فيصل محمد صالح يبدو وضع الصحافة السودانية محيرا جدا، لمن ينظر إليها من الداخل أو من الخارج، فهي لا ترضي أحدا، لا الصحفيين العاملين فيها، ولا القراء داخل وخارج السودان مع تعدد ميولهم ومواقفهم، ولا الحكومة. المقالات والتعليقات الناقدة من القراء والمتابعين لا تتوقف، فالصحافة في نظرهم سطحية وعاجزة عن مخاطبة اهتمامات الناس، ومقيدة بيد السلطة، بل ومستسلمة لهذا القيد لدرجة التدجين. ولا يمضي يوم دون أن تقرأ رأيا ناقدا ومستنكرا، يعدد قصورا هنا، وملقا هناك، وتعامي عن رؤية وكتابة الحقائق، ومقارنات لا تنقطع بالصحافة العالمية وفي الإقليم.

ولا تلقى صحفيا إلا شاكيا، إما من ظروف العمل والأوضاع الاقتصادية، أو الضغوطات من داخل الصحيفة أو خارجها.

صحافة لا ترضي القائمين عليها والمتابعين من القراء، لا بد أنها اكتفت برضاء الحكومة وحزبها، لكن في الحقيقة أنها لم تنل هذا الرضاء أيضا، فالعين الحكومية غاضبة، ولا ترى في الصحافة إلا ككائن متطفل يعيق عمل الحكومة وأجهزتها، ويتجسس عليها لخدمة المعارضة والحاسدين المتربصين في الداخل والخارج. والصحافة عندهم عاجزة عن رؤية الإنجازات التي تتدفق عسلا ولبنا كل صباح، وبل تركز على أوجه القصور والنقص، وتضخم الاخفاقات ومواضع الفشل.

لن يجادل أحدا أن محاولات تدجين الصحافة السودانية وتقييدها لوضعها في جيب الحكومة تسير بأكثر من عجل، وأن معظم الصحف، مع تعدد ناشريها، سقطت، ماليا وإداريا على الأقل، في الجيب الكبير، وصدر كشف تنقلات بين رؤساء تحرير عدد من الصحف (المستقلة) والتي تصدر من شركات متعددة ولها ناشرون معروفون.

لكن المقاومة من الجانب الآخر لم تتوقف، فللصحف ميكينزمات عملها الخاصة، والصحفيون العاملون ذوي خلفيات مختلفة ومناهج عمل متعددة، وفيهم كثر من الذين لا يزالون يعتقدون في الصحافة كمهنة شرف وضمير وخدمة للرأي العام، وهم يبدأون صباحهم بهذا التوجه، وينهون يومهم به. ينتشرون في أطراف المدينة وما حولها، ويملأون الصفحات بالأخبار والتحقيقات والحوارات ومواد الرأي، يتم حجب بعضها وينشر الباقي، لكنه كفيل بتأدية الدور المناط بالصحافة.

ولا يكاد يطل صباح إلا وتسمع أو تقرأ تصريحا حكوميا عن فوضى الصحافة وعدم مراعاتها للقيود والمصلحة العامة والأمن القومي، رغم ان الصحافة في أمريكا وأوروبا، كما أخبرنا أكثر من مسؤول، تراعي هذه الاعتبارات وتضع لها ألف حساب. وترى رؤساء التحرير والصحفيين، بلا استثناء وبلا اعتبار لتصنيف الموالي والمستقل والمعارض، يقضون نهارهم بين ردهات المحاكم والنيابات بعد ان أضيفت لها جولات إقليمية في نيابة الصحافة بمدني، وفي الطريق ولايات أخرى، غير استدعاءات وتحقيقات الأجهزة الأخرى. وفي كل صباح تصادر بعض أعداد الصحف، بعد الطباعة، وفي كل شهر تغلق صحف، ويمنع صحفيون من الكتابة.

خلال شهر يوليو الحالي تم إغلاق صحيفة اليوم التالي، حديثة الصدور وواسعة الانتشار، ومنع الصحفيان صلاح عووضة ومحمد عبد الماجد من الكتابة، وأنذر آخرون. وخلال هذا الشهر صودرت أكثر من صحيفة.

لا تاتي كل هذه التصرفات عبثا، بل هي مؤشر واضح على الدور الهام والخطير الذي لا تزال تلعبه الصحافة السودانية، رغم كل ما تواجهه من قيود وصعوبات. لا تزال الصحافة، التي يراها البعض كسيحة وعاجزة، تثير قلق ومخاوف أطراف كثيرة في السلطة، تتحسس مسدساتها مع صباح كل يوم واطلالة كل صحيفة. وسبق لمسؤول كبير جدا أن صرح أنه يبلع حبتي ضغط يوميا قبل أن يبدأ بتقليب صفحات الصحف.

لدينا صحافة تشبهنا، باختلافاتنا وتنوعنا، وبمشاكلنا وأوجه تخلفنا، وبمزاجنا المتقلب، تشبهنا ونشبهها بكل مافينا من سلبيات وإيجابيات، ومن شابه أباه ما ظلم، فما العيب في ذلك. هذه صحافة تشبه الواقع السوداني، بل وتتقدم عليه بخطوات، فلم يريدها البعض أن تكون في مستوى وشبه واقع لا صلة لنا به، لا نشبهه ولا يشبهنا؟.