د.عمر القر اي (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) صدق الله العظيم في صحوة فجائية، من صحوات الضمير العارضة، وومضة إيمانية خاطفة، بسبب شهر رمضان المبارك، ما تلبث أن تزول، ندم السيد رئيس الجمهورية، على ما فعل بأهل دارفور !! 

وجاء عن تلك الندامة المتأخرة، في الأخبار (الخرطوم – إعترف الرئيس عمر البشير بان حكمه شهد ظلماً خيم على البلاد ، تسبب في في الجفاف وتأخر نزول الأمطار، وبدا الرئيس نادماً للمرة الأولى وهو يتحدث عن الدماء التى اريقت في دارفور وقال: نحن فرطنا في سماحة أهل دارفور وسماحة الأعراف، ودماء بعضنا البعض؟وتجمع مساء الاحد عشرات المسئولين النافذين في الحكومة على مائدة رمضانية دعا لها رئيس السلطة الإقليمية لدارفور التجاني سيسي بمنزله الفخيم في ضاحية كافوري ، تقدمهم الرئيس عمر البشير، وشارك في الافطار عدد كبير من اعيان اقليم دارفور.

وقال البشير- الذى ابتدر كلمته بمداعبة للسيسي بأنه أستاذه ودرسه- أننا جميعاً نسعى للعتق من النار في هذا الشهر، ونسأل الله أن يستجيب دعاءنا غير انه سرعان ما استدرك قائلاً: كيف يستجيب الله لدعائنا ونحن نسفك دماء المسلمين ودماء بعضنا البعض،ونحن اعلم بأن زوال الكعبة اهون عند الله من قتل النفس وزاد بأنه بحث ووجد أن كل شيء له عقوبة في الدنيا، ماعدا قتل النفس المؤمنة فإن عقوبته في الآخرة ثم عرج البشير ليقول أن هناك ظلماً مخيماً على البلاد تسبب في الجفاف وتأخر نزول الأمطار، وتساءل كيف نسأل الرحمة وأيدينا ملطخة بالدماء؟  
واتهم الرئيس ما اسماها باليد الثالثة بالتورط في الاقتتال القبلي في دارفور، وطالب الحاضرين من أبناء دارفور بالتواثق ورفع أيديهم وأداء القسم ودعاهم للترديد خلفه “كتاب الله جاكم أقسموا وقولوا نحن مع السلام وضد الحرب”، وأضاف: “ما عايزين زول من برا ينصحنا بنحل مشاكلنا برانا” ودعا البشير أهل دارفور بأن يصدقوا النوايا، وقال: “هل نحن صادقين عندما نسلم على بعضنا البعض أم أننا ننافق بعضنا”؟ ووعد البشير بأن يقدم مؤتمر التعايش السلمي المزمع عقده في دارفور خلال الفترة المقبلة حلولاً ، مشددا على انه “سيكون مؤتمرا حقيقيا ونحن نقسم بأن نعمل كتيم واحد” وقال البشير “إن الدماء التي اريقت في دارفور أسبابها لا تستحق ذبح الخروف ناهيك عن قتل النفس”، داعيا أبناء دارفور للتواثق بصدق والعمل من أجل السلام والاستقرار
وأضاف نحن فرطنا في سماحة أهل دارفور وسماحة الأعراف، وأعتبر السودان بوتقة أفريقيا بالتسماح، وقال إن الصراعات القبلية فيها عنصر ثالث مخرب يثير النعرات” داعياً إلى مراجعة الذات في شهر رمضان من ناحيته ركز رئيس السلطة الإقليمية لدارفور التجاني سيسي في كلمته على ضرورة إيقاف إزهاق الأرواح في القتال القبلي في دارفور)( سودانتريبون 23/7/2013م).

أول ما تجدر الإشارة إليه، هو أن إتجاه التغيير، لابد أن يبدأ بالمحاسبة والعدل .. فما الذي يجعل د. التجاني السيسي، يتولى أمر دارفور، ويتوقع منه أن يقوم بحلها ؟! أليس هناك من أبناء دارفور، من أثبت أنه أحرص على أهلها، وأكثر إهتماماً بمشاكلها، منذ زمن بعيد، منذ ان كان السيسي مشغولاً عن دارفور، بنشاطه في حزب الأمة ؟! وهل كان د.السيسي، يملك منزلاً فاخراً، في ضاحية كافوري، قبل أن يبيع قضية دارفور، ويساوم بدماء اهله، ويجلس مع قتلتهم، ويأخذ منهم العطايا، والهبات و(البدلات) عن السفر لمفاوضات الدوحة ؟!

وإذا كان السيد الرئيس قد ندم على ما حدث في دارفور، فإن التوبة في الدين ليست عبثاً، وإنما لها شروط، أولها الندم. ثم الاقلاع الفوري، عن الذنب. ثم الاصرار على عدم العودة له، مرة ثانية. ثم اخيراً رد الحقوق والمظالم الى أهلها !! ولكن السيد الرئيس يكرر ما فعله في دارفور، ويزعم أنه ندم عليه !! ويأتي بنفس مجرمي حرب دارفور، من أمثال أحمد هارون، ويوكل إليهم أمر جنوب كردفان، فيقوموا تحت إمرته، بقتل الآلاف، وتشريد الآلاف، وقصف القرى الآمنة، ومنع الإغاثة عن النساء والاطفال .. وحين يصوم قادة الحكومة، ويفطرون بأطايب المأكولات، في القصور المترفة، في ضاحية كافوري، يصوم الأطفال حتى الموت، بسبب عدم وجود الطعام، وهم يختفون من قصف الطائرات في قمم الجبال .. ثم لا يستحي قادة الحكومة، ان يتمنوا أن يعتقهم الله بسبب صيامهم من النار!!

يقول الرئيس (كيف يستجيب الله لدعائنا ونحن نسفك دماء المسلمين ودماء بعضنا البعض، ونحن اعلم بأن زوال الكعبة اهون عند الله من قتل النفس) !! إن من قتلوا في دارفور أكثر من مأتين وخمسين ألف نفس، وكل نفس منهم، قتلها أعظم عند الله من هدم الكعبة !!  وهناك من أخرجوا من ديارهم بغير حق، حيث اصبحوا بين عشية وضحاها لاجئين، أو نازحين، وهناك النساء اللاتي أغتصبن بالمئات، والأطفال الذين فقدوا ذويهم، فتيتموا، وتشردوا، وأصبحوا من أطفال الشوارع في المدن الكبيرة .. فإذا وضح للرئيس مبلغ جرمه، فلا رجوع عنه، ولا استجابة لدعائه، قبل القصاص!! فإن عجز أن يطبق على نفسه عدالة السماء، فلا اقل من ان يقبل عدالة الأرض، فيسلم نفسه للمحكمة الجنائية الدولية، ويقر لها بذنبه، ويتقبل حكمها مهما كان !!

ولم يتحدث الرئيس، ولا د. السيسي، عن محاكمة مرتكبي جرائم دارفور، حين تحدثوا عن الصلح ووقف القتال !! وهذا هو المحك، وهو أيضاً الفرق بين المخلصين من ابناء دارفور، الذين يطالبون بالقصاص لدماء ابنائها، وبين المرتزقة، الذين يحاولون تهدأة الاوضاع، حتى يستقر أمر الحكم للأخوان المسلمين، فيستمروا في أكل قوت الشعب، وتجويعه، وقتله في أماكن اخرى، بعد أن إنتهوا من مذبحة دارفور. إن أهل دارفور الذي يقاتلون بعضهم الآن، إنما هم ضحية ما فعلت بهم حكومة الأخوان المسلمين، فنتيجة لضرب القرى، وتشريد اهلها، ونزوحهم، ومنح أراضيهم لقبائل مستجلبة من غرب أفريقيا، أختل نظام الحواكير، ودخلت القبائل في حدود بعضها، ونشبت بينها الحروب. ولابد من إرجاع الأراضي لأهلها، وايقاف تقسيم دارفور، إذا كان السيسي ومجموعته جادين في الاصلاح. 

والرئيس يعلم إن الظلم لابد من العقوبة عليه، ولذلك (عرج البشير ليقول أن هناك ظلماً مخيماً على البلاد تسبب في الجفاف وتأخر نزول الأمطار، وتساءل كيف نسأل الرحمة وأيدينا ملطخة بالدماء؟) !! ولو كان هذا الشعور صادقاً، لسبقه العمل في إزالة الظلم .. فالشعب الذي يئن تحت وطأة ظلمك، لا يريد ان يسمعك منك، بل يريد ان ترفع عنه الظلم بالفعل. لماذا لم يوقف البشير قصف المدنيين، ويطرح السلام على الحركة الثورية، ويطلق سراح المعتقلين، ويوقف تعذيب أبناء دارفور، وجيال النوبة في المعتقلات ؟! لماذا أطلق سراح قوش، بعد أن اتهمه بالخيانة العظمى، ولم يطلق سراح معتقلين، لم يستطع ان يوجه إليهم أي تهمة، ولهم سنوات في المعتقل ؟! إن من أبلغ الظلم، وأفدحه، أن يتمرغ قادة الأخوان المسلمين في الثراء، ويعانوا من التخمة، بينما الشعب لا يجد ما يأكله في شهر الصوم. وهم بعد ان سرقوا قوت الشعب، ووظفوا الدولة لثرائهم الفاحش، يرفعون صلاتهم في المساجد الفاخرة، بمكبرات الصوت الصاخبة، في أحياء فقيرة، يمنع الجوع أهلها من النوم .. ويمنعون هم الأطفال الجياع المشردين، من أن يؤوا الى بيوت الله، وقد فقدوا بيوتهم في قراهم، التي أشعل فيها الاخوان المسلمون نيران حروبهم الجائرة !!

وحتى تكتمل هذه المسرحية الهزلية، خطب السيد الرئيس (وطالب الحاضرين من أبناء دارفور بالتواثق ورفع أيديهم وأداء القسم ودعاهم للترديد خلفه “كتاب الله جاكم أقسموا وقولوا نحن مع السلام وضد الحرب”، وأضاف: “ما عايزين زول من برا ينصحنا بنحل مشاكلنا برانا” ودعا البشير أهل دارفور بأن يصدقوا النوايا، وقال: “هل نحن صادقين عندما نسلم على بعضنا البعض أم أننا ننافق بعضنا”؟) أليس كتاب الله هذا نفسه، ما كانت ترفعه حكومة الاخوان المسلمين، وتدعي تطبيق الشريعة، حين قتلت الآلاف من أهالي دارفور ؟! أليس هو ما ترفعه الآن، وهي تقتل المواطنين العزل، وتقصفهم بالطائرات في جبال النوبة والنيل الأزرق ؟! وحين يطلب الرئيس منهم الصدق، هل هو صادق معهم ؟! ألا يحدثهم عن السلام، وهو يأكل معهم، بينما أبناءهم من طلاب الجامعات، يضربون، ويعذبون في جهاز الأمن، دون ذنب جنوه، غير الحديث عن ما لحق بأهلهم  في دارفور، من جراء الحكومة، التي يدعي رئيسها، أنه يرغب في تحقيق السلام في ذلك الاقليم، وهو يشعل الحروب في الاقاليم الاخرى ؟!

إن الشعب السوداني لن يصدق الرئيس البشير، حين يدعي أنه يريد السلام، وهو يصعد الحرب، ويوظف كل إمكانيات الدولة لشراء السلاح، ليقتل به مواطنيه .. ولن يصدقه إذا قال أنه نادم على الدماء التي أهرقها في دارفور، وهو لم يحاكم شخصاً واحداً، عن أحداث دارفور، حتى بعد ان اعترف ان القتلى بلغ عددهم 10 ألف مواطن !! هل هناك رئيس مسؤول، يعترف بقتل 10 ألف مواطن، ولا يحاكم أحد على قتلهم، ثم يقول لأهلهم، أوقفوا المقاومة، وتعالوا نقيم السلام، لأنني ندمت على قتلهم، بعد ان عرفت ان قتل النفس أكبر عند الله من نقض الكعبة ؟!

إن محاولة الرئيس خداع أهالي دارفور، سببه ما تعاني حكومة الأخوان المسلمين من صراع داخلي، واضطراب. فهو يحاول ان يقلل المشاكل مع الجنوب، ومع دارفور، وقد يحاول خداع الحركة الشعبية –شمال ليصل معها الى اتفاق يطيل من عمر النظام، وكل ذلك سباق محموم مع غضب الشعب، ومحاولة استباق لخروجه للشارع، وهو أمر حتمي، لا مفر منه، ولا عاصم .

د. عمر القراي