(بطة خضراء، تركد على بيض أسود، ملتهب) بقلم عبدالغني كرم الله        تمد عنقاها الطويل، الملتوي، الرشيق، مثل بطة، تركد على بيض أسود، ملتهب، فحم مشتعل، تنفث من فمها الصغير، زفير نبيل، معطر بالزنجبيل، والقرفة، والنعناع، مثل متأمل يوجي، يجلس على رمضاء حصى، غير مبال، أرهقته معضلات الحياة، ونشوات الوصال، يرقص بخار زفيرها طربا قرب فمها المندي، خيوط من غيم رقيق، حار، ثم يولي الأدبار، في سماء الحوش، أو الغرفة، كيفما اتفق، مبشرا من حوله، بساعة المخاض، بطنها يغلي ببركات النار، من تلاحم الشاي والماء والهبهان، وهي مستقرة، ساكنة في عش من لهب، يتراقص حول بطنها، بألسنته الذهبية، والزرقاء، وهو يلسع صلبها الطيب، وسط الكانون، غطائها الأخضر، يرتعش، حينا بعد حين، تفتحه أيدي غير مرئية، يرتفع وينزلق، يعلو ويهبط، فتفر جيوش من الأبخرة، كأنها تعلم فضولنا، و ضيق صبرنا، وتبشرنا بقرب الميلاد!!

بطة حديدية، تبيض أرق بيض، سائل، أحمر، من لقاح النار، والشاي، والماء، والهبهان، ذلكم هو براد الشاي، عند العصر، موعد ميلاد سبع كبابي شاي سادة، أحمر، مباركة اللون، والطعم، والرائحة، من صنع أمي، أو أختي محاسن، أو أي شاعرة تحت شجرة، أو مفترق طرق.

تلكم الكفتيرة الخضراء، التي تجلس في عش الجمر، راضية، مرضية، كامرأة تتدخن، كل ثلاث أو أربعة مرات، في اليوم، تبيض أكثر من عشرين كباية شاي في اليوم، بين أبيض وأحمر، نشربها في بنابر بسيطة، حلقة في حوشنا البسيط، كل ينظر في زوايا في الدار، كأنها يراها للمرة الأولى، هناك من ينظر للباب، وأخر لظل الدار يتسلق الزريبة، وثالث لممر متعرج، تبدو فيه أرجل معاز، وباب أوضة بعيدة، وسبلوقة البيت القديم، كأننا نراه للمرة الأولى، بيتنا، أنها استراحة محاربين، جلسة الشاي، تعيد رونق للدار، والنفس، نشرفها وكأنها ألف كأس للخمر، كأننا نحط الرحال من دوامة الحياة، ومكرها، وكبدها، فننظر لنفوسنا، ودرانا، نظرة تأمل، وشكر، وإمتنان، ونتعجب، لم لم نرى البيت، وغرفه، وفسحاته، بتلك الروعة، وقد ولدنا فيها، وبكينا، وحلقنا، وحلمنا، في كل ركن، وظل، وسقف فيه، كأن جلسة الشاي، هي آية، وعظة لما نملك، وبين أيدنا، من ثراء، وسحر، كي لا يطغي الحرص، لأشياء فينا، ولا نبصرها، إلا في حلق ذكره، وفكره، أي الشاي المبارك، تلم شملنا، خالي، وأمي، وأخواتي، وتلم حنايا مبعثرة، في جلسة حميمية، تحفها ملائكة الله، وبركات الشاي..

أحدق في ركن البيت، الذي هذبته ألف مطرة، ومطرة، حتى صار كأنه كتف أم، أو ولي، ينزلق مثل ترقوة عظم، ولحم أسمر، به حشائش، حين خلطت الزبالة بالطين، بيضاء تبدو الأعشاب، على جلد البيت الطيني، حمته، وآسرت الفداء، كي ننعم بالظل المبارك في بطنه، وننعم بالحياة وسرها، خلفه تبدو شجرة، وأبعد منها سحب، أحسبها تحت النهر تماما، منظر اقسم بأني لن أظفر به، كثروة، وأتأمله، لو لا جلستي تلك، ولو لا سخاء الشاي، وحرص جلسته، عن شكر دارنا، وبركاتها، توعظني دوما، بأن ما حولك أجمل، ولكن تأني، ولا ترحل ببصرك، بعيدا، غريبا، عنك.

استراحة محاربين، من كبد الحياة اليومي، الأبدي، القسري، تسكين الأسرة،  على البنابر، والعناقريب، تراقب بالق طقوس صنعه، تجتر بتأني ما جرى لها، أمس وما قبله، عسى ولعل تفهم غموض الحياة، وتجلو سر الحكمة، في البلوى، والسراء، وترقب ما يجري الآن، من وقائع وأنفاس حولها، تبرز من غيم الآت، في حيز الآن، حياة نابضة، موج عات، يتدفق من نهر الحياة، يجعلك حينا تحس بأنك مجرد متفرج، وريد يدر في عصبك، ودم يجري في شرايينك، ومجرة تلف، وعمر يجري، ووقائع دهم، تطالك بلا حول لك، هينا لين، تجري عليك الأقدار، وحينا تحس بدورك، وبركات كفاحك، وأنك صانع للأحداث، وحين تحس بأنك قبس من دلك الألق القديم تقتفي دربه، وتلحظ إثره، وتحن له، يسوقك بخراف الغرائز، لعشب حواس خضر في حناياك، كي ترتع في بحبوبه جماله وكماله، وفي أخرى تحس بعبوس حالك، ومآلك، فتنكر، وتلحد، وتسأل بالحال والمقال، أين الحكمة في فوضى الدهر، أم عساها خير في لبوس شر؟ كمرارة الدواء في فم الطفل الغضوب، وما علم أن ورائها حلاوة العافية، وجمال الصحة، غموض تأنسه النفس في جلسات الشاي، فأصمت في صلاة شربه، عسى أن يفتح الله عليك آيات البيان والإحسان، أو ارتعاشات الضلال والبهتان، فتحس بأنك ريشة في مهب الريح، فما الريح؟ وما الريشة؟ ومن أين هبت؟ وإلى ناحية تروح؟..

ما أكثر ضلف النوافد التي يفتحها عبير الشاي على الأفاق، حين ينتظر أو يرشف، حينا يسرح طرفك في غموض الغد،  بما سيجري لك، وتحلم بالجميل، وتنقبض النفس، بخواطر أخر، لسوء الظن به، وتتبدد أيدي سبأ، كل تلكم العوالم، تقع تحت قبة رائحة الشاي، مثل ما تأوي قبة السماء كائنات الأرض، وخواطرها !!

لا يزال البراد الأخضر، يتقرفص، راضيا، مرضيا، على الجمر، فوق الكانون، موضع نظر وخواطر الكل،  بطنه يغلي، ببركات النار، وسرها، لهب لين، قهار، فاتن،  يتلاحم الشاي والماء والهبهان والقرفة، في موج عاصف، مضطرم  للمياه، بجوف البراد، بركان ثائر، يهز قلب أوراق الشاي، والنعناع، مخاض كائن أحد، من قبيل كائنات، كثر، يحلب منها جميعا، مذاقا وروح، وطعم ورائحة بكر، والبراد، صابر، مستقر، رغم ما بجوفه من إضرام، وعيون الماء فوقه تتكور، ألف عين صاخبة، في سطح الماء الفائر تلحظ سر السخانة؟ والحرارة؟ وهي تتغمض وتفتح عيونها، الشبيهة بعيون سمك ميت!!

تؤرق طقوس الصنع فؤادي، ألحظه بلا شعور، فناء سماع وبصر وشم، ساكن في عش من جمر، لهب يتراقص حول بطنه، يلسعه بألسنته الذهبية، الزرقاء، صلبه الطيب لا يتململ، بأي شئ يحس الآن؟ أيحرس اللهب شاعريته بتلكم الحرارة القاسية، الكامنة فيه؟ من أي فضول يطاله؟ أو يتحرش به من الأطفال والشعراء؟، لو كان لينا، لعلقته النساء على شحمة الأذن، أجمل حلق، ذهب مشتعل، ولكن دون الشهد، لذع إبر اللهب، إبر النحل، ألهذا أحب الأجداد الأوائل اللهب، النار؟ بل قدسوها وعبودها، حتى الشمس كانت جمرة، ترسل لهم سرها، ودفئها، وبركاتها!.

غطائه الأخضر، يرتعش، حينا بعد حين، تفتحه أيدي غير مرئية، يرتفع وينزلق، يعلو ويهبط، كصدر ملئ بجائشة عواطف كثر، تفر جيوش من الأبخرة، صرخة من غيم،  لألم مخاض، جنين سائل، من صلب أخيار كرام، ماء ونبت وزرع وعشب، كأنها تعلم فضولنا، و ضيق صبرنا، وتبشرنا بقرب الميلاد، وفك القيود، براح أن “تكون أنت”، وليس غيرك !!

تتعدد الرؤية، من جلستنا حوله، للدار، والقرية، حلقة في حوشنا البسيط، كل ينظر في زوايا في الدار، كأنها يراها للمرة الأولى، هناك من ينظر للباب، والشقوق حوله، وأخر لظل الدار يتسلق الزريبة، وجذوع الأشجار، وثالث لممر متعرج، تبدو فيه، جزء من أرجل معاز، وباب غرفة بعيدة، وسبلوقة البيت القديم، كأننا نراه للمرة الأولى، بيتنا، أنها استراحة محاربين، جلسة الشاي، تعيد رونق للدار، والنفس، نشربها وكأنها ألف كأس للخمر، كأننا نحط الرحال من دوامة الحياة، ومكرها، وكبدها، فننظر لنفوسنا، ودرانا، نظرة بكر،  تأمل، وشكر، وإمتنان، ونتعجب، لم لم نرى البيت من قبل بهدا السحر؟، وغرفه، وفسحاته، بتلك الروعة؟،  وقد ولدنا فيه، وبكينا، وحلقنا، وحلمنا، في كل ركن، وظل، وسقف فيه، كأن جلسة الشاي، هي آية، وعظة لما نملك، وبين أيدنا، من ثراء، وسحر، ولا نأبه له، كأنها لفتة لنظر لما فينا، كي لا يطغي الحرص، لأشياء فينا، ولا نبصرها، إلا في حلق ذكره، وفكره، أي الشاي المبارك، تلم شملنا، خالي، وأمي، وأخواتي، وتلم حنايا مبعثرة، في جلسة حميمية، تحفها ملائكة الله، وبركات الشاي..

من صنع تلكم البهجة التي ينفثها الشاي من احشائه؟

أمي، !!

أم سر اللذة الكامنة فيه،!!

 أم ذلكم الراعي الذي اكتشف سره في تلال اليمن السعيد؟

تدور الخواطر الثملة في قلبي، عن نبع الجمال في قلب الشاي، إتقان أمي، أم سره الدفين في أوراقه الطيبة، أم الراعي الحنون، الذي قيض له أن يلوك أوراق نبته الشاي فسرح ثملا في نشوة أعادت له الفردوس المفقود ، فرآه حوله، خرافه، وحقوله، ونفسه، ليست تلكم فلسفة، ولكن الاشياء تمسك ببعضها، أمي، تمسك بسر الشاي، وغريزة المتعة، التي يجلبها للنفس، ولم؟ ومع أوراق الشاي الخضراء، أو السوداء الجافة، وهي تطوي بين ضلوعها نشوة فطرية، غريزية، تنعش الخيال والفكر، والنفس، أم بخاره، الذي ينفثه من شفتيه اللينة، فيحكي أرق لدونه، لو رآها الحرير، لبكى خشونته، وصلابته، أم خيوط نافرة، طيعة، تحكي في رقصها العربيد، فوق فم الكوب، سحر وجمال وطيبة كوب الشاي، وتنفث رائحته، كي يصلي الشم في محراب الشرب، والرؤية، معا..

ما أعجب صنعك!!

أيتها الكباية، النظيفة، النبيلة، بين ضلوعك اللامرئية اللامعة، شاي أحمر، ينفث أفكاره النبيلة، بخارا يرقص من نشوة القصائد البكر، بجوفه الدافئ، السعيد، أتعجب من قصائد تكتب بالماء، وبراد أخضر، وكانون بسيط، وفحم يفني روحه وسط اللهب، كي يخرج من جلبابه دفء يهز كيان الماء والشاي، فيتحدا في عشق غريب، يسمى “شاي الصباح”، تجلسين ببساطة فوق الطربيزة الخضراء، الخشبية، مستعدة لأي فداء، راضية، بالموت، بل الميلاد، في سبيل هناء، وسعادة غيرك، أيتها المسيح الأحمر، السائل، الداااافئ..

كم أحب الشاعر السائل، الأحمر، الشاي، بكل أنواعه، احمر، سادة، بي لبن…

في مديح الشاي، خارج البيت..

تصنع نفيسة، في كباية شاي، تجلس على بنبر خشبي، مزخرف ببساطة، على اقدامه الأربع، السمينة، القصيرة، موسر بحبال من جريد الدوم، تلبس فستان ملون، سحبته من أطرافه، وكومته بين وركيها، مرسوم عليه ،زهور عباد شمس، كبيرة صفراء، ريانة، أظنها تشرب من عرق وركيها، وتفتح بتلاتها، على سعتها، من شمس وجهها المليح، أمامها الكانون، فحم يتراقص لهبه الأزرق والذهبي فوقه.

تلمع الكباية..

في قاعها،، حبيبات سكر..

اتخذت شكل الجبل، شكل الهرم.

حبة صغيرة منه، كانت على قمته، ومع هذا كان مزاجها رائقاً، لم تكن تحس بالغرور… مثل ملوك الارض، ولا تخشى الحرارة، ولا معول المعلقة، حين يصوتها، وتتلاشى كبخور في سماء..

السكر يذووووب، يلف كدراويش في بطن حلقة، يتصاغر، ويتصاغر،  صار صنو العدم، حتى ذاب كله، لم يعد له وجود (من ذاق عرف)، في مقام الشاي، لا ماء، ولا سكر الآن، بل كوب شاي نبيل، بلى من داق عرف، بأن في بطنها مريم سائلة، ومسيح نبيل، وألف قصيدة، وحكاية سعيدة، كلها، ذابت كالسكر، بلا هوية، سوى جلباب احمر، غاااامق، سائل، استوطن الكباية.

حبيبات السكر تدور، بنشوى، رغم ارتفاع حرارتها، حمى التضحية.

وضعت نفيسة المعلقة، لا تزال الحبيبات تدور، ثم اختفت خلف حجاب الذوبان … بهوية أخر، أكثر رقة. 

لم أعد أرى السكر، لن ترى السكر، ولكن من ذاق عرف، قد تنكره حواسك، سوى اللسان، أختفى عن العين، وبان للحواس، لكل حاسة قصيدة، وأمر…

ما الحرارة؟

كيف تحيل جذور نبته الشاي، الصلصال تحتها، نبلا، ومزاجا نبيلا؟..

كيف ترقص أوراق اللهب، بمهارة، حول البراد؟…

كيف تتسلل الحرارة، برقتها الحارقة، من قعر البراد، إلى أحشاء الماء والشاي والنعناع، فتفور، وتثور، وتموج، ويغلي الشاي، ويضطرب باطنه، وتلف الأوراق داخله كأسماك مدعورة، إعصار داخل سماء البراد المغطى.. 

أليست تلكم، أسئلة الشعر؟

أليست تلك، ومض غموضه، وإيحاءاته النبيل؟..

فما “الحرارة”، التي يصنع بها الشاي من لهب الجمر، وما المذاق الذي يجري في الشفتين واللسان، والقلب، من رشفة صغيرة، من فم الكوب، وما تلك الرعشة، أن لم تكن شعرا، حين يسرح الطرف بعيدا، في الحال والمآل، وكأن الكون خلق للتو، ولا يزال نضرا، وغريبا ومدهشا، رغم قدمه المطلق…

تبدو (الحرارة)، مثل كائن غريب، هين الجسم، بل لطيفه، ومع هدا تلين قلب الحديد، وتنفر منها كل الكائنات الحية، ولو قيض أن للغابات أرجل، لفرت منها، ومن سطوتها، في تكلم الحرائق السنوية في  غابات العالم، تبدو روح الحرارة في البدء مسالهمة، مجرد دفء، تحبه النفس، من سطوة البرد، ولكن سرعان ما تتحول لكائن مارد، يهدم ويلين الصخر، ويفتت عصى الصلادة، وهي أوهن الكائنات روحا، وجسما، وأن قلنا ان لهها جسما، فالمجاز، فهي كالضوء، والكهرباء، والجادبية الأرضية، كلها بارعة الصنع، والفتك، والسلطان، وكلها هينة الجسم، والهوية، بل أن رشقة ماء بسيط، يفتك بالنار، وحرارتها الباسة، فاتنة، فاتك تلكم هي طقوس صنع الشاي، حرارة، ونبتة مصت جدورها طينا صلصالا، أحالته بمهارة وفي ظلمة الأرض، لأوراق خضراء، تكمن في أورقها سر المزاج الطيب، وصفاء يهدئ أروع العقول الثائرة، والقلوب الحزينة..