاء احمد الطيب / ناشطه في قضايا الجندر والشباب.

في افتتاحية المنبر تحدث ممثل مركز الاستاذ / محمود محمد طه الذي استضاف المنبر باقتضاب نيابة عن اسرة المركز مرحبا بالضيوف، وعبر عن سعادتهم باستضافة الشباب في سياق “اهداف وبرامج المركز للتنوير ونشر المعرفه”.

الوضع الراهن في السودان

 (لايوجد اي راهن في السودان، الحاجه الحاصله من سنين هي نفسها التي تحصل الآن، الموضوع عباره عن سيناريو متكرر وساقية جحا)، بهذا الوصف تبتدر وفاء احمد الطيب النقاش حول الوضع الراهن بالسودان.

 وحسب راي وفاء فان السودان يعاني من : (متلازمة الفشل السياسي منذ الاستقلال، ويتبادل طرفين في الحكومه والمعارضه الادوار، وبالنسبه لي هم سيان لايوجد فرق بينهم. وازداد هذا الفشل بشكل تراكمي حتى وصلنا إلى مرحلة التخبط السياسي العام).

وخلاصة المشهد وفقا لقراءة وفاء هو : (الان هم ماعارفين قاعدين يعملوا في شنو وماشين علي وين ؟ والراهن الذي وصلنا اليه لايعرفوا عنه شئيا. الحكومة والمعارضة كلتاهما تعانيان من ذات الداء، والشعب صامت ومتفرج، يعاني أقسى حالات المعاناة والعنت).

ويقول حسن محمد نور : (ادخل نظام الانقاذ البلاد في ازمه وطنيه شامله تتمثل في :اتساع دائرة الحروب والنزاعات دون حل يلوح، استشراء الفساد المالي والاداري والركود الاقتصادي والغلاء واتساع قاعدة الفقر، التخريب المتعمد للمؤسسات الاقتصاديه، نذر المحكمه الجنائيه وملاحقة رموز النظام)، ويكمل حسن حديثه : (اسهم كل ذلك في ان تفقد البلاد كامل الاراده والقرار في كل مناحي الحياة السياسيه والاقتصاديه والاجتماعيه).

وتري ريم عباس أن : (الوضع سيئ جدا ولم نكن نتخيل أننا سنصل لهذه المرحلة، وكلما نتحدث عن اننا وصلنا لاسؤا مرحلة؛ نكتشف اننا كنا علي خطا واننا دخلنا مرحلة اسوا) .

وتشرح ريم وصفها السابق للوضع الراهن : (في مجال الاقتصاد والتنميه تحولنا لدوله لاتنتج وتستورد كل شئ، التعليم متردئ جدا وفي معظم المدارس الحكوميه الاسر هي التي تحضر الكراسي ليجلس عليها ابناؤها وادوات الدراسه. الدوله تحولت لدوله تحارب شعبها وكل ميزانياتها تذهب للحرب).

وحال السلطة واهتماماتها وفقا لريم : (الدوله انصرفت لمواضيع مثل : البت دي لابسه شنو ودي عامله شنو؟، واصبح دورها رقابيا يهدف لادخال السودانيين الجنه، وتركت مهمة التنمية للمنظمات الدوليه التي تقوم بطردها، والمواطن لا احد يقدم له اي خدمات). والوضع الآن تقول ريم : (يسوده الاحباط، ولايوجد وضع سياسي. هناك اجرام ويوجد مجرمين يحكموننا وتحولنا لضحايا).

ويقدم الساري سليمان في مداخلته امام منبر “التغيير الشبابي”  وضمن تعليقه علي الواضع الراهن شرحاً يربط نتائج الراهن بالمراحل التاريخية السابقه : (اعتقد اجمالا ان الكتله المسيطرة علي مفاصل و مقاليد القرار السياسي والاقتصادي والحكم منذ الاستقلال فشلت في المهام الكبيرة وهي مهام : الانتقال، الوحده الوطنيه، التنميه الاقتصاديه، وبناء الدوله المدنية العصرية).

ولايستثني الساري حتي الانظمة الديمقراطيه من المسؤوليه : (لايمكن المساواه بين الانظمه الديمقراطيه والديكتاتوريه في الفشل، ولكن حتي في العهود الديمقراطية لم يتحقق المضمون الاجتماعي للديمقراطي. كان هناك ديمقراطيه علي مستوي الاسس والهياكل والابنية التنظيميه، وهناك برلمان واحزاب ونواب وسلطه قضائيه وصحافه وغيره ولكن المضمون الاجتماعي للديمقراطيه لم يتحقق، بمعني لم تتحقق المشاركه لمجموع المحكومين في القرار السياسي والحكم مثل قطاعات الشباب والمراه والاقليات المضطهده. وكل ماتم هو تحالف بين القوي التقليديه، والراسماليه المركزيه، وارستقراطية الريف الممثله في البيوتات الكبيره).

ويبرر الساري – وهو احد القيادات الشبابيه بحزب الامه – انتقاده للواضع الراهن بماقدم له سابقا، وبهجوم علي الاحزاب السياسية : (من هذه الخلفية ننتقد الوضع الراهن، وهو انتقاد لايقتصر علي الانقاذ وانما يمتد للابنية السياسية نفسها، والاحزاب السياسيه التي ننتمي لها ونقدم لها نقد اكثر مما يقدمه الخصوم، باعتبار انها اصبحت غير مواكبه ومؤهله لانجاز مرحلة الانتقال من الوضع الحالي لوضع الدوله المدنيه الديمقراطيه الحديثه).

ويلخص الساري سليمان في ختام مداخلته الوضع الراهن بقوله : (النظام فشل في تحقيق التنمية الاقتصاديه، وتحقيق الوحده الوطنيه وبلورة مفهوم الهوية الوطنيه التي نظر اليها بنظرة آحاديه، ونظر للآخرين بمنظاره وحاول ان يصب المجتمع السوداني كله في قالبه ومنظاره هو للهوية، وبالتالي اشتعلت جذوة الصراع التي كانت موجوده اصلا منذ الاستقلال ولكنها وصلت ذروتها في ظل هذا النظام لخنقه لوسائل التعبير المدني والسلمي)، ويضيف : (يمكن القول ان نظام الانقاذ فشل في مجال السياسة لانه لم يستطع خلق مناخ سياسي يتيح لكل مكونات السودان المشاركة، وفشل في مجال الاقتصاد لانه لم يستطع ان يحدث علي الاقل توازن في مجال التنمية علي شحها، وفشل في الاجابة علي سؤال الهوية).

الشعور القومي واستقلال الجنوب

يعتقد عبدالفتاح تبن أن : (كل القيادات السياسيه علي مستوي الحكومه والمعارضه يقومون بتطوير المشروع السياسي الخاص بالمؤتمر الوطني وهو مشروع الاسلامو – عروبيه، وهذا المشروع هو العائق الكبير والمدمر امام السودانيين، وكلما تجد انك في نقطة تلاقي مع اي مجموعه او اشخاص تجد ان الفاصل والعائق الوحيد هو الهويه).

ويشدد عبدالفتاح علي ان موضوع الهويه هو العائق امام قيام مشروع وطني ويدعو لنقاشه بوضوح : (لابد ان يتم نقاش موضوع الهوية بكل شجاعه وجراة، واذا لم يتم نقاش هذا الموضوع بصراحه فلن يكون هناك حلول وتلاقي).

ويقدم تبن دلائل علي مايطرحه : (مثلا خرج الطلاب في مظاهرات لمساندة زملائهم من طلاب دارفور الذين تم اغتيالهم في جامعة الجزيرة وكنت استمع في المواصلات لعبارات مثل “خليهم ديل عبيد يكتلوهم”، وفي الشارع اسمع هذا الحديث باستمرار. وهذا الحديث موجود ايضا عند الطرف الآخر “الجلابه ديل هلكونا خليهم يموتوا” وهذه هي الازمه الحقيقيه التي يعيشها السودان وتحتاج لعلاج).

وحول استقلال الجنوب تقول ريم عباس : (استقلال الجنوب كان امر مؤسف، والدتي في الزمن الجميل كانت تقيم في الجنوب، ولهذا كنت احزن عندما اسمع الشتائم التي يتم توجيهها للجنوبيين. وانا كنت اراقب الاستفتاء ولاحظت ان قرارات التصويت كانت عاطفية وليست سياسيه، الجنوبيون كانوا يصوتون للانفصال لانهم غاضبون فقط ويريدون ان يرحلوا).

وتحكي ريم بأسف : (لدي مدونه اسستها قبل رجوعي للسودان سميتها “ماعندي قبيلة انا سودانيه” ولكن عندما عايشت الاوضاع جيدا في السودان وجدت ان هذا غير مقبول وان سؤال القبيلة هو سؤال مهم مثله مثل اسمك وعمرك)، وتضيف : (بعد استقلال الجنوب قالوا اننا اصبحنا مسلمين وهذه هويتنا، وبعيدا عن هذا الجدل فان واجب الدوله هو ان يكون هناك وحدة وطنيه وهوية سودانيه ولكن يجب الاتقمع بعد ذلك بقية الهويات، من الممكن ان يكون لي عدد كبير من الهويات، وكل هذه الهويات يجب ان تجد حقها في التعبير آتساءل مثلا : لماذا لايجد النوبه والفور وغيرهم انفسهم في التلفزيون القومي؟).

وبحسب رأي وفاء احمد الطيب فإن الوحدة الوطنية : (مفهوم يتكون من عنصري الوحدة و الوطن، فهي الوحدة بين شعوب وأمم السودان المتنوعة “ثقافياً- دينياً..إلخ” بشكل موحد ومتحد، في دولة نحمل جنسيتها وندين بالولاء إليها).

اما استقلال الجنوب برأي وفاء فهو : (علامة فارقة وفاصلة في تاريخ السودان، ولن نعود كما كنا أبداً، وماحدث يجب أن ينبهنا كشابات وشباب للمفاهيم والحقوق المهضومة والقضايا التي تندرج ضمن المسكوت عنه، فانتفاء قبول الآخر والسلام الاجتماعي والتسامح بكل أنواعه هو الذي أوصلنا لانفصال ثلث البلد).

وتتوقع وفاء تكرار تجربة الجنوب في مناطق اخري : (أتوقع انفصالات أخرى، طالما ظلت تعمل السياسات بذات النهج، ويتواصل التهميش الممنهج. وما لم يتم الاعتراف بانتقاص الحقوق، ومواجهة ذواتنا بكل سوءاتها لن نتمكن من لملمة استقلال ما تبقى من الوطن).

وتمضي ريم عباس في نفس الاتجاه : (اتوقع ان تكون هناك انفصالات، من الممكن ان يتحول السودان لدولة لخرطوم فقط. ومن يعتقد ان السودان متماسك فهو علي خطا، حتي انا واهلي في عبري بالشماليه مثلا نري ان لا احد يحس بنا ووجدنا انفسنا دخلنا ضمن الشمال ومايسمي باولاد البحر واصبحت العربية هي السائده وفقدنا هويتنا، والناس عندما تحس ان الدوله ترفضها ستميل للقبلية والاقليميه وتبحث عن ذاتها).