(قصة قصيرة) كأن الحوش خدها الوضي!!.. بقلم: عبد الغني كرم الله (1) "كش.. كش.. كش."!!... سعدية تكنس، سعدية تعزف، أيقاع يومي، تبدأ به الدار حياتها ، في الفجر، حين تكون الشمس برتقالية، مسالمة، شرق القرية، كأنها بالون أنفك من يد طفل شقي فوق غابة السنط، تبدو الشمس مسكينة، يمكنك أن تحدق في عينها العوراء، كما تريد، قبل أن تستل سيف ضرواتها عند الظهيرة، وتستلم لك عند الغروب، برتقالة عجوز، رائعة، تتكئ على سرير الأفق الغربي،  تحنن الافق بذهب سائل، رخيص، مجاني، تعلقه على أذان الأوراق، والبيوت، والحصى، فتلمع كلها، بشاعرية غريبة، عرس للشفق، والغسق، عند كل فجر، ومغرب..

تمسك أختي سعدية المقشاشة، الريشة، قبيل أن تفرد أوراق عباد الشمس اساريرها الصفراء، وتتلصص على الشمس، أنى سارت، تفرد سعدية أساريرها على شمس المحبة، في الدار البسيطة، تقتفي أثر الإيثار والتضحية، أنى سار  ورقة عباد الشمس سمراء، لا تكف عن الحب، ولو في جوف الليل، تظل بتلاتها السمراء يانعة، ومعطرة البيت، ولو حجبتها غيوم هم، وسحب غم. 

كش، كش، كش..

 تعزف على تراب الدار، حوش كبير، يصلح ميدانا للمولد، أو ملعب لكرة الشراب، كما كنا نفعل، ونلهو!!.. 

تصحو قبلي، لم؟ لست أدري، لأني ولد؟ تبدو أذكى، وأجمل، أصغر مني بعامين، غريزة الجمال تتوهج بقلبها، كأن الأرض خدها الوضئ، تعاملها برفق وتأني، هواية محببة، أكثر من واجب يومي، ما أعذب وقائع الحياة اليومية، في عيني سعدية، قلبها مفعم بالمحبة، لأكثر الأشياء رتابة، وعادة، أكون راقدا في العنقريب، وأنا أراقبها، شبه نائم، ظل الصالون يفرش ملاءته فوقي، وعلى برميل المياه، وطربيزة العشاء، وجزء من كرسي خشبي، جلس عليه خالي، بقية الكراسي البيضاء في ضوء الشمس، تبدو برتقالية، تحاكي شعيعات الشمس الواهنة، رغم لونها الأبيض، طلاء شاعري موقت..

اقترتب من عنقريب مدثر الصغير، لا يزال نائما، وضعت قبله حارة على خده البارد، مسحها بكفه، وهو يهمهم بلغة غامضة، كأن حشرة دبت على خده، انقلب على جنبه الآخر، يده الأخرى مكورة بشدة، أظنه يمسك حلوة كبييييرة، في الحلم، مجرد أن يصحو، يجلس باكيا، وهو يبحث تحت المخدة، والملاءة المكرمشة عن حلوته. 

هل تحبون مثلي صوت المقشاشة؟!!.. 

تعني لي الأرض، تغوص شعيراتها في تراب وطني الصغير، دارنا، كي تمسح عنها بقايا حياة يوم كامل، الحياة تمحى، هي الأخرى، لسلة الماضي، آثار نعال أمي، حوافر حيوانات، ودجاج، وجيران، ووضوء خالي (دفع الله)، وأثارطرابيز، وسراير، بقايا طعام، وفوضى رياح (جلبت معها اوساخ فطرية، وريقات نيم وبعر وقش وشعر مشاط بتول)، وشقاوة مدثر، أبن أختي الكبرى.. 

تمسح كالبشاورة، يوم الأمس، حكايات الأمس، سعي الأمس، تعد الدار، والحوش ليوم جديد، كي تقبل شعيعات الشمس وجه الدار، وكي تسير أمي، وأخواتي ويبكي مدثر، وتكاكي دجاجات، ويزورنا أهل، وضيوف، ونرسم بشعور، أو لاشعور، أحداث يوم عادي آخر، ومعنا الدجاجات، والأغنام، والرياح، والمطر، والسراير، والفطرة كلهن أبطال (أوعة.. ما تجر العنقريب، بتحفر البيت، انتظر اشيلو معاك).. تصرخ سعدية من بعيد، وكأني خدشت يديها الطيبتين، وليس تراب الدار، حس كضوء قمر لطيف، يلامس نبض البيت كله!!.. 

(2) 

” دو .. ري، مي”..

شرعت في الكنس أمام غرفة جدي، وفي خطوط مستقيمة، تسعي شمالا، ثم ترجع جنوبا، تترك وراءها مويجات ترابية، خلقت سجاد جميل على تراب الحوش!.. 

تثير بخورا خفيفا من الغبار، فتبدو كأنها مارد، يخوض وسط عاصفة لا تتجاوز ركبتيه، ماردة حقيقية، همة عالية تمضي، وتقبل، بلا كلل، أو ملل، بذاءت الانحاءة، كأنها تقرع طبل غير مرئي بطرف المكنسة، في حلق ذكر غيبي!!.. 

(السكر في البرطمانية فوق الرف)، ترد على أمي واقفة، ثم تنحني لصلاة الكنس، وفتح ورقة سمراء على كتاب الحوش، نكتب فيها وقائع الحياة، بكل كرنفالها الفطري، والمقدر، والمكتوب، لابد من ماض، ولا بد من غد، كي يجري نهر الحياة، وإلا احتشدت الحياة في الحاضر، كغرفة صغيرة، مليئة بالاثاث، والكتب، والبراميل، والوقائع… 

بغتة،!! يتوقف ايقاع المكشاشة، وقد انتظمت ضربات قلبي معها، فأرفع الملاءة الزرقاء عن رأسي لأرى ما جرى، سعدية منحنية، تنظر بعمق لشي في الارض، عثرت على ثروة كبرى ( شلن، أم حشرة بهجية الشكل، لم تمد يدها لحملها، بل أكتفت بتقليبها بطرف المكشاشة)، وحين أنحنت أكثر، كي تتابع اكشتافها السعيد، ايقنت بأنها حشرة، وما أكثرها في دارنا، خمسة دقائق ظلت واقفة، كأنها صنم من سحر الحشرة، ثم تبدأ عزفها، فيبتعد عني صوت المكشاشة، فالدار وسيعة، وحنونه!!. 

ورقة نيم هبت مسرعة، رجعت للمساحة المكنوسة، وكأنها حنت لوطنها، هي الأخرى، ياللمفاجأة!! عدة اوارق خرجت من الحد لفاصل، كل الاشياء تقلد بعضها!!، استغلت انشغال سعدية، ورجعت تلعب في الحوش النظيف، اوراق وجرايد، .. احتارت!!.. وقفت متحسرة، وضعت يديها على جنبها، ثم استرقت السمع لأغنية، تتسرب من مذياع الجيران، استراحة محارب، أمامه مساحة للكنس، وترتيب الفوضى، وإعادة العنقاريب، والكراسي، والطرابيز، لداخل الغرف الطينة،.. 

(3) 

اسمع هدا الايقاع وأنا شبه نائم في الحواش الوسيع، كأنه يأتيني من عالم آخر، النعاس كالشعر، يخلل الواقع، ويجعله كالضباب، غيم من حياة، يالها من فنانة كبيرة، تكنس الدار بأحساس عظيم، تنسج خطوط متوازية، ثم تكوم الأوساخ في زاوية بعيدة، ثم تجلس، ولمدة طويلة، غارقة في تأمل ثروة بسيطة، أخرجتها المكشاشة من باطن الأرض (بينسه، حبة سبحة، ريال، أوراق جرايد، حصى ملساء، سكسك ملون)، وخبايا أخرى، رخيصة، وغالية جدا، جداً!!…. 

حكاية لا تنتهي، تتساقط الأوراق والأزهار الميتة، ويسعى الإنسان، وتسعى الاكياس للدار بأرجل الرياح، تمارس الطبيعة حياتها، بمعنى، ظاهر، أو غامض، كل يوم، بلا ملل، وتجري في الدار حيوات عصية الفهم، شاعرية، وحزينة، ومغرضة، ثغاء معزة، سعال جدي، بكاء مدثر، مرض حبوبة، ميلاد فوزية، وتتطاول شجرة، ترسم الحياة، ترى شكلها في مرآة الواقع.. أيعجبها؟… 

النسيم يتلاعب بورقة جريدة قديمة، اسطوانية الشكل، بداخلها صورة زعيم شهير، تتدحرج يمنة ويسرى، لم تلتزم بالقسم اللامرئي لبقايا الأوساخ، تبدو صورة الزعيم وكأنه طفل ولج بطن برميل، ثم دفعه الأطفال، كما كنا نلعب، ونلف داخل بطن البرميل، ونحس بالدوار الخلاق، حيث تتداخل الصور، وتترنح الخطوات، كالثمل.. 

تنظر بحبور خلفها حين تسمع (سعدية.. سعدية مششيني)، يقولها مدثر وقد افسد عليها نظافة البيت، فتعود جزلى (فلا تضج ولا تثور)، كيف تفهم الحياة؟ يالها من حدس، يتشرب قلبها الغض، بعزائم الأمور، ما أوسعها هذه الطفلة، أي تاج خفي يتوج رأسها المغبر، كيف أراها، كما هي، وليس كما يبدو لي، كيف؟… 

يعاود النسيم مشاغبتها، أوراق تهرب للوراء، ترجع متحسرة وتعيدها إلى صف الاوساخ المستقيم، مجموعة أوراق وأكياس تجري هنا وهناك، “يالها من لعبة اقتنصتها الأوراق مع سعدية”، تنظر لهن بتزمت، “كويس؟ تهددهن”، تضع يدها اليسرى على خدها، ماهذا القرار الشجاع، غيرت رأيها تماما، مضت لآخر الدار، تقرر الكنس من الاتجاه المعاكس، نهاية الحائط،، النسيم يكنس معها، يبدو على عجل، وغير متقن، مثلها، يترك أشياء، ويستخف بالأوراق والأكياس، تسير أمامها، بمكنسة النسيم العجولة، ما اسعد حوشنا، تحننه سعدية، والنسيم، معا، لفتح صفحة سمراء، جديده، على أديمه، كي نكتب حكاوينا، حياة جديدة، من نهر الحياة المتدفق، دوما، نحو الغد، نحو البسمة الأصيلة.. 

أنها في المنتصف، تجمعت الأوساخ في خط مستقيم، يفصل بين المحو والإثبات، بين ورقة سمراء فارغة، وأخرى مليئة بسطور الحياة، أثار نعال أمي “أعتى قصاص لم يتقصي أثر أمي في الدار، تسعى، وتحج بين المطبخ، والصالون، والزريبة، وغرفة جدي،”.. بل والسماء، أمي تحلق، كالطيور، بل تتسلل لباطن الأرض، كالجذور، ومياه الأمطار.. هي اكثر من ذلك، هي أنضر، أي مكنسة لا تستطيع محو عطر أمي، وروح امي، في الغرف والبرندة، وشارع الحوش، والقلب.. 

(4) 

يسرح طرفي، مع الايقاع المنتظم، “كش كش كش”، مع مكنسة الزمن، وهي الأخري، تكنس وقائع الحاضر، في سلة الماضي، كي تسعى حيوات الغد، وتغمر حوش الحاضر، أروع ما يكون، فيكبر مدثر، وترسم سعدية، وتعرس فارس، عصى الوصف، مثلها!! .. 

دجاجة تتمرغ في التراب، تستحم، ألهذا شرع الدين “التيمم”، كم للتراب من قدرات، ينظف، ويسعد، ويلوث، حسب نيته، وحينا يكون عشبا أخضر، وسهلا، وصحراء ذهبية، بيده الاكسير، والطيبة.. 

يتلون الكنس، وأيقاع الممقشاشة، من يدي لأخرى، كانت المقشاشة ريشة بيد سعدية، ومجرد مكنسة بيد رشا، حسب وردية كتبها عرف تالد، أعباء للفتاة، وبراح للاولاد.. 

(5) 

تعثر على شئ ما، خلف زير مكسور في ركن الدار، تخبئه بمكر، كي لا نراه، أنها علبة سجاير برنجي، لأخي الأكبر، تستر الكثير من الأسرار، التي تعثر عليها، وهي تكنس الدار كلها،  عمرها ألف، أقسم، بل أزيد، تعثر على رسائل عاطفية، وعلى صور أشعة أكس، التي تخفيها أمي عنا، أمراض أمي تخيفنا، وسعدية تعلم، وتخفي همها في قلبها الأصم الصغير، عن النميمة، والتشهير،  من هي سعدية؟ بربكم من هي، من هو الملاك الذي يختفي في صورة أختي الصغيرة، من؟ كتب محرمة عن الأنظمة الحاكمة، وبيانات شجب، تختفي في سعة صدرها، وهي تكنس الدار، عن الغبار، والخوف، صدرها قبر لأي سر، وحين تنتهي الكنس، تعامل أخي الأكبر، وكأن شئا لم يكن، بل قد يضربها لو تأخرت في عمل الشاي، وسره مدفون في صدرها الحنون، (أختاه أجمل قصائد الشعر الحية)!.. 

ثوب أمي المعلق على حبل الغسيل حجبها عني، أخفاها، لحيظات، بل سنوات، سوى أرجلها وطرف المقشاشة، الأرجل تشمي ببط، وشعيرات المكشاشة تنفش شعر الأرض، تستخرج فصوص بلح، حصى، وبينسات.. يبدو الثوب كأنه ستارة مسرح الممثل الواحد، .. سيرفع الستار، عن بطلة صغيرة، تلبس فستان بزهور فاقعة، صفراء، وبنفسجية، وبيدها ريشة عجيبة، يتداخل صوت المقشاشة مع فوران الشاي، ولغط صبية في طريقهم للبحر، وحوافر الاغنام، ورائحتها، وغبارها وهي في طريقها للمرعى.. 

عثرت على حصى ملساء، رفعتها بيدها اليسرى، نعومة الحصى غطست في جسدها، واستقرت في قلبها، كسمكة ملونة في ذلك البحر اللانهائي، لم ينصب الحرير ملكا، إلا بتاج النعومة، النعومة!! هي الشعر، هي حصى ملساء تمد شعاع نعومتها حتى قلب سعدية، المترامي الأفاق.. 

(6) 

أختفت وراء المزيرة، تبدو كمقام إبراهيم في قلب الدار، ولكن الايقاع الفضولي لم يختفي، وصلني، أيتلوى الصوت؟ مثل البخور، وروح سعدية؟؟.. 

نظرت لوجهها في الزير، الماء لا يكذب، استطاع ان يعكس جمال وجهها، والخصلة التي تسربت بفعل الكنس، بدت واضحة في المرآة الدائرية للزير، مضت وهي تحشر الخصلة في طرحتها الزرقاء، والوجه على صفحة الزير، أهو الأخر حشر الخصلة الآن؟.. 

ظهرت بالطرف الآخر، وجهها تتلألأ، من رصعها بالماس في هذا الغياب الصغير خلف المزيرة، جبينها يتلألأ بعشرات الألأي الصغيرة، .. ثم تسيل على وجهها، فتنبع من جسدها لؤلؤة أخرى، ما اعظم التشابه بين الخالق والمخلوق، جسدها وتلكم اللألي السائلة..

لاتزال نعومة الحصى، تتوغل في جسدها كضوء في بركة.. 

تحت الشجرة الأوراق الصفراء تفترش الثرى، كنست الاوراق، وجمعتها في كوم على حدة، هب نسيم، تساقطت عشرات الأوراق الصفراء، رمت المقشاشة، ووضعت يديها حول خصرها، مم تذمرت؟.. من النسيم أو الأوراق الصفراء، أم تعجبا من الأوراق الخضراء، والتي ظلت ممسكة بالوطن الأخضر، ولم تفر كالصفراء، وتتخاذل لأبسط إغراء بالحرية، بعيدا عن الفرع، والغصن، الأوراق الصفراء لم تبالي، بل حلقت حولها رأسها، وحطت على كتفها ورأسها، (أتخذلين أمك الشجرة)، للأوراق التي فرت من حضن الأم، ألا تري كيف حلقت الأوراق وهي تفك قيدها!! وهي تسبح في الهواء ثملة، وتجري هنا، وهناك، انعتقت بعد صيام طويل، أصفر جسدها، وقطع الكائن الغريب(الموت) حبل القيد، كي تعي ذاتها، منفردة، للمرة الأولى في حياتها.. قطعت خواطرها صرخة من وراء الحجرات (المدرسة قربت ياسعدية). 

(7)

نشفت جبينها، بطرف الطرحة!! ومضت شمالا، وجنوبا، هذه المرة داخل الغرف، والبرندة، والصالون الطويل، كقمرة قطار، تسعى، بصمت، حينا أحسها بأنه لوحدها، كائن وحيد، يفهم المعاناة بطريقته، كل الاشياء صديقة، فنان عثر على شي عظيم، مستغرفة فيه، كأنها لا تكنس، بل تصلي، لجمال عظيم، بداخلها، يحرك المقشاشة، والروح، والأرض، والجمال، والنظافة، وتجدد الحياة السرمدي.. 

في ركن الدار، جمعت الاوساخ في القفة، حملتها بيدها اليمني، وباليسرى المقشاشة، وضعت المقشاشة، في المطبخ، ثم مضت لخارج الحوش، للكوشة، بعيدا في الفسحة، صمعت اصوات صويحباتها، عن حنة فاطمة، أو استعارة كراس، أو دعوة لشراب الشاي، معا،.. 

رتبت البيت كله، عاد النظام والدقة والنظافة للدار، بأنتظار حيوات، تمارس فطرة الحياة، وتدون وقائع، الله وحده يعرفها، في مسرح بحجم الكون.. 

الحوش الآن جاهز، كي تزخرفه حيوات أهلي، لا أحد يشبه الآخر، حتى في مشيته، سفمونية حياة، فهدا مركوب خالي فهو يسير بصورة زاوية منفجرة، وكأن كل رجل فيه تسعى لمكان،، وتلك سفنجة سعد، بها شرخ، يبدو جليا في التراب، وتلك قمزات نعال (بتول جارتنا)، فهي في عجل، كي تنقل (شمار حار وطازج) وهدا المجرى الصغير، الصغير جداً، لدجاجة شقية، وقعت فريسة في شبك من شعر أختي (سعاد)، فعلقت في بقايا شعرها المتساقط، فتكورت في نهاية الشعرة قطعة طينية، (لا أدري لمادا تحب الفيزيا والميكانيكا الشكل الكروي)، وللحق كلما نطارد الدجاجة لكي نخلصها من هدا الأسر، تجري خائفة منا، فهي (لا تأمن بني آدم حتى وهو في قمة فضائله)، أليست له معدة، وهناك كائن غريزي يسمى الجوع!!… 

تكنسه في الصبح، وعند المساء، وأحيانا أكثر من ذلك، حين يباغتنا ضيف، أو خطوبة ما، أوحفل عرس، أو حج، أو حلق ذكر، تستل أختي سيفها الجميل، المقشاشة، وتشرع في محو حياة، لرسم حياة أخرى، غناء، وطار، وسعي في الدار.. 

دراجتي قرب الحائط، نظرت لها، أتمنت أن تسرجها كالنسيم؟ أي حزن غشى قلبها، محرومة منها، تتفرس متعجبة، ووضعت يديها خلف ظهرها، ممسكة بالمقشاشة، من دراجة تمشي على عجلين فقط!!، “ياااااالشقاوة الأولاد!!”، كم تجهل نفسها،  أنها امهر من طيور السماء واسماك النهر، هي تحلق بلا جناح، أو ريش. 

نظفت السرج الأسود، والبدال، لعبت به قليلا، دورته برفق،  ثم بشدة، ثم تركته يمضي بنفسه، يلف ويلف، تعجبت من القوى التي تلفه الآن، دون يديها، تمنت أن تركبها، وهيهات هيهات، خالي وعمي، بل وعرف القبور بالمرصاد، مثل طفل ينظر لقمر، ويشتهي أن يقبضه بكفه الغض…

إطار سيارة قديمة، مرمي في طرف الدار، قرب الزربية، كنت ألعب به، وتركته هناك، أتركه حيث أتعب، وضعت المقشاشة الطويلة جنبها، مثل بطارية الكمساري في القطار وهمت برفعه، صرخت، صرخة مكتومة، هربت سحلية من تحته، وضعت يديها على قلبها، مثل الفرعونات النوبيات، وهي تراقب السحلية المرعوبة هي الأخرى، هناك سوء فهم، وسوء وظن غريب في هده الدنيا، بين الكائنات الحية، متى يزول؟ سعدية لا تقتل نملة أيتها السحلية المسكينة.. 

الحياة تموت، آثار وقائع يتلاشى تحت ضربات مشط المكنسة، شعر شايب تساقط من حبوبتي، صفق ورق جاف، كباية أنكسرت وتشظت، نثار يلمع مع ضوء الشمس الطفل الآن، كلها تمضي كموجة أمام المقشاشة، وقائع كأنها لم تكن، كلها ستدفن في ركن البيت، سلة كبيرة، قبور لأحداث وأوساخ، أو أدوات أنتهى عمرها كالإنسان، كالحيوان، مسحت الدار، صار الحوش صفحة سمراء، بلا حدث وآثار، سوى خطوط ريشة المكنسة، في أنتظار ولادة أحداث فطرية من رحم الغيب، رحم المستقبل، يبرق خاطر غريب في احشائي، عن الوقت، وسر الوقت، ماهو؟ كيف يمشي، ولا يكف عن المشي، ولا نحس به، ولا بوقع خطواته، إلى أين يمضي بنا؟، أحس بأن المستقبل يكنس الحاضر، كله، في سلة الماضي، كل الأحداث يلقي بها في سلة الماضي، السعيدة والحزينة معا، لا يبالي بها، ولا يجاملها، كلها يرمى بها في سلة الماضي الضخمة، أغرب سلة، لا تمتلئ أبدا، كما لا تجف أحداث المستقبل، المؤرخين أكثر الناس فضولا في النظر داخل السلة، سلة الماضي، مثل سعدية، وهي تراجع كنس الصبح، أو الظهر، فتعثر على أشياء ضائعة من سنين، مثلها المؤرخون، يرفعون وقائع قديمة، وأحداث، ودماء سالت ودموع، وحقب وكائنات منقرضة، وزغاريد فرح، يرفعونها من سلة الماضي، ثياب، سلاح حجري، وزير، ويتأملونها برفق وتأني ومحبة، ما أعجب مكنسة الزمن، ومكنسة سعدية، كلاهما تشطب، وتلغي، وتفتح الباب لأحداث، ووقائع، وعواطف نضر، وجدد، تجري في بيتنا الحميم، وفي الحياة برمتها.. 

الحوش الآن، ورقة سمراء، في انتظار حبر أخضر، وقصيدة حية، يكتبها أهلي، وعشيرتي، وجيراني، ودهر يطل من باب الغد، وبهيئة غامضة، كل حين!!… 

سعدية، فقد وقفت متعبة، تضع يدها على خصرها، وتتكي على المقشاشة، وتنظر لورقتها السمراء، الجميلة، النظيفة، حوشنا الحنون،

وقد فتح صدره، كي نحيا، ونعيش فيه، أجمل ما يكون، ونرسم بخطواتنا، واقدامنا، لوحة الحياة، الحياة الغامضة كالشعر، بكل شكولها، وسرها، وسحرها، وأثار قدمي سعدية، هما أول من يسطر تلكم القصيدة، فهاهي تمضي، وأثار قدميها، خلفها، تحنن البيت، ليت السامري، أدرك أثر خطوها، وحثى منه، لخلق تمثال حب، للأخت، للوفاء الأجمل، والأحلى… 

المقشاشة، تنام سعيدة، متعبة، تلف رأسها بشريط أبيض، وأرجلها الألف، من سعف النخيل، تتمدد متعبة، بعد أنهكها السير في الدار، والغوص في تبره وترابه، وهي تمحو حياة آثاره، كما يمحو ظل الليل وجه الحياة