استيلا قايتانو الغريبة ان الازمات التي يمر بها جنوب السودان وردود الافعال التي تصاحبها تضع مجموعة من الاغلال على تفكير البعض ، ونجد ان السودانيين الشماليين والسودانيين الجنوبيين لا زالوا واقعين في اسر الماضي وان لعنة الماضي تطاردنا مختلطة بما نتمناه او ما نخاف منه كل حسب عواطفه تجاه

الدولة الجديدة والعجيب في الامر هو ان تتطابق اراء النخب مع توقعات

العامة ، فالعامة من شعب جنوب السودان من ما ذاقوا مرارات الحرب

وانتهاكات الانشقاقات والتقتيل القبلي المنظم تحركه غريزة البقاء وعدم

استعدادهم نفسياً لخوض تجربة العنف المسلح مرة اخرى باي حال من الاحوال

ولن يغفروا لمن تحدثه نفسه بذلك مهما كان ومهما كانت مبرراته ، وعلى ما

اعتقد هو نفس الاسباب التي اعطت للسيد الرئيس سلفا الشجاعة لاتخاذ تلك

القرارات اختلفنا او اتفقنا معه . وهذا المأزق بالضبط جعلني احس بتفاؤل

وارجو الا يكون تفاؤلي مبكراً وليس تفاؤلي مرتبطا بفشل الحكومة الفائتة

او تقليل الوزارت الى آخر تلك الاسباب ، لقد تفاءلت من منطلق اننا

كجنوبيين قد تغيرنا ولو تغيراً طفيفاً ولكنه مهم ! . الم تحسو بهذا

الامر!؟ ولا سيما آخر عمل عنيف قام به الجنوبيون بشكل جماعي كان عام 2005

بعد مقتل د. جون قرنق ، عندما ساق الغضب الاعمى ورد الفعل العنيف الناس

لارتكاب الحماقات والانتهاكات باسم الحزن . وكانت تلك صورة الجنوبي بعيون

اغلب السودانيين وربما في عيون بعض الجنوبيين ايضاً ، الجنوبي الذي يسوقه

الغضب وردود الافعال للاعتداء على الاخرين بمبررات الانتماء او القبيلة

او تقديس الاشخاص او رفض لاي حدث  . ولكن التغييرات السياسية والاجتماعية

والثقافية التي مر به الناس  القت بظلالها على ردود افعال مواطني جنوب

السودان وطلما اننا دائما ما نتوحد عندما يجبرنا ظرف خارجي يجثم على

الجميع كأن تكون هناك حكومة مشكوك في امرها بانها تنهب المال العام

وعندما يقال لا بد ان يفرح الناس وينام المواطنون وهناك زغرودة في قلوبهم

. ولكن المصيبة الا نعرف باننا تغيرنا والا نجبر الاخرين ليفكروا عننا

بطريقة اخرى حتى ولو كانت صعبة وانما يفكرون عن الجنوبيين بالطريقة

السهلة التقليدية لا تخرج من اطار القبيلة ( دينكا – نوير – شلك …الخ

)  او ان يجتهد في اعادة تحليل الازمات التي نمر بها من  جهة اخرى اكثر

اضاءة بدل الانحطاط الى وحل القبلية والتكتلات الجهوية وتورطت في ذلك

الصحف السودانية في معظم مناشطها وتحليلاتها .

واليكم اهم ما جاء في مانشيتات صحف الخرطوم بعد السماع بخبر اقالة نائب

الرئيس د.رياك وكل الوزراء والنواب واحالة السيد باقان الى التحقيق .

اولاً : صحيفة السوداني : انتشار كثيف للجيش الشعبي – جوبا المصير المجهول .

ثانيا : صحيفة المجهر السياسي السودانية : مخاوف من اندلاع مواجهات

وانتشار امني كثيف في جوبا .

ثالثاً : الانتباهة : مشار – باقان – تعبان اتفقوا على التحالف في

الانتخابات القادمة .

رابعا : الانتباهة تكشف اسرار الاطاحة بمشار .

خامسا : جوبا ليل على السيف ( تحليل لاستاذنا محمد لطيف) ومن ابرز ما

جاء فيه هو تقسيم الحركة الى ثلاثة ( جناح الدينكا (سلفا) – جناح النوير

(مشار) – جناح الشلك والمثقفين (باقان) فقلت في سري حتى انت يا استاذ

محمد لطيف !؟  ) . ونستطيع ان نقرأ ما بين السطور من كل ما جاء اعلاه ،

او ماهو الايحاء الذي يعطيه هذا المانشيت او ذاك للانسان العادي في مدن

وقرى السودان ونحن المواطنين نهتم  بتلك الايحاءات لانها تقول لبقية

اهلنا المنتظرين في محطات العودة الطوعية اننا نتعرض للخطر ، وانها تقول

لجيراننا واصدقائنا واحبائنا باننا نتعرض للعنف ام يظنون بان تلك

العلاقات مقطوعة ولا احد يهتم !؟  وحينها يبحثون عن طرق اخرى غير الصحف

للتأكد من صحة الامر بعيداً عن الرسائل السياسية التي تريدها الصحف ،

لانهم ببساطة بفقدون المصداقية في الصحف التي تقول بان هناك حربا دائرة

او على وشك ان تدار على شاكلة (جوبا المصير المجهول ) ( مخاوف من اندلاع

مواجهات ) ( جوبا ليل على السيف ) وهو بكل بساطتنا السودانية يمكن ان

نطلق عليها عبارة ( اها مش قلنا ليكم حيتكاتلو في بعض ) جملة الانتصار

المشهودة عندما نكون واثقين من نظريتنا ومجرد حدوثه او عدم حدوثه هو

مسألة وقت ليس إلا وعندما نتلمس حتى الاشارات الكاذبة يعلن الانتصار على

الملأ ويجعلنا ذلك على وضع اللمسات الاخيرة لنخرج مسرحية مبنية على

الاوهام ، حيث لا ينظرون الى د. رياك مشار الا بمنظار عام ( 91) لا

ينظرون الى الجنوب سوى انها غابة كبيرة تدور فيها حرب لا تنتهي ويذبخ

فيها ابناؤها بعضهم بعضا لاتفه الاسباب ، ونستخلص من ذلك بان مازال

الماضي يأسرنا او بالاحرى مازلنا والاخرون نأسر انفسنا في الماضي ، بكل

احداثه وانفعالاته ونتوقع ان يتكرر بصورة او اخرى وهي مسألة حتمية ومازال

بعض الاعلاميين او المحللين السودانيين  يجمد السوداني الجنوبي في نفس

القالب من سنة ( 55) ونجد بان هناك اجابات وتحاليل جاهزة لم تتغير لا

ادري لماذا ؟ هل تحليل الاوضاع في جنوب السودان لا تسمح بان نتحرى الصدق

في المعلومة او المثابرة لوضع قراءات جديدة لواقع جديد ؟ او بدل ان يتم

تحليل الامور من تلك النقطة القذرة ( القبيلة ) ام التحليل الاخر البعيد

عن القبيلة تجعلهم يتذوقون طعم الهزيمة لان كل التوقعات المسبقة باءت

بالفشل .  للعلم من الاسباب التي تزيد من الهوة بين شقي السودان هو ان

يتم تناول قضايا جنوب السودان بطريقة لا يحبونها ولا يستسيغونها ممن

ينصبون انفسهم بالعارفين بشأن جنوب السودان وناسها وهم في الحقيقة بيعدون

كل البعد عن الواقع وكما قال وزير الاعلام السابق برنابا بنجامين في حوار

له مع الاستاذ احمد بلال الطيب عبر الهاتف  قال : (  المشكلة يا احمد نحن

عارفنكم كويس وفاهمنكم لكن انتو ما دايرين تدوا نفسكم فرصة عشان تعرفونا

وتفهمونا ) واعتقد بان هذه هي المعضلة .

الموضوع بكل بساطة كان الجنوبيون في انتظاره قبيل اعياد الاستقلال وكان

الكثيرون في انتظاره وقدم الكثيرون من المعارضة والناشطون في المجتمع

المدني رؤيتهم للرئيس بشأن تقليص الحكومة المترهلة لان من النشاز ان دولة

تعاني من مسألة موارد وتقشف ولها حكومة ضخمة بمخصصات هائلة يستمتع بها

قلة على حساب العامة المعدمة ، ليس لان صراعا على السلطة بين القبائل قد

يحدث ، ولكن لان الحكومة والشعب والحزب الحاكم غير راضين جميعهم عن

فترة الحكم السابق ولنفس هذه الاسباب تململ د. رياك ولاجل هذا قدم السيد

باقام اموم نقدا ذاتياً للحزب وطالب باعادة تنظيمه ومن اجل هذا شعر

الرئيس بتأنيب الضمير لانه لا يستطيع النظر الى عيون ابناء الشهداء وهم

لا يجدون المدارس ويشربون المياه  الملوثة ولا يتلقون العلاج اللازم وانه

يعلم معاناة مواطنيه بسبب غلاء المعيشة واستشراء الفساد وفقدان الامن . اي

لكل واحد منهم نظرة نبيلة تجاه القضية ويحاول تقديم حلوله ولكن اماكن

التعبير عنها قد اختلفت وهو ما قاد الى القرارات ، قدم الكثيرون النصح

بان كان  على د. رياك مساندة الرئيس وان يكون منسجما معه او يقدم

استقالته  بدل طعنه من الخلف  وقلنا للسيد باقام بان يتجه للحزب وعمل ما

يستطيع من نقد من الداخل وقد يصل الجميع  للنتيجة نفسها وبسرعة دون اضفاء

مظاهر الاثارة والترقب على الموضوع برمته وخروجه الى العامة بشكل يتلبسه

العداء .

لذلك فان الاسباب التي جعلت العامة يهربون وينسجون الشائعات وينشرونها هي

نفسها الاسباب التي جعلت صحف الخرطوم تنشر مانشيتات سامة تخفي في

داخلها رسائل لاثارة الفتن والتحريض وتصوير انسان الجنوب بانه مهما فعل

لن يخرج من كونه انساناً لا يجيد سوى حياة الغاب والبربرية يمارس العنف

اكثر من الحوار يجيد الغضب ورد الفعل اكثر من الحكمة والتروي وهذا في حد

ذاته مشكلة ، وهذا يعنيأن لا احد يتطور او يريد ان يتطور وهو

بالطبع ليس مواطنو جنوب السودان الذين يقدمون دروساً واحدة تلو الاخرى

باننا مهما اختلفنا تظل مصلحة الوطن هي العليا ومن يجر الناس للعنف هو

الخاسر الاكبر ، بدليل انه حتى الان لم يشهد اي احد ردود افعال سلبية تجاه

القرارات الفائتة ، وانما بدلاً عن ذلك كان هناك تأييد شعبي عريض لتلك

القرارات وخرجت مسيرات لمساندة الرئيس وادلى د. رياك مشار بتصريحات يطالب

فيها الناس بضبط النفس ورحب بقرارات الرئيس وقال انها دستورية ولن ينشق

من الحزب ولكنه لن يتخلى عن عزمه الترشح للرئاسة لفعل التغيير الذي يراه

اي ان الانتخابات هي الطريقة الوحيدة المشروعة لحكم البلاد وبذلك يحقق

الحاكم طموحاته بقيادة البلاد الى بر الامان وطموحات الشعب والسعي

للارتقاء بهذه البلاد، هل يوجد سمو اكثر من ذلك وحكمة اكبر من هذا، وانه

لجرم ان نختزل كل ذلك في انه مجرد ( نويراوي)  يسعى لاقامة دولة النوير

، لان ليس من الانصاف ان نقيس نشاطات وتفكير  قائدي البلاد ومستنيريها

بنفس المعايير التي نقيس بها تفلتات العامة القبلية بسبب نهب الابقار

والاراضي والنزاعات القبلية والتي يساهم هؤلاء  في اخمادها بين الحين

والاخر ، ونقول ايضاً ليس بالضرورة ان يكون نائب الرئيس القادم من النوير

وانما من الضروري ان ينسجم مع الرئيس بعقل وقلب مفتوح ويتعاون معه اكثر

من ان يمني نفسه بمنافسته ! والذين اختلفوا مع قرارات الرئيس  ابدو وجهات

نظرهم بكل حكمة وان الفاصل في هذا كله هي صناديق الاختراع في عام 2015 .

انتهى .

بكل صراحة لقد انتهت الحرب التي كانت تفرض على الناس ظروف تقديس الناس

والتغاضي عن اخطائهم وان يظلوا ابطالاً الى ما لا نهاية ، الان جنوب

السودان يمر بتحولات ضخمة وملموسة والسلام يفرض ظروفه ايضاً وفي الغالب

يكون اكثر واقعية ، وقادتنا يعلمون ذلك جيداً والبطل الحقيقي هو الذي

يجعل مصلحة الوطن هي العليا.

 نقول للحكومة الجديدة قبل ان تتكون بان المناصب هي مسؤولية ضخمة والذي

يعلم بانه في نفسية ضعيفة وانانية او مجاملة يجب ان يرفضها قبل ان يتورط في

انتهاكات تلقي به في مذبلة التاريخ ، وان المناصب خدمة للمواطنين والوطن

بمقابل مادي لا تجعلك غنياً بين ليلة وضحاها ولذا اذا كنت تريد الترشح من

اجل الغنى عليك ان تسلك طرقاً اخرى كالتجارة ، وان المناصب ليست عرضاً

لطبقة او جاه او بوبار او البحث عن التشريف وانما هي عبور طرق بها

الكثير من التحديات ومجاهدة النفس والاسرة والاقارب وهي ايضاً التزام

وعهد امام الله والوطن والناس واذا كنت ذكيا ستحصل على الكل في نهاية الامر

ذلك اذا سلكت الطرق المستقيمة .

ودمتم