د. جمعة كندة كومى تعتبر منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق من أكثر المناطق التي شهدت عمليات عسكرية خلال الحرب الأولى والتي إنتهت بتوقيع إتفاقية السلام الشامل في العام 2005م بين طرفي النزاع حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان. وخلال الفترة الإنتقالية إتضح جلياً أن هذه الإتفاقية لم تكن إلا هدنة طويلة فيما يختص بالمنطقتين إنتهت بإندلاع حرب جديدة اكثر شراسة في جبال النوبة في يونيو وفي النيل الأزرق في سبتمبر 2013م. لم تفاجئ الحرب الثانية في المنطقتين المراقبين المحليين والدوليين حيث كانت كل المؤشرات تشير إلى إندلاعها. ورغم تعدد المؤشرات لعودة المنطقتين للحرب إلا أن الطريقة التي تم بها التفاوض ومن ثم التوقيع على البروتكول الخاص بالمنطقتين هي إحدى هذه المؤشرات الأولية، أما المؤشر الثاني فيتعلق بضعف مستوى تطبيق البروتكول لغياب الإرادة السياسية لتطبيق ما إتفق عليه.

ففي كتابها بعنوان “Waging Peace in Sudan”  كشفت هايلدا جونسون في عام 2011م أن ضغوطاً كبيراً جداً قد مورست بواسطة الوسطاء ومن خلفهم المجتمع الدولي على الدكتور جون قرنق وكل من عبدالعزيز الحلو ومالك عقار من أجل التنازل عن مواقفهم الأساسية فيما يتعلق بالمنطقتين حيث كانوا يطالبون أن تعامل أسوة بجنوب السودان. ولأحقاً إتضح عدم جدوى هذه الضغوط الأمر التى أدت إلى أن تعترف هايلدا جونسون بوقوعها هي والمجتمع الدولى في خطأ تاريخي تصل إلى درجة خيانة قضايا هاتين المنطقتين. إن هذا الإعتراف يشير إلى أن قضية المنطقتين كانت عبارة عن كرت للتنازل أو المساومة او للضغوط بين الطرفين والوسطاء معاً عند مناقشة القضايا الأخرى خاصة قضيتى أبيي والبترول. في نهاية الأمر كانت تسوية سياسية فى بروتكول ضعيف للمنطقتين لم ينل رضى أبناء وقيادات المنطقتين في حينه، ومع ذلك تم الإلتزام به في إطار إتفاقية السلام الشاملة حفاظاً على المكتسبات التي حققتها خاصة لشعب جنوب السودان أهمها حق تقرير مصيرها.

كما ذكرنا سابقاً أن من أهم أسباب عودة المنطقتين للحرب هي ضعف البروتكول وضعف مستوى تطبيقه. البروتكول يشتمل على مبادئ هامة شكلت أرضية لمعالجة الأزمة من خلال ترتيبات إقتصادية وثقافية وإدارية وسياسية ويمكن تقسيمها إلى حزمتين. الحزمة الأولى تشمل كيفية المشاركة في السلطة والثروة بين طرفي النزاع في كل إقليم اثناء الفترة الإنتقالية، وإدماج المؤهلين من الكوادر المؤهلة من الحركة الشعبية لتحرير السودان في المنطقتين في الخدمة المدنية والشرطية والقضائية، وتكوين وحدة من الجيش المدمج من جيشى طرفي النزاع لبسط الأمن، وإعمال المصالحات المجتمعية ومخاطبة المنظمات المرتبطة بحقوق الأراضي التقليدية وعودة النازحين. أما الحزمة الثانية فتشمل عدة عناصر سياسية تبدأ بتعداد السكان كخطوة شرطية لإجراء ما عرف في البروتكول بالمشورة الشعبية والتي تم التعويل عليها كممارسة سياسية لوضع حلاً نهائياً للأزمة السياسية في المنطقتين. يشير التوقيت المتعلق بالبروتكول إلى أنه ينبغي تطبيق كل البروتكول بما فيها إجراء المشورة الشعبية بواسطة حكومة الوحدة الوطنية وقبيل اجراء الاستفتاء فى جنوب السودان حتى تشارك الحركة الشعبية في تسوية النزاع في المنطقتين قبل إنفصال الجنوب. ولكن حدث العكس تماماً إذ تم تأجيل أهم البنود في البروتكول (الإنتخابات والمشورة الشعبية ) إلى ما بعد الإستفتاء وإنفصال جنوب السودان.

وأثناء فترة إجراء الإنتخابات في 2011م في جنوب كردفان كانت المنطقة غير مؤهلة إجتماعياً وسياسياً وامنيا لأي ممارسة سياسية نزيهة وعادلة لأهل الإقليم خاصة أبناء النوبة بالولاية. وبالرغم من إعتراف الدولة بعدالة مطالب المنطقتين السياسية والإقتصادية، إلا أنه كان واضحا ان للحزب الحاكم المؤتمر الوطني رأي آخر بعد إنفصال جنوب السودان. إذ تشير لغة ومضمون خطب الحملة الإنتخابية بالولاية والتي شارك فيها قيادات الدولة بأعلى مستوياتها إلى إنها تتراجع عن الاتفاقية ناهيك  عن التزامها اعترافها بحقوق المنطقتين السياسية والتنموية والثقافية. لقد خلقت الحملة الإنتخابية جوا لا يتوقع منه غير العودة إلى المربع الأول اى الحرب، خاصة عندما اتضح عدم إستعداد الطرفين بخسارة نتيجة الإنتخابات وفوز الطرف الاخر. فلقد تم عمل تعزيزات عسكرية من الطرفين قبيل الإنتخابات مما زاد من حدة التوتر والتي وصلت قمتها عند إعلان نتيجة الإنتخابات لصالح مرشح المؤتمر الوطني مع رفض واسع من الحركة الشعبية لتحرير السودان للنتيجة المعلنة.

إزداد الأمر سوءاً عندما أعطت الحكومة الحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال مدة محددة لسحب جيشها إلى داخل أراضي دولة السودان أو أن يتم نزع سلاحها بالقوة. وفي هذا الجو المتوتر سياسياً مسحوباً بحشد عسكري من الطرفين خاصة داخل مدينة كادقلي عاصمة الولاية وقع إشتباكات دموية في يوم 6/6/2011م قبل أن تنتشر إلى مناطق أخرى خاصة تلودي، هيبان، أم دروين، الدلنج، وكان ذلك إيذاناً ببداية الحرب الثانية في ولاية جنوب كردفان قبل أن تنتقل إلى النيل الأزرق في سبتمبر 2011م، والتى إستمرت بلا هوادة إلى يومنا هذا. في المقال الثاني سنتعرض للأزمة الإنسانية والتحولات السياسية والجغرافية التي حدثت في ولاية جنوب كردفان بعد إنفصال الجنوب وأثر ذلك في فرص السلام والتسوية السلمية السياسية في الولاية.