خط الاستواء  عبد الله الشيخ  كان جون قرنق ديمابيور، نسمة باردة في حياة السودانيين الجديبة، هو القائد الواثق من نفسه صاحب "النكتة" ..هو الابن العائد الذي ألهب حماس اهله بالمستقبل وبعث  فيهم أملاً بـأن الحرب وضعت اوزارها، وأن عهد رفع السوداني للسلاح في وجه أخيه السوداني قد ولى الى غير رجعة.. هو زعيم لا يشبه "سادة افريقيا الجدد، الذين افواههم كأفواه الذئاب"..!!  كان مختلفاً عن نماذج القيادات التي تحكمت فى حياة السودانين منذ الاستقلال وحتى الآن..

شكَّل رحيل قرنق المفاجئ صدمة ووجعاً لا ينتهي في أفئدة طالبي الاخضرار لشعبنا التي ضربه الجفاف الفكري وزحفت عليه رمال التصحر العقائدي، وحكمته تعسفيات سوء الطوية.. 

ستذكر الأجيال د. قرنق بالخير، فقد كان سودانوياً جداً..عندما وقّع على اتفاقية السلام الشامل لم يفهم تلك الاتفاقية على انها محاصصة  أو سانحة سلطوية أو أنها مكاسب ذاتية أو جهوية أو قبلية ، وإنما كان يراها اتفاقية لبناء مستقبل كل أبناء السودان، من حلفا الى نمولي من الجنينة إلى البحر الاحمر.. كان متفرداً ، هو الوحيد الذي طبَّق شعار اعداء الله والوطن “لا للسلطة ولا للجاه”.. هذا الشعار الذي يصرخ به سماسرة السياسة الذين يقولون ما لا يفعلون..

 ستبقى ذكرى قرنق حاضرة  فى الأجيال السودانية لأنه ضرب مثلاً نادراً فى الاخلاص لتراب هذا البلد، ولو كان بيننا   لما تفكك السودان هكذا، ولما استعلت علينا هذه الـ “قشاعم”..!لم يكن شعاراتياً  يبيع الكلام “من الطقوق ولى فوق”.. كان وجهاً مشرفاً لأهل السودان ،، مفكّراً ذكياً ومناضلاً يعرف الطريق و لا تبتلعه التفاصيل ولا المرارات الشخصية.. ولأنه جسور فقد خاض المعارك العسكرية والتفاوضية مبرّءاً من نزق الذات، ولم يساوم في حقوق البسطاء المستضعفين ولم يوزع الغنائم لأهل بيته…… مثلما يفعل شذاذ الآفاق..!!

 لم  يوزع السودانيين الى كيمان وقبائل ، ليلهي بعضهم بالقاب زائفة ومكاسب توظيف على حساب تماسك الكيان الوطني كما يفعل الاخوانجية .. دارفور مثالاً..

هكذا تحدث قرنق : ” لنتقبل انفسنا كسودانيين اولاً وقبل كل شيئ ، العروبة لا تستطيع توحيدنا ،الافريقانية المضادة للعروبة لا تستطيع توحيدنا ، الاسلام لا يستطيع توحيدنا ، المسيحية لا تستطيع توحيدنا ، لكن السودانوية  تستطيع توحيدنا “..

 قرنق هو الذي وضع يده على الجرح  السوداني وحارب وهم الاستعلاء الذي هو آفتنا الكبرى الاشد فتكاً من الجهل والجوع .. كان ظهوره فى القصر الجمهوري وعداً بالخلاص من جبايات الانقاذيين التي لا مثيل لها ولا حتى في أيام  التركية السابقة..

لكن الرجل رحل مثل غيمة مطر، وشاعت أجواء الخيبة واستشرت حالة “خم الرماد”..! كانت الآلة العسكرية والاعلامية للاخوان المسملمين قد سُخِّرت ضده منذ عام 1983م، ورسمت له في مخيلة العامة صورة بعبع مخيف  له “قرون”..! لكن الشعب يعلم من هو إبنه البار، فعندما عاد بعد نضال 22 سنة في الاحراش، استقبله الشعب السوداني استقبالاً لا مثيل له..

دخلت كازوما قرنق كل بيت خلال أيام وسحب حضوره  فى القصر البساط،  من تحت الاقدام التي يطربها صرير الموكيت والسجاجيد المزركشة المطرزة.. افزع  قرنق خلال ثلاثة أسابيع أبالسة القصر،الذين يعتقدون بالخلود هناك ..! كان متصالحاً مع نفسه ، “ما فارقه معاهو” اذا بات القَوَى ،أوركب بص الحاج يوسف من أجل الوصول الى الناس العاديين.. كارزما دون رتوش أو مكياج، ودون حشود يستجمعها التنظيم الحاكم بالاغراءات وبالحافلات.. حظى قرنق  بالقبول  الجماهيري لأن روحه حية نابعة من إرث قديم لشعب صابر يعرف ان قائده الحقيقي هو أول من يضحي وآخر من يستفيد.. لو كان قرنق بيننا لغمرت بركاته حتى الأعداء..لو كان بيننا لما غرق الأخوانجية فى رمال دارفور وفى المنطقتين.. كان قمراً أكّد سطوعه في ساعة قصيرة ليغيب فجأة عن سماء التطلع، ويعود السودان إلى حاله المايل..!  

 رحل قرنق سريعاً،، لكنه باق فى القلوب.. كان رحيله كان فجائياً، وغريبا، وغامضاً..

 لماذا..؟

 هل فقط، لأننا شعب سيّئ الحظ..؟