د. جمعة كندة كومى في الحلقة الاولى استعرضنا وبايجاز الاسباب التي ادت إلى عودة المنطقتين إلي مربع الحرب بنهاية الفترة الانتقالية ، وقلنا ان طبيعة الاتفاقية وضعفها في مخاطبة جذور مشكلة المنطقتين وغياب الارادة السياسية في تطبيق ماتم الاتفاق علية اهم سببين اديا الي اندلاع الحرب مرة ثانية في الولايتين. في هذا المقال سنحاول الوقوف علي التحولات السياسية واجتماعية والجغرافية التي حدثت في السودان واثر ذلك علي فرض السلام والتسوية السلمية السياسية في المنطقتين خاصة ولاية جنوب كردفان

اولاً: لقد عمقت الفترة الانتقالية أزمة الثقة بين شعبي هاتين الاقليمين والمركز حيث اتضح عدم رغبة العقلية المسيطرة علي مفاصل السلطة والثروه والهوية في المركز علي مخاطبة مطالب شعب الولايتين. وتتمثل هذه المطالب في رفع الغبن التنموي والمشاركة في السلطة والثروة والاعتراف بالهويات الثقافية واللغوية لشعوب هذه المناطق مما عزز الشعور بالاقصاء السياسي والظلم الاقتصادي والتهميش الثقافي. فمثلاً تحدث بروتوكول الولايتين بتطوير الثقافات واللغات المحلية وهو الامر الذي لم يحدث طيلة الفترة الانتقالية، كما تحدث البروتوكول عن تكوين مفوضية للاراضي للنظر في كيفية ادماج حقوق ملكية الاراضى العرقية في منظومة الحقوق المدنية استناداً علي أحسن الممارسات والتجارب الدولية فى هذا المجال .وبالرغم من مركزية عامل الارض فيما تشب من حرب اهلية في المنطقتين, لم يتم تنفيذ البند الخاص بحقوق الاراضى طيلة الفترة الانتقالية. تنموياً لم تشهد الولايتين اي ميزة تفصيلية في فرص التنمية باستثناء السنه الاخيرة من الفترة الانتقالية في جنوب كردفان. اجتماعياً لم يحدث مصالحات اجتماعية حقيقية بل زادت درجة المشاحنات والنزاعات بين وداخل القبائل المختلفة في الولاية واختل الامن بشكل كبير .لكل هذه الاسباب وغيرها كانت الولاية  غير مهيأة لأي عملية ديمقراطية مثل الانتخابات او المشورة الشعبية. علية تم اجراء الانتخابات في ظروف استثنائية وصلت مرحلة الانفجار عند اعلان النتيجة بفوز مرشح المؤتمر الوطني بمنصب الوالي .

ثانياً: بانفصال جنوب السودان تحولت ولاية جنوب كردفان من ولاية بوسط السودان الي ولاية حدودية يمر عبرها الجزء الاطول من الحدود الدولية بين دولتي السودان وجنوب السودان. لقد اعطى هذا الوضع الجديد ميزة جيوساسية للولاية ترتب عليه امور امنية وسياسية واجتماعية واقتصادية ليس فقط على الولاية ولكن على مستوى العلاقه بين دولتى السودان وجنوب السودان.

ثالثاً:  ظلت الولاية مسرحاً للعديد من النزاعات الناشئة عن ملفات عالقة بين الدولتين واهمها مشكلة ابيي، مشكلة حقوق الراعاة عبر الحدود، مشكلة المناطق الحدودية المتنازع عليها، ومشكلة البترول، ومشكلة قطاع الشمال كحزب سياسي محظور السلطة من حكامة.

رابعاً: ومن التحولات الجديدة مقارنة بالحرب الاولى هي تحول اتجاه حركة السكان المتأثرين بالحرب بجبال النوبة والنيل الازرق. فعند الحرب الاولي كانت حركة نزوح شمالاً داخل اعماق السودان كنازحين. وفي هذه المرة فقد اتجهت حركة السكان جنوباً عابرين الحدود الدولية الجديدة ليتحولوا من نازحين داخل دولتهم الي لاجئين في الدولة الجارة جنوب السودان.

خامسا: ان ارتباط شعبي جبال النوبة والنيل الازرق وجدانياً وثقافياً وسياسياً وعسكرياً اقوى اليوم من اي وقت مضي، وهذه هي إحدي مؤثرات النضال المشترك خلال الحرب الأولى. ومهما حاول الوسطاء والساسة من فك الارتباط العسكري والسياسي بين هاتين المنطقتين وشعب جنوب السودان ستظل العلاقات الشعبية قوية بغض النظر عن العلاقة الرسمية بين الدولتين علي الاقل في الوقت القريب.

سادساً: ان مايدور الان من حرب يقودها جيل جديد اكثر تعليماً وانضج سياسياً وأكثر قدرة علي استنفار للموارد المادية والمعنوية من المجتمع الدولى لصالح قضيته العادلة. ولكن الاهم من ذلك هو ان هذا الجيل والذي ولد وترعرع خلال الحرب الاولى ضعيف الارتباط الوجداني بالسودان الذي نتحدث عنه ونثوق إلى تحقيقه .فهو جيل  صنعته ظروف الحرب ولديه  ثقافة غير ثقافة السودان الموحد، فهو جيل اكثر تطرفا ولديه نزعة اكبر نحو الخيارات الاخرى غير خيار السودان الموحد. عليه فان استمرار الحرب ليست في صالح مشروع السودان الموحد. ان من مصلحة السودان الوصول اليوم قبل الغد الي تسوية سياسية سلمية مع القيادة الحالية للحركة الشعبية قطاع الشمال والتي تمسك بزمام الامور اليوم قبل ان يتولاها الجيل الثاني حينها يمكن ان تتبدل الاجندة السياسية ويصبح المستقبل السياسي للسودان في حكم اللامعروف.

ختاماً، نقول ان ليس للسودان حظ من السلام والاستقرار مالم يتغير أسس اللعبة السياسية تغيراً جزرياً .السودان يحتاج الي نموذج لفض النزاعات الذي يسمح بالتداول السلمى للسلطة وييتهج بالتعددية الثقافية والدينية والسياسية، مع توفر قدر كبير من الارادة السياسية لمخاطبة الظلامات التاريخية للشعوب والاقاليم المهمشة تهميشاً مركباً في السودان ماقبل وبعد الاستقلال. ببساطة الامر يحتاج إلى تفكير جديد وقناعات جديدة ومعادلات سياسية مغايرة  لتلك السائدة الآن.