كتب : صالح عمار للطبيعة سطوتها التي لاتقاوم، ولاني ممن يؤمنون بذلك لزمتُ داري قسراً لساعات طويلة منذ مساء الاربعاء الماضية (31 يوليو) علي امل ان يتوقف الطوفان. وفي واحدة من لحظات الهدنة التي كان المطر يتوقف خلالها، غامرتُ في ظلام الليل متحديا مخاطر التزحلق والسقوط لاظفر ببعض الحديث والتقاط الاخبار من جوار ست الشاي وروادها.

سائق حافلة كان يروي هناك لاصدقائه بطولات يومه وانتصاره علي المياه، ويصف ماشاهده يوم الجمعة من انهيار منازل منطقة دار السلام (محلية امبدة)، ثم تشعب الحديث وسخر احدهم من الحكومة بانها لم تكن تعلم ان المطر سيهطل، وكان الآخر مصراً ان الحكومة كانت تعلم!.

من قال ان الحكومة لم تكن تعلم انتصر علي منافسه بالضربة القاضية، بايراده لتصريحات الرئيس البشير الاخيرة التي قال فيها ان الامطار لم تنزل لانهم يظلمون الناس، وهو ما اعتبره المجادل دليلاً علي ان الدولة لم تكن تعلم بان امطارا بهذا الحجم في طريقها للهطول.

جدال الرجلين يستحق التفكير، فحجم الخسائر وكمية الامطار التي هطلت والمتوقع ان تهطل يطرح تساؤلات عن : كيف تعجز حكومة عن معرفة حدث مثل هذا في عالم وصل من التطور لمرحلة التنبؤ بما سيحدث لسنين؟ وليس قبل ايام من حدوث الكوارث.

الملاحظة الابرز ايضاً بخصوص التعامل الحكومي مع الامطار التي تهطل حالياً في عدد من الولايات، انها لم تعلن حالة الاستنفار القصوي والاعلام المملوك للدولة لايُفرد للحدث الا مساحات قليلة، بل لم يصدر تصريح رسمي واحد من كبار المسؤولين بالدولة لمواساة الضحايا، وتمليك الراي العام المعلومات والحقائق.

وهو تجاهل مثير للحيرة يصحبه رسائل للجمهور تبعث علي القلق، فقد اعلنت هئية الارصاد ان الاربعة وعشرون ساعة القادمة ستشهد فيها الخرطوم امطارا وزوابع رعدية، كما اعلنت ولاية الخرطوم صباح السبت اغلاق مدارسها لما بعد عطلة العيد، وكلها مؤشرات علي كارثة آنية ومتوقعة.

الامطار التي بدات الهطول في ولاية الخرطوم مساء 31 يوليو وقبلها بيومين في ولايات اخري، احدثت اضرارا بالغة في المنازل والممتلكات ووفيات لم يتم حصرها او اعلانها رسميا حتي اللحظة.
عبدالفتاح تبن وهو شاب من سكان منطقة امبدة ابريال اوضح للـ (التغيير) انه اشترك صباح الجمعة في تشييع جنازة طفلين من ابناء المنطقة لقيا مصرعهما بعد انهيار سقف المنزل عليهما، فيما اصيب والدهم بجراح خفيفة، ويدرسان في الصفين الرابع والخامس اساس.

وافاد الصحفي نصرالدين الطيب (التغيير) ان امراتين توفيتا نتيجة الغرق وبالصعقة الكهربائية في منطقتي الوادي الاخضر والحاج يوسف.

فيما تحدثت مصادر اخري عن مصرع ثلاثة اشخاص بمنطقة السامراب، وشخص في كرري ودالبخيت بسبب تياركهربائي، بجانب ثلاثة آخرين من اسرة واحدة لنفس السبب في محلية امبدة.
ووفقا لافادات عدد كبير من سكان اماكن مختلفة بولاية الخرطوم فان معظمها اصيبت باضرار، فيما تبرز امبدة وشرق النيل والدروشاب والفتح والثورات باعتبارها الاكثر تضررا.

وكانت السيول والفيضانات قد اجتاحت قبل ايام عاصمة ولاية شمال دارفور الفاشر ومعسكرات النازحين بنيالا، ومناطق واسعة في ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الاحمر، وتسببت في تشريد الآلاف الاسر وقطع الطرق.

ومع غياب الصوت الحكومي وتوقعات الارصاد بهطول مزيد من الامطار، انطلقت دعوات في مواقع التواصل الاجتماعي لاغاثة المتضررين.

واوضح محمد احمد احد الناشطين علي موقع الفيس بوك ان الهدف من نشاطهم هو “حصر الخسائر في الارواح والممتلكات اولاً ومن ثم لفت الانتباه لها”، ويضيف محمد : “نامل ان يؤدي ذلك ليكون سببا في جمع المساعدات”.

ورغم هطول الامطار بغزارة في عدد من الولايات وما احدثته من خسائر، لايخلو ذكر الامطار من مفارقات اقرب للتراجيديا، ففي ولاية القضارف دعت حكومتها صباح السبت المواطنين لصلاة استسقاءٍ لنزول الامطار التي يهدد شحها المزارعين بفشل موسمهم.

اما الخرطوم وحكومتها القومية والولائية فقد ذهب احد الساخرين للقول انها موزعة بين السفر وعمرة رمضان، ومن تبقي لزم بجوار الرئيس في رحلة اعتكافه لحل مشاكل السودان التي كان قد صرح بها قبل ايام نائبه!.