عبدالله الفكي البشير: قراءة في صورة شعوب القرن الإفريقي في كتابات الرحالة والجغرافيين العرب والمسلمين وتأثيراتها الممتدة: مدخــــل: تسعى هذه الورقة إلى الوقوف على ملامح صورة شعوب منطقة القرن الإفريقي في كتابات الرحالة والجغرافيين العرب والمسلمين، في العصر الوسيط. درست الورقة ثلاثة عشر كتاباً لاثني عشر مؤلفاً، امتدت مساحتها الزمنية من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي حتى القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي.

تلتزم الورقة بالمنهج التوثيقي حيث تثبت النصوص الواردة عن شعوب القرن الإفريقي من تلك الكتب، باعتبارها المصادر الأولية، وتقف على مدى التشابه بين النصوص، عن شعوب القرن الإفريقي، في تلك الكتب. ثم تقارن بين النصوص الواردة في تلك الكتب، مع مراعاة الفارق الزمني، لتقف مجيبة على السؤال التالي: هل نقل البعض من البعض الآخر؟ وإلى مدى كان حجم النقل؟. ثم تقدم الورقة بعض التحليل والتعليقات حول النصوص، وحول خصائص التدوين، والخصائص العامة لكتابات الجغرافيين والرحالة عن المنطقة[1] وشعوبها. تؤكد الورقة بأن الرحالة والجغرافيين العرب والمسلمين رفدوا مجلد الحضارة الإنسانية، بمساهمات معرفية أصيلة وعظيمة. فقد وصفوا باكراً بلدان العالم وأقوامه، لاسيما منطقة القرن الإفريقي. مثلت كتاباتهم عن منطقة القرن الإفريقي، ولا تزال مصدراً علمياً مهماً، ولا غنى عنها في دراسة المنطقة في مختلف المجالات. اتسمت كتابة بعضهم عن المنطقة بالجدة والأصالة، بينما نسخ البعض الآخر من كتابات الآخرين. جاء الوصف والتسجيل للانطباعات والمشاهدات عند بعضهم دقيقاً وواقعياً، في حين جنح البعض الآخر إلى المبالغات والخرافات. تزعم الورقة بأن ملامح صورة شعوب المنطقة[2] في كتابات الرحالة والجغرافيين[3] تأثرت بالموروث من الأمم الأخرى كاليونانيين وغيرهم، كما تأثرت، خاصة عند الرحالة، بنزعة الإخبار والإبهار والتشويق، والإنشغال بإمتاع السامعين وإدهاشهم بالغريب من المشاهد، فأمتزج الواقعي والحقيقي بالخيال والخرافة. تزعم الورقة أيضاً، أن بعض النصوص والوصوف الواردة عن المنطقة في كتابات الرحالة والجغرافيين، تتشابه أحياناً، إلى حد التطابق. ترجح الورقة أن ملامح الصورة التي وردت في كتابات الجغرافيين عن شعوب المنطقة، رسخت في المخيلة العربية، بما فيها من سمات وخصائص ووصوف سالبة، لا يزال تأثيرها حياً وممتداً حتى اليوم. تخلص الورقة إلى أن بناء المستقبل للعلاقات بين العرب وشعوب القرن الإفريقي، على أسس التعاون والتكامل، يتطلب أول ما يتطلب مواجهة الماضي، وقراءته، قراءة جديدة. إن القراءة الجديدة للماضي وللتاريخ تشترط إِعمال النقد واستمرار البحث والتنقيب لتصحيح صورة شعوب المنطقتين في مخيلة كل منهما. ولهذا، فإن الحاجة ماسة لتأسيس المزيد من المنابر الحوارية، واستمرار الحوار النقدي الحر، والتوسع في الانفتاح بين نخب وشعوب المنطقتين. تتهيكل هذه الورقة في خمسة محاور وخاتمة هي:

 

المحور الأول: الرحالة والجغرافيون ومنطقة القرن الإفريقي.

المحور الثاني: دوافع الرحالة والجغرافيين لزيارة منطقة القرن الإفريقي

المحور الثالث: التشابه في كتابات الرحالة والجغرافيين عن منطقة القرن الإفريقي

 

النموذج الأول: الإصطخري وابن حوقل

النموذج الثاني: المقدسي والإصطخري/ ابن حوقل

النموذج الثالث: الإدريسي والحميري

النموذج الرابع: القزويني والإصطخري/ ابن حوقل

النموذج الخامس: الحميري وابن جبير

 

المحور الرابع: ملاحظات حول الخصائص العامة لصورة المنطقة عند الرحالة والجغرافيين

المحور الخامس: بعض ملامح صورة شعوب المنطقة في كتابات الرحالة والجغرافيين:

 

  1. 1.         وصف الأقوام.
  2. 2.         وصف النساء.
  3. 3.         وصف الأماكن (المدن والقرى).

 

خاتمة: العرب وشعوب القرن الإفريقي: مواجهة الماضي وبناء المستقبل

 

الإطار الجغرافي للدراسة

 

إن مصطلح القرن الإفريقي الذي يُمثل الإطار المكاني لهذه الدراسة، لم يرد ذكره في كتابات الرحالة والجغرافيين؛ وإنما وردت الإشارات إلى شعوبه وديارهم وبلدانهم مثل: بلاد الحبشة، ديار البجة، وبلاد النوبة، والبجة، والزغاوة… إلخ، وإلى بعض المدن والقرى مثل: مقديشو، عيذاب، زيلع، باضع، دهلَك، قرية سمهر الحبشية، دنقلا، سوبا، علوة، وسواكن… إلخ. كما ورد ذكر ممالكهم وبعض ملوكهم مثل: ملك النوبة كابيل/ كاسل، وملك الحبشة النجاشي، …إلخ. فمصطلح القرن الإفريقي، كما هو معلوم، مصطلح حديث، وتم نحته مؤخراً. كما أن اسم إفريقيا نفسه، كما هو معلوم أيضاً، لم يطلق على القارة بأثرها، إلا في العصر الحديث. كانت إفريقيا عند الرحالة والجغرافيين، وسماً لضاحية قرطاج[4]، فمدينة على نهر فاس[5] ثم الإقليم الممتد من برقة إلى طنجة[6]، فبلاد تونس الحالية. كانت مساحة إفريقية تزيد وتنقص وفقاً للمعطيات السياسية والإدارية في المنطقة. كان الإفريقي[7] من ينسب إلى ذلك الإقليم بغض النظر عن أصوله العرقية. وكانت الكلمة أو المصطلح الجغرافي السياسي “إفريقية” حتى عصر ابن خلدون (732هـ/ 1332م- 808هـ/ 1406م) وبعده، لا تعني القارة، بل ولا تعني المغرب كله[8]. ولما دوَّن الحسن بن محمد الوزان الفاسي المعروف بـ “ليون الإفريقي”[9] (888هـ/ 1483م- 957هـ/ 1550م “تقريباً”)، رحلاته التسع[10]، التي قام بها في الربع الأول من القرن السادس عشر الميلادي، في كتابه الموسوم بـ: وصف إفريقيا[11]، نجد أن حدود إفريقيا عنده قد توسعت[12]، عما كانت عليه. فشملت بلاد البربر ونوميديا والصحراء الكبرى وبلاد السودان.

الشاهد، أن الإغريق والعرب كانت عندهم النظرة الاقليمية لا القارية للمعمورة هي السائدة[13]، أما في العصر الحديث، ومع ظهور الدويلات المتعاصرة والمتتابعة غربي مصر ومع التوسع الاوربي وغلبة مصطلحات الجغرافية الحديثة، أصبح اسم “إفريقيا” اصطلاحاً قارياً. واليوم اصبحت كلمة “إفريقيا” تعني القارة بأسرها. أما كلمة “إفريقي” فقد اصبحت ذات مدلولات عرقية وحضارية وسياسية[14]، غير تلك المدلولات التي كانت عليها في السابق.

 

ففي تعاطيهم مع إفريقيا، القارة اليوم، وشعوبها، أطلق الرحالة والجغرافيون تعبير بلاد السودان على البلاد الواقعة جنوب الصحراء الكبرى من القارة الإفريقية[15]. كما استخدموا أيضاً، اسم بلاد الحبشة وبلاد البجة وبلاد النوبة وبلاد الزنج وبلاد التبر، وكلها تقع ضمن التسمية المتزامنة لهذه التسميات، وهي بلاد السودان، التي سادت لاحقاً حتى فترة الاستعمار الأوروبي في العصر الحديث. كان الإغريق وقدماء المصريين قد سبقوا العرب في تسمية هذه المنطقة، وفقاً للون بشرتهم. فقد استعمل الاغريق كلمة إثيوبي (الأسود أو محرق الوجه) لسكان إثيوبيا القديمة وسكان مدغشقر وسكان جنوب جزيرة العرب أيضاً[16]. الشاهد، أن تعبير بلاد السودان، ظل قائماً حتى فترة الاستعمار الأوروبي. ففي حوالي عام 1870م شاع استخدام اسم السودان في المكاتبات الرسمية، فشمل كل الأقاليم الواقعة شمال البحيرات العظمى وحتى القرن الأفريقي والسواحل الصومالية[17]. يقول عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي (1930م- 2011م): السودان هم كل سكان إفريقيا… والإشارة أصلاً لبلاد السودان… وفي فترة الاستعمار الأوروبي كان هناك السودان الفرنسي، والسودان الإنجليزي المصري. سقطت كلمة بلاد. وبعد الاستقلال عادت بلاد السودان الفرنسي لأسمائها القديمة، بينما أبقى سودان وادي النيل اسم السودان لجمهوريتهم بعد الاستقلال[18].

 

الشاهد، أن مصطلح القرن الإفريقي، الذي يمثل الاطار المكاني لهذه الدراسة، يخلتف مفهومه اليوم عند الجغرافيين عن الأنثروبولوجيين وعلماء اللسانيات، كما يختلف عن مفهوم الساسة وتقسيمات السياسية الدولية. فالمصطلح لا يشكل مفهوماً أصيلاً نابعاً من التطور التاريخي والحضاري لسكان المنطقة، وإنما هو مدرك جغرافي يرتبط بالموقع على الخريطة‏[19].‏ فالموقع يتسم بأهمية إستراتيجية بالغة، إلى جانب أنه يطل على ممرات مائية حيوية: المحيط الهندي وخليج عدن والبحر الأحمر ومضيق باب المندب. هذه الأهمية الإستراتيجية جعلت منه ميداناً للمنافسة والصراع الإقليمي والدولي. الأمر الذي جعل المنطقة في حالة تشكل وإعادة تشكيل مستمر. ولهذا نجد الوحدات السياسية التي تحت مظلته في حالة توسع وتغيير. ففي حين يرى البعض أن منطقة القرن الإفريقي تضم تحت لوائها: إثيوبيا، الصومال، جيبوتي، وإرتريا، يضيف البعض الآخر السودان وكينيا، وكذلك جمهوية جنوب السودان، الدولة الوليدة في يوليو 2011م. بل في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001م، دفعت الاعتبارات الأمنية ببعض أدبيات التفكير الإستراتيجي الغربية إلى التوسع في استخدام مفهوم القرن الإفريقي ليشمل اليمن وربما بعض بلدان الخليج العربية[20]. ولا تزال المنطقة، بسبب أهميتها، وحدة الصراع والمنافسة الإقليمية والدولية حولها، تشهد محاولات لإعادة التسمية، وربما طرح بدائل لتسمية القرن الإفريقي. فقد رشح في الفضاء السياسي مفهوم القرن الإفريقي الكبير، وكذلك أطروحة الدول المتشاطئة أو المطلة على البحر الأحمر، وهناك أيضاً، أطروحة دول الإخدود الإفريقي العظيم، وهكذا.

 

إن المقصود بمصطلح القرن الإفريقي لغرض هذه الدراسة، هو تلك المنطقة التي تضم الدول التالية: إثيوبيا، الصومال، جيبوتي، إرتريا، والسودان. وهي دول متداخلة جغرافياً وتاريخياً، وسياسياً، وكذلك مجموعاتها السكانية. عُرف إقليمها بأسماء عديدة كما ورد سابقاً. ولم يستخدم الرحالة والجغرافيون من بين هذه الاسماء الخمسة سوى اسم السودان والحبشة، ولكنهم أشاروا، كما ورد آنفاً، إلى المنطقة وشعوبها من خلال الأقوام والأماكن.

 

الرحالة والجغرافيون ومنطقة القرن الإفريقي

 

من المعروف أن الأدب والتدوين الجغرافي العربي والإسلامي بلغ أوج تطوره في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. ففي القرون الثلاثة الأولى للإسلام، لم تكن معرفة العرب والمسلمين بأفريقية السوداء، وبالطبع منطقة القرن الإفريقي، على محدوديتها، لم تكن تلك المعرفة تعتمد على معاينات الرحالة والجغرافيين ومشاهداتهم بقدر اعتمادها على الأخبار والمرويات التي تدور على ألسنة التجار والمسافرين وسواهم من الأسرى والرقيق المجلوبين من تلك الأصقاع المترامية الأطراف[21]. تحدث عبد الرحمن حميدة عن بدايات ظهور الجغرافية عند العرب قائلاً:  

 

فبينما كان لدى العرب بعض مؤرخي عصورهم Historiographers ، لم نجد لديهم أي مؤلف انصرف لوصف مشهد الأرض الطبيعي. وكان علينا أن ننتظر حتى مطلع القرن الثالث الهجري، كي نجد لدى بعض التأريخيين Chroniqueurs  كالواقدي مثلاً (…. –208هـ/823م) بعض أوصاف جزيرة العرب وهي أولى المحاولات الأدبية المطبقة على وصف العالم. وهكذا ظهرت الجغرافيا في بداياتها، عند العرب مثلما ظهرت عند القدامى، شديدة الارتباط بالتاريخ وأحياناً تابعاً له[22].

 

       لم يستخدم العرب والمسلمون حتى القرن السادس عشر تعبير جغرافية. فقد استخدموا مصطلحات عديدة منها: علم الأطوال والعروض، علم تقويم البلدان، علم المسالك والممالك، وعلم عجائب البلدان[23]. ارتبط الأدب الجغرافي عند العرب والمسلمين في المشرق والمغرب، بنمط كتب المسالك والممالك. كان ابن خُردَاذَبَة قد دشَّن هذا النمط بكتاب عنوانه: كتاب المسالك والممالك، وهو العنوان الذي اعتمده الكثيرون فيما بعد. وقد ظهر هذا النمط في كتاب البلدان لليعقوبي، قبل نهاية القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي[24]. ثم ظهر الوزير أحمد بن سهل البلخي (236هـ/850م- 322هـ/ 934م) صاحب كتاب: صورة الأقاليم، أشكال البلاد، أو تقويم الأرض[25]. ثم جاء الإصطخري وألف كتاباً عن العالم الإسلامي والأقطار المتاخمة عنوانه: المسالك والممالك، استند فيه على كتاب البلخي. ثم ظهر ابن حوقل بـ كتاب صورة الأرض. أشار ابن حوقل إلى أنه التقى أبا إسحاق الفارسي الاصطخري، الذي طلب منه اصلاح كتابه: المسالك والممالك، قائلاً: (ولقيت أبا إسحاق الفارسي… وقال: قد نظرتُ في مولدك وأثرك، وأنا أسألك إصلاح كتابي هذا حيث ضللت فأصلحتُ منه غير شكل وعزوتُه إليه، ثم رأيت أن أنفرد بهذا الكتاب وإصلاحه وتصويره أجمعه وإيضاحه…)[26]. يرى البعض بأن ابن حوقل انتحل كتاب الإصطخري[27]. وفي الربع الأخير من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي ظهر المقدسي بكتاب: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، الذي اعتبره عبدالرحمن حمودة نموذجاً لنمط المسالك والممالك[28]. وهكذا استمر ظهور الكتب ومن ثم ظهرت المعاجم الجغرافية واللغوية مثل: معجم ياقوت الحموي (575هـ/ 1179م- 627هـ/ 1227م) معجم البلدان، ولاحقاً ظهرت الموسوعات التاريخية والجغرافية مثل صبح الأعشى للقلشقندي (…- 821هـ/ 1418م) وغيرها. كما كان هناك المؤرخون مثل اليعقوبي (وهو جغرافي أيضاً) والطبري وغيرهما. وكانت كذلك كتب الرحلات مثل: سفر نامه، لناصر خسرو، ورحلة ابن جبير، التي عرفت بـ رحلة ابن جبير، ورحلة ابن بطوطه، المسماة بـ: تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار وغيرها. وتختلف “كتب الرحلة” عن كتب المسالك بأنها قد دوِّنت على شكل “مذكرات يومية” أو ما يقارب ذلك في الالتزام بالتدوين اليومي[29].

 

الشاهد أن جل مؤلفات الرحالة والجغرافيين، تضمنت إفادات ووصف وإشارات، متفاوتة في حجمها ونوعها وزمانها، عن شعوب منطقة القرن الإفريقي وبلدانها. فالمنطقة تقع مجاورة للجزيرة العربية، وتربط بين المنطقتين روابط وصلات منذ فجر التاريخ. إذ تشير الدراسات التاريخية الجيولوجية إلى أن الجزيرة العربية كانت ملتصقة أرضاً بإفريقيا. وأن التكوين الجيولوجي في “حقبة البلايستوسين” حَدث التصـدع الأفريقـي الذي أحدثه الأخدود وأدى إلى تكوين البحر الأحمر وخليج عدن[30]. وبعد ذلك (ولصغر حجم الفاصل البحري… كانت السواحل المواجهة لليمن بشرق إفريقيا تعيش بيئة عربية واحدة ما بين القرنين العاشر والسابع قبل الميلاد. ومع نشاط الطريق البحري للتجارة منذ القرن الثاني قبل الميلاد… بدأت الهجرات وتصاعدت ما بين 3000 إلى 1500 ق. م.، …، وفي القرنين السابقين للميلاد عَبْر الحميريون وبعض الحضارمة البحر الأحمر واستقروا في الحبشة وتوغل بعضهم حتى بلاد النوبة وصاهروا قبائل البجة)[31]. ومع ظهور الإسلام زادت تلك الهجرات، وسلك العرب المسلمون إلى القارة الأفريقية نفس الطرق التي سار عليها أجدادهم من قبل، من أجل التجارة أو الهجرة[32]. فمن الخليج العربي عن طريق مضيق باب المندب، وكل طرق البحر الأحمر إلى الحبشة وأعالي النيل الأزرق وأرتيريا وسودان وادي النيل (السودان الشرقي)،… وعبر المحيط الهندي إلى الساحل الشرقي لإفريقيا، ومن ثم إلى وسطها[33]. لقد أوجد الإسلام أبعاداً جديدة لدوافع الهجرة والاستقرار، وقدم لها المبرر الديني والغطاء السياسي، فضلاً عن أن الإسلام زاد لاحقاً، من الهجرات العكسية بسبب التوجّه إلى الأراضي المقدسة لآداء فريضة الحج والعمرة[34]. وقد لعبت موانىء منطقة القرن الإفريقي دوراً عظيماً في عبور الحجاج من وإلى الأراضي المقدسة. عبَر ضمن هؤلاء ممن وصلتنا كتاباتهم، من الذين سجلوا ملاحظاتهم ودونوا مشاهداتهم، وكان فيهم المؤرخ والجغرافي والتاجر والسائح والفقيه وعالم الدين والشاعر وموظف البلاط والديوان، وبعضهم يجمع أكثر من صفة من بين هذه الأوصاف.

 

تتناول هذه الدراسة مجموعة من مؤلفات الرحالة والجغرافيين، وقفت على شهاداتهم وإشاراتهم وملاحظاتهم التي سجلوها عن منطقة القرن الإفريقي. وتشمل المجموعة التي تناولتها هذه الدراسة، قائمة الكتب أدناه، وفقاً لتسلسلها الزمني:

 

  1. كتاب البلدان، لليعقوبي[35](حوالي[36] 225هـ/839م294هـ/907م).
  2. تاريخ اليعقوبي، لليعقوبي.
  3. كتاب المسالك والممالك، لابن خُردَاذَبَة[37] (…- 272هـ/ 885م).
  4. أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، للمقدسي[38] (336هـ/ 947م380هـ/ 990م).
  5. المسالك والممالك، للإصطخري[39] (… 340هـ/ 951م).
  6. كتاب صورة الأرض، ابن حوقل[40] (… 367هـ/ 977م).
  7. أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل، لعبدالله بن أحمد بن سليم الأسواني[41] (…-386هـ/ 996م). ضمن المقريزي (…-386هـ/ 996م المواعظ والاعتبار.
  8. سفر نامه، لناصر خسرو[42] (394هـ/ 1003م481هـ/ 1088م).
  9. نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، للإدريسي[43] (493هـ/ 1100560هـ/ 1166م).
  10. رحلة ابن جبير، ابن جبير[44] (539هـ/ 1144م614هـ/1217م).
  11. آثار البلاد وأخبار العباد، للقزويني[45] (600هـ/ 1203م682هـ/ 1283م).
  12. الروض المعطار في خبر الأقطار، لمحمد بن عبد المنعم الحميري[46] (…-27هـ/1336م)
  13. تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، ابن بطوطة[47](704م/1304م779هـ/1377م)

 

تتضمن هذه المجموعة مؤرخين، وجوابي آفاق، وجغرافيين من مؤلفي الكتب على نمط كتب المسالك والممالك، ومنهم واضعو المعاجم الجغرافية. ومنهم الرحالة الذين زاروا المنطقة، وسجلوا مشاهداتهم ووصفوا البلدان والأقوام وحيواتهم. غطت كتاباتهم الفترة من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي حتى القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي.

 

دوافع الرحالة والجغرافيين لزيارة منطقة القرن الإفريقي

 

عدَّد الدكتور عبدالرحمن حميدة[48]، ثلاثة عشر سبباً من الأسباب التي دعت العرب والمسلمين وحثتهم إلى جوب الأرض والترحال فيها. كانت الأسباب، كما أشار، أكثر تعقيداً وتنوعاً من تلك التي حملت الأمم القديمة كالفنيقين واليونان والروم على التوسع في معرفة الأرض والتنقل في البلدان بقصد التجارة والاستيلاء على البلاد والسياحة في الأمصار. وفصل عبدالرحمن حميدة هذه الأسباب في نحو عشرين صفحة من كتابه آنف الذكر. والأسباب هي بدون تفصيل: الدين الإسلامي الذي حث على السير في الأرض، وأقوال العرب المأثورة التي تحث أيضاً، على السفر، والعوامل السياسية حيث الفتح والاستيلاء على الممالك في إفريقيا وآسيا وأوروبا. ثم التجارة وكسب العيش التي سلك الناس فيها الطرق البرية والبحرية، والسياحة وميل العرب الغريزي للبحث والاطلاع. وكذلك الحج إلى بيت الله الحرام، وهو فرض من فروض الإسلام الخمسة لمن استطاع إليه سبيلا، والاستكشاف وحب الاطلاع لمعرفة الأرض، لاسيما البعثات التي أرسلت لاكتشاف السواحل والبحار. طلب العلم الذي يحث الإسلام عليه، إذ رحل الناس من أجل العلم من الأندلس إلى بخاري ومن بغداد إلى قرطبة، وهكذا. وأيضاً، الرغبة في معرفة الطرق والمسالك وتقدير الأبعاد بالفراسخ والأميال للتخطيط للأسفار البعيدة والرحلات النائية، وكذلك الرغبة في معرفة مدهشات العجائب ومكنونات الغرائب. إلى جانب معرفة ما جاء ذكره في القرآن وكتب الحديث وأشعار العرب وأخبارهم، من الأماكن والجبال والمياه والقفار والرمال والبلاد…إلخ، وكذلك المعرفة الفقهية فيما يتعلق بأحكام الجزية والخراج والفىء. وكذلك تخفيف الدين الإسلامي على المسافرين فيما يتعلق بالصوم والصلاة مما سهل الرحلات وشجع على القيام بها.

 

كان من أشهر الرحالة والجغرافيين الذين، ربما، زاروا منطقة القرن الإفريقي: ابن خرداذبه، والإصطخري، وابن حوقل، وابن سليم الأسواني، وناصر خسرو، والإدريسي، وابن جبير، وابن بطوطه. كان منهم العرب والفرس، وكان بعضهم من المشرق، وبعضهم الآخر من المغرب والأندلس. ويرى البعض أن الرحالة المغاربة كان لهم الفضل الأكبر في كشف مجاهل تلك المنطقة ومناطق بلاد السودان الأخرى. أرجع البعض إهتمام الرحالة المغاربة ببلاد السودان، وتقع ضمنها بالطبع منطقة القرن الإفريقي، إلى الأسباب الآتية[49]:

 

  1. 1.      لأنهم أقرب إلى أواسط إفريقية من المشارقة.
  2. 2.      ولأن علماء الدين والفقهاء المالكية من المغاربة كانوا ينزلون تلك البلاد لنشر الدين والمذهب.
  3. 3.      ولأن التجارة متصلة بين الشمال الإفريقي ووسطه.

 

أشار الدكتور نقولا زيَادَة في كتابه: الجغرافية والرحلات عند العرب، إلى أن رحلات المغاربة إلى المشرق كانت، على العموم، أكثر من رحلة المشارقة إلى المغرب. فمركز الحج في المشرق، ومدن العالم الأولى فيه، فكان من الطبيعي أن يزور المغاربة الشرق أكثر من زيارة المشارقة لبلادهم[50]. ويرى المؤرخ السوداني يوسف فضل حسن أن الجزء الشمالي من سودان وادي النيل، خاصة بلاد النوبة وديار البجة، كان يدور في فلك الدولة الإسلامية اقتصادياً وسياسياً وذا علاقة خاصة بمصر. وكانت مصر مركز تجمع مهم للحجيج الوافد من الأندلس وبلاد المغرب، وبلاد السودان وسودان وادي النيل، وقد سلك هؤلاء الحجاج طريق عيذاب الذي يمر بسودان وادي النيل والذي ازدهر مع انتعاش مصر الاقتصادي والعلمي، ولظروف المجاعات وسنوات الشدة التي أدت إلى خراب طريق سيناء، هذا اضافة لاستشراء الخطر الصليبي عبر ذلك الطريق[51].

 

الشاهد أن الرحالة زاروا بعض نواحي المنطقة، وسجلوا ملاحظاتهم، ودونوا مشاهداتهم. كانت دوافعهم لزيارة المنطقة مختلفة، أهمها الدافع الديني حيث قصد الأراضي المقدسة. وهناك دوافع تعود إلى السياحة والرغبة في الاكتشاف كما هو الحال في رحلات ابن جبير وابن بطوطة. وهناك رحلات تمت لدوافع أخرى كما هو الحال بالنسبة لرحلة ابن سليم الأسواني، الذي أرسله القائد الفاطمي جوهر الصقلي إلى قيرقي ملك المقرة في نحو 365هـ/ 975م ليدعوه إلى الدخول في الإسلام، ويطلب منه أن يفي النوبيون ما عليهم من متأخرات البقط، الذي توقف الالتزام به منذ عهد الأخشيديين[52]. وربما انطبق سبب رحلة ابن سليم الأسواني على رحلة ابن حوقل.

 

ومن المهم الإشارة، إلى أن الرحالة والجغرافيين لم يغطوا في زياراتهم وكتاباتهم كل منطقة القرن الإفريقي؛ وإنما زاروا بعضها، مع تفاوت فيما بينهم، وكتبوا عن بعض نواحيها، مع تفاوت أيضاً، في حجم كتاباتهم عنها، كما هو حالهم مع أقاليم المعمورة الأخرى، لا سيما “بلاد السودان”. ومن المهم الإشارة أيضاً، إلى الفواصل الزمنية في زيارتهم لها أو كتابتهم عنها. فالمنطقة في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي لم تكن كما كانت في الرابع الهجري/ العاشر الميلادي أو ما بعده.

 

تشابه كتابات الرحالة والجغرافيين عن منطقة القرن الإفريقي

 

أشار العديد من العلماء والباحثين إلى التشابه بين كتب الرحالة والجغرافيين العرب والمسلمين. يقول عبدالرحمن حميدة[53]: إننا نجد المؤلفات المنتسبة لزمرة المسالك والممالك حاوية على شبه كبير فيما بينها. فهي تتشابه في طريقة العرض… وفي طريقة معالجة التاريخ والمعلومات حوله… وتتماثل هذه المؤلفات أيضاً في الثغرات التي نجدها فيها، خاصة تلك الناتجة من نقص معارف مؤلفيها عن بعض الأقطار، إذ نجدهم يجمعون معلوماتهم عن تلك الأقطار من المسافرين وبعض الرحالة. فقد لاحظت أن التشابه بين هذه الكتب فيما ورد عن منطقة القرن الإفريقي، تشابه كبير وكثير وواضح جداً. لقد رصدت بعض نماذج التشابه لدى الرحالة والجغرافيين فيما يتعلق بوصف منطقة القرن الإفريقي. لقد وجدت بعض النصوص تتطابق تماماً، ليس في الفقرات وإنما في الصفحات أحياناً. ويبدو لي أن بعضهم نسخ كتابة البعض الآخر، ربما صفحات وربما فصلاً من كتاب أو أكثر من الفصل. هذا إلى جانب النقل للمعلومات والوصوف في حدود الجمل، والفقرات، وهذا كثير جداً. ويمكن الوقوف على هذا التشابه من خلال النماذج التالية:

 

النموذج الأول: الإصطخري وابن حوقل:

 

أوضح ما يكون التشابه في كتاب ابن حوقل مقارنة بكتاب الإصطخري، وقد أوردت آنفاً، بأن البعض يرى أن ابن حوقل قد انتحل كتاب الإصطخري. لقد وقفت على التماثل بين الكتابين، فيما ورد عن منطقة القرن الإفريقي. فوجدت التشابه يكاد يكون متطابقاً تماماً. مع ملاحظة أن ابن حوقل كان يتحدث بتوسع أحياناً. ففي حديثيهما عن بادية البجة ووصفها، يقول الإصطخري[54]:

 

وإذا أخذت من القلزم غربي هذا البحر، فإنه ينتهي إلى برية قفرة، لا شيء فيها إلا أن يتصل ببادية البجة، والبجة قوم أصحاب أخبية شعر، أشد سوادا من الحبشة في زي العرب، لا قرى لهم ولا مدن ولا زرع، إلا ما ينقل لهم من مدن الحبشة واليمن ومصر والنوبة، وينتهي حدهم إلى ما بين الحبشة وأرض النوبة وأرض مصر، وينتهي إلى معادن الذهب، ويأخذ هذا المعدن من قرب أسوان مصر على نحو من عشر مراحل، حتى ينتهي إلى حصن على البحر يسمى عيذاب،… .

 

ويقول ابن حوقل[55]:

 

وإذا أخذت من القلزم غربي هذا البحر، فإنه ينتهي إلى برية قفرة، لا شيء فيها إلا ما قدمت ذكره من الجزائر والبجة في أعراض تلك البرية، وهم أصحاب أخبية شعرٍ وألوانهم أشد سوادا من الحبشة في زي العرب لا قرى لهم ولا مدن ولا زرع، إلا ما ينقل إليهم من مدن الحبشة واليمن ومصر والنوبة. وينتهي في حدهم إلى ما بين الحبشة وأرض مصر وأرض النوبة معدن الزمرد والذهب، ويأخذ هذا المعدن من قرب أسوان على أرض مصر نحو عشر مراحل، حتى ينتهي على البحر إلى حصن يسمى عيذاب،…  .

وكذلك في حديثيهما عن ديانات البجة، وألوانهم، وتصنيف ديارهم بالنسبة لـ “دار الإسلام”، نجد التماثل بين النصوص واضحاً يقول الإصطخري:

 

البجة قوم يعبدون الأصنام وما استحسنوه، ثم يتصل ذلك بأرض الحبشة وهم نصارى، وتقرب ألوانهم من ألوان العرب بين السواد والبياض، وهم متفرقون في ساحل هذا البحر إلى أن يحاذي عدن، وما كان من النمور والجلود الملمعة وأكثر جلود اليمن “التي تدبغ للنعال” تقع منها إلى عدوة اليمن، وهم أهل سلم ليسوا بدار حرب، ولهم على الشط موضع يقال له زيلع،…[56].

 

ويقول ابن حوقل:

 

البجة أمة تعبد الأصنام بهذه الناحية وما استحسنوه…وتتصل بلادهم ببلاد النوبة والحبشة وهم نصارى، وتقرب ألوانهم من ألوان العرب بين السواد والبياض، وهم متفرقون مجتمعون إلى أن يحاذوا عدن، وما كان من جلود النمور والجلود البقرية الملمعة، وأكثر جلود اليمن التي تدبغ للنعال فيقع من ناحيتهم إلى عدن وعدوة اليمن. والجميع أهل سلم وليست دارهم بدار حرب، وعلى شط البحر بنواحيهم منهلٌ يقال له زيلع…[57].

 

نجد كذلك هناك تشابه بينهما، فيما يتعلق بالإشارة إلى مصادر المعلومات والروايات السماعية أثناء جمع الأخبار، كما أن الاختلاف في نصينهما طفيف: يقول الإصطخري عن ما سمعه: (وبلغني أن في بعض أطراف الزنج صرودا فيها زنج بيض، وبلد الزنج هذا بلد قشف قليل العمارة وقليل الزروع، إلا ما اتصل بها من مستقر الملك)[58]. بينما يقول ابن حوقل: (وقد ذكر قوم أن في أطراف الزنج صرودا فيها زنج بيض، وقد قدمت أن بلدهم قشف قليل العمارة قشف تافه الزرع، إلا ما اتصل منه بمستقر الملك)[59].

 

        وهكذا الحال بين ابن حوقل والإصطخري، تكاد النصوص تتطابق. ومعلوم أن التشابه والتماثل في الكتب الأخرى يوجد ولكن بشكل أقل.

 

النموذج الثاني: المقدسي والإصطخري/ ابن حوقل:

 

 

من نماذج التشابه في المعلومات، التشابه بين المقدسي والإصطخري، وكذلك ابن حوقل. من المعروف أن ثلاثتهم تعاصروا، حيث عاشوا في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي. ويصعب تحديد من هو الناقل، هل نقل المقدسي من أحد الاثنين؟، أم العكس هو الصحيح. الشاهد أن التشابه ورد في نصوص عديدة بين ثلاثتهم، ولم يكن حرفياً كما هو الحال في بعض النماذج التي ورد ذكرها آنفاً. ومن بين نماذج التشابه، مثلاً حديث ثلاثتهم عن أرض (بلدان) السودان، يقول الإصطخري:

 

(وبلدان السودان بلدان عريضة إلا أنها قفرة قشفة جدا، ولهم في جبال لهم عامة ما يكون في بلاد الإسلام من الفواكه، إلا أنهم لا يطعمونه، ولهم أطعمة يتغذون بها من فواكه ونبات، وغير ذلك مما لا يعرف في بلدان الإسلام…)[60].

 

ويقول المقدسي:

 

(أما أرض السودان فإنها تتاخم هذا الإقليم ومصر من قبل الجنوب وهي بلدان مقفرة واسعة شاقة، وهم أجناس كثيرة، وفي جبالهم عامة ما يكون في جبال المسلمين من الفواكه، غير أن أكثرهم لا يذوقونه ولهم فواكه أخر وأغذية وأطعمة وحشائش لا توجد عندنا…)[61].

 

أيضاً، من نماذج التشابه بينهم، حديث ثلاثتهم عن التمساح، وكيف أن السلاح لا يعمل إلا تحت ابطيه.

 

يقول الإصطخري: (وفي هذا النهر يكون التمساح… لا يعمل السلاح فيه إلا تحت يديه ورجليه ومكان إبط) [62].

 

ويقول المقدسي: (وفي النيل دابة تسمى التمساح…لا يعمل فيه السلاح الا تحت ابطيه)[63]. وقال بذلك ابن حوقل كما وردت الإشارة آنفاً.

 

النموذج الثالث: الإدريسي والحميري:

 

من نماذج التشابه الواردة عن منطقة القرن الإفريقي، التشابه بين الحميري والإدريسي[64]. وهو تشابه يصل في بعض النصوص إلى حد التطابق. وفي الغالب أن الحميري نقل عن الإدريسي[65]، لأن الإدريسي سابق له. ومن الملاحظات المهمة أن الحميري نقد الإدريسي بشدة، ومع ذلك نقل منه. ففي حديثيهما عن النوبة ووصف جمال نسائهم، يكاد النص يكون متطابقاً.

تحدث الحميري عن مدينة نوابية، وعن نساء النوبة ووصف جمالهن قائلاً:

 

إليها ينسب النوبة وبها عرفوا، وهي مدينة صغيرة وأهلها مياسير، ولباسهم الجلود المدبوغة وأزر الصوف ومنها إلى النيل أربعة أيام، وشرب أهلها من الآبار، وطعامهم الذرة والشعير، ويجلب إليهم التمر، والألبان عندهم كثيرة، وفي نسائهم جمال فائق ولهن أعراق طيبة ليست من أعراق السودان في شيء. وجميع بلاد النوبة في نسائهم جمال وكمال وشفاههم رقاق وأفواههم صغار ومباسمهم بيض وشعورهم سبطة، وليس في جميع السودان والزنوج والحبشة والبجاة وغيرهم من شعور نسائهم كشعور نساء النوبة فإنها سبطة مرسلة، ولا أحسن للجماع منهن ويبلغ ثمن الجارية منهن ثلثمائة دينار، ولهذه الخلال التي فيهن يرغب فيهن ملوك مصر، فيتنافسون في أثمانهن ويتخذونهن أمهات أولاد لحسنهن وطيب مباضعتهن[66].

 

 وتحدث الإدريسي عن مدينة نوابة، وعن نساء النوبة ووصف جمالهن قائلاً:

 

وإليها تنسب النوبة وبها عرفوا وهي مدينة صغيرة وأهلها مياسير ولباسهم الجلود المدبوغة وأزر الصوف ومنها إلى النيل أربعة أيام وشرب أهلها من الآبار وطعامهم الذرة والشعير ويجلب إليهم التمر والألبان عندهم كثيرة وفي نسائهم جمال فائق وهن مختتنات ولهن أعراق طيبة ليست من أعراق السودان في شيء وجميع بلاد أرض النوبة في نسائهم الجمال وكمال المحاسن وشفاههم رقاق وأفواههم صغار ومباسمهم بيض وشعورهم سبطة وليس في جميع أرض السودان من المقازرة ولا من الغانيين ولا من الكانميين ولا من البجاة ولا من الحبشة والزنج قبيل شعور نسائهم سبطة مرسلة إلا من كان منهن من نساء النوبة ولا أحسن أيضاً للجماع منهن وإن الجارية ، منهن ليبلغ ثمنها ثلاث مائة دينار وأقل من ذلك ولهذه الخلال التي فيهن يرغب ملوك أرض مصر فيهن ويتنافسون في أثمانهن ويتخذونهن أمهات أولاد لطيب متعتهن ونفاسة حسنهن[67].

 

النموذج الرابع: القزويني والإصطخري/ ابن حوقل:

 

في الغالب أن القزويني نقل من الإصطخري أو ربما ابن حوقل، فهو لاحق لهما. فقد عاش القزويني في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي. لقد رصدت التشابه في نصوص كثيره بين القزويني والاثنين. وهو تشابه في الفكرة الأساسية أما النصوص فهي في الغالب مختلفة. أي أن التشابه في الفكرة وليس في الصياغة. يقول الإصطخري: (ويقال إن عيذاب ليست من أرض البجة، وإنما هي من مدن الحبشة)[68]. بينما وصف القزويني أهل عيذاب: (…أهلها صنف من الحبش، …)[69]. هذا مع ملاحظة أن العدد الأكبر من الجغرافيين والرحالة تحدث عن أهل عيذاب بأنهم من البجة.

 

النموذج الخامس: الحميري وابن جبير:

 

ومن نماذج التطابق شبه الحرفي أيضاً، ذلك ما نجده بكثرة، عند الحميري مع ابن جبير، وفي الغالب أن الحميري[70] نقل من ابن جبير، لأن ابن جبير سابق للحميري، وليس هناك أدنى شك في زيارة ابن جبير لمنطقة القرن الإفريقي. والأمثلة التي رصدتها في تماثل النصوص وتطابقها بين الاثنين كثيرة.

 

ومن نماذج التشابه بينهما، ما ورد بشأن أهل عيذاب عندهما:

 

يقول ابن جبير:

 

(ولأهل عيذاب في الحجاج أحكام الطواغيت وذلك انهم يشحنون بهم الجلاب حتى يجلس بعضهم على بعض وتعود بهم كأنها أقفاص الدجاج المملوءة، يحمل أهلها على ذلك الحرص والرغبة في الكراء حتى يستوفي صاحب الجلبة منهم ثمنها في طريق واحدة ولا يبالي بما يصنع البحر بها بعد ذلك، ويقولون: علينا بالألواح، وعلى الحجاج بالأرواح… والأولى بمن يمكنه ذلك أن لا يراها وأن يكون طريقه على الشام العراق،…)[71].

 

ويقول الحميري:

 

(ولأهل عيذاب في الحجاج ظلم الطواغيت فإنهم يشحنون مراكبهم حتى يجلس بعضهم على بعض وتعود بهم كأنها أقفاص الدجاج، يحمل أهلها على ذلك الحرص والرغبة في الكراء حتى يستوفي صاحب المركب حقه في طريق واحد، ولا يبالي بما يصنع البحر بهم ويقولون: علينا بالألواح وعلى الحجاج بالأرواح، وهذا مثل متعارف عندهم. قالوا: والأولى لمن يمكنه ألا يراها، وأن يكون طريقه على الشام إلى العراق…)[72].

 

الشاهد أن هذه النماذج تكشف العديد من النتائج. من أهمها أن التشابه في كتابات الرحالة والجغرافيين، جرى حسب انتماءاتهم الإقليمية. فالتشابه عند الرحالة والجغرافيين المغاربة فيما بينهم، كما هو الحال بالنسبة للرحالة والجغرافيين المشارقة. فالتشابه كان بين الحميري وابن جبير، وكذلك بين الإدريسي والحميري وجميعهم من المغاربة ومن الأندلس. أما التشابه بين المشارقة فقد تجلى في ما بين المقدسي والإصطخري وابن حوقل. ولما كان بعض الوصف والتسجيل للمشاهدات عند ممن نُقل عنهم، يجنح نحو الخيال والخرافة والشطح والتشويق، شاعت بعض تلك الوصوف، وأصبحت تمثل بعضاً من ملامح صورة شعوب المنطقة.

 

ومن الملاحظات المهمة أيضاً، أن كتب الرحالة والجغرافيون اتسمت بسمة تكاد تكون من بين القواسم المشتركة بينهم، هذه السمة هي التكرار وكثرته. تكرار المعلومات وتكرار الوصف. فهذه السمة واضحة جداً في معظم كتاباتهم.

 

ملاحظات حول الخصائص العامة لصورة القرن الإفريقي عند الرحالة والجغرافيين

 

        خضعت ملامح منطقة القرن الإفريقي ووصوفها، التي وردت في كتابات الرحالة والجغرافيين العرب، لبعض العوامل والخصائص العامة التي اتسمت بها كتابات الرحالة والجغرافيين. وربما كانت هذه العوامل والخصائص مشتركه في تعاطي الرحالة والجغرافيين مع المناطق الأخرى من أقاليم الأرض. ولابد من التأكيد هنا، أن هذا الأمر لا يقرأ بمعزل عن سياقه التاريخي، والمناخ المعرفي العام. ومن بين هذه العوامل والخصائص التي اتسمت بها كتابات الرحالة والجغرافيين عن منطقة القرن الإفريقي:

 

أولاً: منطقة “الآخر” والإشارات للوجود العربي والإسلامي فيها

 

مثلت منطقة القرن الإفريقي، “الآخر”، بالنسبة للرحالة والجعرافيين، فوسموا أهل المنطقة بالأعاجم والمجوس والنصارى، وأحياناً بعابدي الأوثان، والمشركين، واللا دينيين. مع ملاحظة أن الأقوام والمجموعات التي ورد الحديث عنها في كتابات الرحالة والجغرافيين، هم سكان المنطقة الأصليين، فحتى ذلك الوقت لم يكن هناك وجوداً عربياً مكثفاً في المنطقة. فالمجىء العربي المكثف جاء لاحقاً. ففي وصفهم للبجة قال الإصطخري وكذلك ابن حوقل، كما ورد آنفاً، أن البجة (قوم يعبدون الأصنام وما استحسنوه، ثم يتصل ذلك بأرض الحبشة وهم نصارى،…). كما وصف ناصر خسرو البجة قائلاً: (…وهم قوم لا دين لهم ولا ملة لا يؤمنون بنبي أو إمام…)[73]. ويقول الإدريسي: (وبين أرض النوبة وأرض البجة قوم رحالة يقال لمم البليون ولهم صرامة وعزم وكل من حولهم من الأمم يهادنونهم ويخافون ضرهم وهم نصارى خوارج على مذهب اليعقوبية وكذلك جميع أهل بلاد النوبة والحبشة وأكثر أهل البجة نصارى خوارج على مذهب اليعاقبة)[74]. وتحدث القزويني عن بلاد النوبة قائلاً: (هي بلاد واسعة، وأهلها أمة عظيمة نصارى بعامتهم،…)[75]. الشاهد أن الرحالة والجغرافيين تعاطوا مع شعوب المنطقة على أساس أنهم آخر بالنسبة للعرب والإسلام، على الرغم من أن بعضهم شبه شعوب المنطقة بالعرب، وشبه بعض نواحي المنطقة باليمن في الجزيرة العربية. مثلاً تحدث القزويني في وصفه لمدينة دنقلة، وبلاد النوبة قائلاً: (وبلادهم أشبه شيء باليمن،…)[76]. وشبه الإصطخري البجة بالعرب قائلاً: (والبجة …، أشد سواداً من الحبشة في زي العرب، … وتقرب ألوانهم من ألوان العرب بين السواد والبياض،…)[77]. واستخدم ابن حوقل الوصف نفسه في نص متطابق تماماً[78]. وأشار بعضهم للوجود العربي في المنطقة، يقول ابن حوقل: (… حتى ينتهي على البحر إلى حصن يسمّى عُيّذاب، وبه مَجْمَع لربيعة تجتمع إليه يُعرف بالعَلاَّقِيَ…)[79]. وفي موقع آخر من كتابه تحدث ابن حوقل قائلاً: (ثم يتصل السيف الي سواكن، وهي ثلاث جزائر يسكنها تجار الفرس وقوم من ربيعة ويدعي فيها الصاحب المغرب، وهي محاذيه لجدة…)[80].

 

أيضاً، أشار بعضهم لوجود الإسلام والمسلمين في المنطقة، يقول ابن حوقل: (والنهر المعروف بالدُجْن ياتي من بلاد الحبشة… وإلى وسط هذا الوادي تفلين قريً أيضاً للبادية منهم ينتجعونها للمراعي حين المطر. ولهم ملك مسلم يتكلم بالعربية من قِبَل صاحب علوة، ويختص أهل تفلين بالإبل والبقر ولا زرع لهم. فيهم مسلمون كثيرون من غير ناحية على دينهم يتجرون ويسافرون إلى مكة وغيرها) [81]. وفي وصفه لمدينة عيذاب أشار ناصر خسرو لمسجد الجمعة قائلاً: (ومدينة عيذاب هذه تقع على شاطئ البحر وبها مسجد جمعة…)[82]. ثم أضاف قائلاً: (والناس هناك مسلمون… وحينما رآني الناس طلبوا إلي إن أكون خطيبهم فلم أردهم وخطبت لهم تلك المدة حتى أتى الموسم ثم سارت السفينة شمالاً إلى إن بلغنا جدة…)[83]. وكانت المدة التي قضاها ناصر خسرو في عيذاب هي ثلاثة أشهر. وأشار كذلك ابن بطوطة لذلك المسجد وقال أنه ينسب للقسطلاني[84]. وفي وصف جزيرة دهلَك يقول الحميري مشيراً إلى هجرة أصحاب النبي (ص) لسواحلها وتحدث عن مساجدها قائلاً: (جزيرة بينها وبين بلاد الحبشة نصف يوم في البحر، وطول هذه الجزيرة مسيرة يومين، وحواليها ثلثمائة جزيرة معمورة أهلها مسلمون، وإذا أتت الحبشة لمناجزتهم صعدوا جبلاً عالياً يقابل جزيرة دهلَك وأوقدوا فيه ناراً فيخرج المسلمون إليهم في السفن، وإلى ساحل جزيرة دهلَك هاجر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، وفي هذه الجزيرة مساجد جامعة وأحكام عادلة، وقد ولي القضاء فيها بعد الأربعمائة محمد بن يونس، مالكي من أهل الأندلس)[85]. ويشير كذلك القزويني إلى المسلمين في الحبشة، وأنهم قليل، يقول القزويني عن بلاد الحبشة: (هي أرض واسعة …، وأكثر أهلها نصارى يعاقبة، والمسلمون بها قليل…) [86]. وتحدث الحميري عن جزيرة باضع وأهلها قائلاً: (… إلى جزيرة باضع، وهي أيضاً في ساحل البجاة والحبشة وأهلها مسلمون)[87]. وتحدث ابن بطوطة عن طائفة من العرب تعرف بـ “دغيم”، وأشار إلى قبر ولي الله أبي الحسن الشاذلي في حميثرا، قائلاً: (ثم جزنا النيل من مدينة أدفو إلى مدينة العطواني، ومنها اكترينا الجمال. وسافرنا من طائفة من العرب تعرف بدغيم  بالغين المعجمة  في صحراء لا عمارة بها إلا أنها آمنة السيل. وفي بعض منازلها نزلنا حميثرا حيث قبر ولي الله أبي الحسن الشاذلي،…)[88]. كما أشار ابن بطوطة إلى معرفة سلطان مقديشو للغة العربية قائلاً: (وسلطان مقديشو…، إنما يقولون له الشيخ، واسمه أبو بكر ابن الشيخ عمر. وهو في الأصل من البرابرة، وكلامه بالمقدشي، ويعرف اللسان العربي)[89].

 

الشاهد أن الرحالة والجغرافيين تعاطوا مع شعوب منطقة القرن الإفريقي على أنهم آخر، برغم احتفائهم بالوجود العربي والإسلامي فيها. وعلى الرغم من أن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وضع بعض المرتكزات لتعاطي المسلمين مع الحبشة والنوبة، وجاء ذلك في أحاديث أوردها بعض هؤلاء الرحالة والجغرافيين العرب والمسلمين في كتاباتهم. مثلاً قال اليعقوبي: (ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فيه أصحابه من الجهد والعذاب وما هو فيه من الأمن بمنع أبي طالب عمه إياه قال لهم: ارحلوا مهاجرين إلى أرض الحبشة إلى النجاشي فإنه يحسن الجوار… وأقام المسلمون بأرض الحبشة حتى ولد لهم الأولاد. وجميع أولاد جعفر ولدوا بأرض الحبشة ولم يزالوا بها في أمن وسلامة. واسم النجاشي أصحمة…)[90]. وأورد القزويني عن بلاد النوبة قائلاً: (هي بلاد واسعة، وأهلها أمة عظيمة نصارى بعامتهم، ولهم ملك اسمه كابيل يزعمون أنه من نسل حمير؛ قال صلى الله عليه وسلم: “خير سبيكم النوبة”. وقال أيضاً: “من لم يكن له أخ فليتخذ أخاً نوبياً”)[91]. ووردت مثل هذه الإشارات عند الكثيرين منهم. على الرغم من ذلك، فإننا  لا نلمح أن هؤلاء الرحالة والجغرافيين، وبعضهم علماء دين وفقهاء، أخذوا في كتاباتهم عن شعوب القرن الإفريقي بهذه الأحاديث كسنة نبوية.

 

من المعروف أن هناك العديد من المشاريع البحثية التي تسعى لدراسة رؤيا العرب والمسلمين في القرون الوسطى للآخر[92].

 

ثانياً: الوصوف الموروثة “شرار الناس” و”سباع الإنس”:

 

إن ملامح صورة شعوب القرن الإفريقي التي وردت في كتابات الرحالة والجغرافيين العرب والمسلمين، بعضها لم يكن نتاج زيارة للمنطقة؛ وإنما كانت موروثه، وكانت نتاج التأثر ببعض المعتقدات عند الأمم الأخري. ومعلوم أن الرحالة العرب والمسلمين قد تفوقوا على الأمم الأخرى في مجال الجغرافية، لا سيما الرومان لأنهم دخلوا إفريقيا والصين وغيرها، كما أنهم صححوا الكثير من الأخطاء الجغرافية[93]. فقد أشار الدكتور عبدالرحمن حميدة في ملاحظاته حول نقد الأدب الجغرافي عن العرب (عن كراتشكوفسكي)، إلى أن العيب الأساسي للأدب الجغرافي العربي هو في خضوعه للنظريات العلمية الموروثة عن الأوائل وسيرهم على غرار اليونان[94]. من ملامح ذلك نقل الرحالة والجغرافيون العرب والمسلمون لبعض معتقدات الأمم الأخرى. سواد لون الشعوب، وأكل لحوم البشر، ومنابع النيل في القمر…إلخ. ونلمس تأثير جالينوس عند الإدريسي دون الإشارة إليه، يقول الإدريسي: (وأما أهل الصحارى من الزنج والحبشة والنوبة وسائر السودان الذين سبق ذكرهم فلِقِلة الرطوبة البحرية وتوالي إحراق الشمس لهم وممرها عليهم دائماً تفلفلت شعورهم واسودت ألوانهم وأنتنت أعراقهم وتقشفت جلود أقدامهم وتشوهت خلقهم وقلت معارفهم وفسدت أذهانهم فهم في نهاية الجهالة واقعون وإليها ينسبون وقلما أبصر منهم عالم أو نبيل وإنما يكتسب ملوكهم السياسة والعدل بالتعليم من أقوام يصلون إليهم من أهل الإقليم الرابع[95] أو الثالث[96] ممن قرأ السير وأخبار الملوك وقصصها)[97]. والأمر أكثر وضوحاً عند القزويني، إذ أنه أشار لجالينوس في حديثه عن بلاد الزنج ووصف أهلها، يقول القزويني عن بلاد الزنج: (شمالها اليمن وجنوبها الفيافي، وشرقها النوبة وغربها الحبشة،…[98] ومدينة مقديشو: مدينة في أول بلاد الزنج، …[99]. ثم أضاف في وصف الزنج قائلاً: (زعم الحكماء أنهم شرار الناس ولهذا يقال لهم سباع الإنس. قال جالينوس: الزنج خصصوا بأمور عشرة: سواد اللون وفلفلة الشعر وفطس الأنف وغلظ الشفة وتشقق اليد والكعب، ونتن الرائحة وكثرة الطرب وقلة العقل وأكل بعضهم بعضاً، فإنهم في حروبهم يأكلون لحم العدو، ومن ظفر بعدو له أكله. وأكثرهم عراة لا لباس لهم،…)[100]. وهنا تبرز القصة الشائعة، قصة أكل لحوم البشر، فهي مورثة من الأمم الأخرى وقد أخذ بها بعض هؤلاء الرحالة والجغرافيون. وتحدث ابن بطوطة كثيراً عن أكلة لحوم البشر، مشيراً إلى مصادر معلوماته عن أكل لحوم البشر بقوله “ذكر لي عنهم” و “أخبرني” وهكذا. ومن الأمثلة على ما أورده ابن بطوطة، حديثه عن أكلة لحوم البشر، وإشارته إلى أن الكف والثدى من أطيب لحم البشر. يقول ابن بطوطة:

 

قدمت على السلطان منسى سليمان جماعة من هؤلاء السودان الذين يأكلون بني آدم، معهم أمير لهم. وعادتهم أن يجعلوا في آذانهم أقراطاً كباراً، وتكون فتحة القرط منها نصف شبر، ويلتحفون في ملاحف الحرير. وفي بلادهم يكون معدن الذهب. فأكرمهم السلطان وأعطاهم في الضيافة خادمة، فذبحوها وأكلوها، ولطخوا وجوههم وأيديهم بدمها، وأتوا السلطان شاكرين. وأخبرت أن عادتهم متى ما وفدوا عليه أن يفعلوا ذلك. وذكر لي عنهم أنهم يقولون إن أطيب ما في لحوم الآدميات الكف والثدي[101].

 

وأشار ابن بطوطة من بين إشاراته العديدة لأكلة لحوم بني آدم، قائلاً بأنهم لا يأكلون من كان لونه أبيض، وحكى قصة تعبر عن ذلك المعنى، قائلاً: أن رجلاً تم نفيه إلى بلاد الكفار الذين يأكلون بني آدم، فأقام عندهم أربع سنين، ثم رده إلى بلده. وإنما لم يأكله الكفار لبياضه، لأنهم يقولون: (إن أكل الأبيض مضر، لأنه لم ينضج. والأسود هو النضج بزعمهم أيضاً)[102].

 

يظهر التأثر بنظريات الأمم الأخرى، في ما ورد عند بعض الرحالة والجغرافيين حول منبع نهر النيل، إذ تأثروا بنظرية بطليموس القائلة بأن مصدر نهر النيل هو تلة في القمر. وأشار عبدالرحمن حميدة في ملاحظاته حول نقد الأدب الجغرافي عن العرب (عن كراتشكوفسكي)، أنهم تأثروا بالأفكار المسيحية الأولى القائلة بأن الأنهار الكبرى تنبع من الفردوس[103]. ومن نماذج ذلك التأثير، قول ابن خرداذبه: (ومخرج نيل مصر من جبل القمر)[104]، ويقول المقدسي: (وأما النيل فمخرجه من بلد النوبة ثم يشق إقليم مصر فيتشعب خلف الفسطاط، فنهر يفيض بالإسكندرية ونهر بدمياط. وذكر الجيهاني انه يخرج من جبل القمر ثم ينصب في بحيرتين خلف خط الاستواء ويطيف بأرض النوبة)[105]. وبذلك تحدث أيضاً، ناصر خسرو قائلاً: (ويقال إن حقيقة منابع النيل لم تعرف وسمعت إن سلطان مصر أرسل بعثة لتتبع شاطئ النيل سنة كاملة ودرسه ولكن أحداً لم يعرف حقيقة منبعه ويقال إنه يأتي من جبل في الجنوب يسمى جبل القمر)[106]. وهكذا إن بعض الملامح التي انطوت عليها صورة شعوب القرن الإفريقي في كتابات الرحالة والجغرافيين العرب، موروثة من الأمم الأخرى، كاليونانيين وغيرهم.

 

ثالثاً: أثر المناخ السلطاني وإشارات ابن حوقل للعصبية:

 

إن ملامح صورة شعوب القرن الإفريقي في كتابات الرحالة والجغرافيين العرب والمسلمين، تأثرت إلى حد كبير بالمناخ السلطاني، أو مناخ البلاط والديوان، في الفكرة وفي التدوين وفي منهجه. ذلك لأن الأدب الجغرافي ارتبط منذ نشأته عند العرب والمسلمين بالبلاط والملوك والساسة والسادة. وهذا ما أشار إليه ابن حوقل في مقدمة كتابه، وهو يتحدث عن علم معرفة الأقاليم، والممالك والمسالك قائلاً: (إنه علم يتفرد به الملوك الساسة، وأهل المروات والسادة من جميع الطبقات)[107]. ولهذا فإنه من الطبيعي أن نجد بعض الكتب والرحلات، قد أنجزت بطلب من السلاطين والملوك، مثل ما هو الحال مع الإدريسي، الذي وضع كتاب: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، تلبية لطلب رُجَّار الثاني (ت 548هـ) صاحب جزيرة صقلية. وقد اشتهر الكتاب قديماً باسم (كتاب رُجّار). وكذلك رحلة ابن سليم الأسواني، وقد وردت الإشارة لها آنفاً، فإنها كانت بمثابة التقرير عن المنطقة التي زارها. ويرى البعض أن كتاب ابن حوقل يصب في ذات الاتجاه، إذ أنه “كان عَيْناً للفاطميين”. أما ابن بطوطة فقد نزل بعد رحلاته في فاس وأقام في حاشية السلطان أبي عنان من أمراء بني مَرِين، يحدث الناس بما رآه وما سمعه، فأمره السلطان بأن يكتب هذه الأخبار؛ ولما كان الهنود قد سلبوه في بعض جولاته في الهند كل ما كان قد دونه في مذكراته، أملى، عن ظهر قلبه، ما تذكره، على كاتب السلطان، محمد بن جُزَيّ الكلبي[108]. وقد حكى ابن بطوطة رحلته في مسجد فاس سنة 754هـ/ 1353م، بعد أن مضى عليها نحو عقد من الزمان. تحدث محمود الشرقاوي في كتابه: رحلة مع ابن بطوطة من طنجة إلى الصين والأندلس وإفريقيا، عن النقد والشكوك حول رحلة ابن بطوطة. وأشار لعدد كبير من النقاد، وأشار إلى أن أول الشاكين أو المشككين وأعلاهم صوتاً، كان هو الرحالة والمؤرخ ابن خلدون. وابن خلدون عاصر ابن بطوطة، وقد سمع عن بعض ما تحدث به ابن بطوطة من أنباء رحلاته، فكتب ابن خلدون في مقدمته نقداً للحكايات التي رواها ابن بطوطة. أورد محمود شرقاوي إحدى النصوص النقدية لابن خلدون، وقد أشار فيها ابن خلدون إلى موقف الناس من حكى ابن بطوطة قائلاً: (فتناجى الناس بتكذيبه)[109].

 

الشاهد، أن كتابة التقارير للملوك والسلاطين، وحكي الرحلات في مجالسهم، وتولِي كُتابهم التحرير لرحلات مضى على القيام بها أكثر من عقد من الزمان؛ ربما عزز النزعة التشويقية عند الروِي والحكِي أو عند التحرير بالجنوح نحو الغريب والمدهش، والشطح في تصوير المشاهد. سعياً لإمتاع السامعين والقراء واستثارة خيالهم وإدهاشهم بالغريب من المشاهد والأخبار. من المعروف أن عدد القراء في ذلك الوقت كان محدوداً، ولهذا فإن للحكي والروي تأثير كبير خاصة في مجالس السلاطين والملوك. ولكن من هم السامعون في تلك المجالس؟ هم ملوك وسلاطين ووزراء وكبار الديوانيين، ومستشارو بلاط… إلخ. الشاهد، أن المناخ الديواني أو السلطاني ليس مناخاً مناسباً أو أميناً أو صحياً لكتابة التاريخ، ولكنه المناخ الأنسب لصياغة المعاني والمفاهيم، ورسم الصور، وتنزيلها أو تسريبها للرعية.

 

يضاف إلى ذلك، أمر مهم، وهو أن ما جاء في كتب الرحالة والجغرافيين لم يكن بمعزل عن مسألة العصبية للبلدان أو العصبية للأقوام. سواءً أكانت العصبية لدى الجغرافي أو الرحالة أو في المناخ السلطاني، بحكم الصراعات السياسية، والرغبة التوسعية …إلخ، أو لدى إفادات من سأله الرحالة أو الجغرافي في أي إقليم من أقاليم الأرض. الشاهد أن ما جاء في بعض كتب الرحالة والجغرافيين، لا يخلو من عوامل العصبية للبلدان والأقوام. ولعل ما أورده ابن حوقل يؤكد ذلك. قال ابن حوقل: (… وبعض ما أنا ذاكرُه فقد يوجد في الأخبار متفرقاً، ولا يتعذر على من أراد تقصي شىء من ذلك من سافرة أهل كل بلدٍ، وإن كانت المتعصبة للبلدان والقبائل جاريةً على خلاف ما توخيتُه، وشرعتُ فيه ورسمتُه من قصدها لحقائق، وإيرادها على ما هي عليه من طرائفها)[110].

رابعاً: إطلاق الأحكام وتعميمها على شعوب المنطقة:

 

كما تُبين الكتابات فإن بعض الرحالة والجغرافيين أطلق أحكاماً في وصفه، وعممها على شعوب منطقة القرن الإفريقي. مثل وصف ابن بطوطة لمدينة زيلع، فهو يقول: (ووصلت إلى مدينة زيلع… وهي مدينة كبيرة لها سوق عظيمة، إلا أنها أقذر مدينة في المعمور وأوحشها وأكثرها نتنا)[111]. ووصف ابن جبير لأهل عيذاب البجاة قائلاً: (أهلها الساكنون بها قبيل من السودان يعرفون بالبجاة… وهذه الفرقة من السودان المذكورين فرقة أضل من الأنعام سبيلاً واقل عقولاً… وبالجملة فهم أمة لا أخلاق لهم، ولاجناح على لاعنهم)[112]. وتكررت الوصوف واطلاق الأحكام وتعميمها على شعوب منطقة القرن الإفريقي. يبدو لي أن مسألة اطلاق الأحكام تقرأ في سياقها التاريخي، وفي تقديري أنها تعود إلى المناخ العام وطبيعته وقتئذ. فقد لاحظت أن اطلاق الأحكام على شعوب أقاليم “المعمورة” واضح جداً في كتابات الرحالة والجغرافيين، وهذا أمر يحتاج لمزيد من البحث والتنقيب. ومن النماذج على إطلاق الأحكام، والاستنتاجات بثقة مفرطة، وهي كثيرة، منها مثلاً قول المقدسي: (وأعلم أن كل بلد فيه صاد فأهله حمق إلا البصرة فإن اجتمعت صادان مثل المصيصة وصرصر فنعوذ بالله وكل بلد نسبت صاحبه اليه فلقيت الزاي الياء فهو داه مثل رازي مروزي سجزي وكل بلد آخره آن فله خاصية أو طيبة مثل جرجان موقان أرجان وكل بلد شديد البرد فأهله اسمن وأضخم وأحسن واكبر لحى مثل فرغانة وخوارزم وأرمينية وكل بلد على بحر أو نهر فالزنى أو اللواطة فيه كثير مثل سيراف وبخاراً وعدن وكل بلد يحيط به انهار فان في أهله شغبا وخروجا مثل دمشق وسمرقند والصليق وكل بلد رحب رخي فإن المعايش به ضيقة إلا بلخ)[113]. وكذلك قول اليعقوبي وهو يصف العراق، ويفضلها على معظم البلدان، فالعراق كما قال اليعقوبي:

 

ليست كالشام الوبيئة الهواء، الضيقة المنازل الحزنة الأرض، المتصلة الطواعين، الجافية الأهل. ولا كمصر المتغيرة الهواء، الكثيرة الوباء، التي إنما هي بين بحر رطب، عفن، كثير البُخارات الرديئة، التي تولد الأدواء، وتفسد الغذاء، وبين الجبل اليابس الصلد، الذي ليبسه، وملوحته، وفساده، لا ينبت فيه خضر ولا ينفجر منه عين ماءٍ. ولا كأفريقيا (منطقة تونس) … الجافية الأهل، الكثيرة العدو…[114].

يبدو أن اطلاق الأحكام كان سمة العصر، ولا يتصل الأمر بإقليم بعينه، ففي حديثه عن ذكر الخصائص في الأقاليم، تحدث المقدسي بإسهاب عن صفات وسمات أهل كل بلد. ومن بين ما قاله وصفه بكل ثقة لأهل بعض البلدان قائلاً:

 

وأهل بغداد قليلو الأعمار وصنعاء ونيسابور بالضد وليس أكثر ولا أرذل من مذكري نيسابور، ولا أطمع من أهل مكة، ولا أفقر من أهل يثرب، ولا أعف من أهل بيت المقدس، ولا آدب من أهل هراة وبيار، ولا أذهن من أهل الري، ولا أنقب من أهل سجستان، ولا أبخس من أهل عمان، ولا أجهل من أهل عمان، ولا أصح موازين من أهل الكوفة وعسكر مكرم، ولا أحسن من أهل حمص وبخارا، ولا أقبح من أهل خوارزم، ولا أحسن لحى من الديلم، ولا اشرب للخمور من أهل بعلبك ومصر، ولا أفسق من أهل سيراف، ولا أعصى من أهل سجستان ودمشق، ولا اشغب من أهل سمرقند والشاش، ولا أوطا من أهل مصر، ولا أبله من أهل البحرين، ولا أحمق من أهل حمص، …إلخ[115].

 

الخلاصة أن اطلاق الأحكام على الأقوام والشعوب وأهل الأمصار كانت سمة سائدة في ذلك العصر.

 

خامساً: الخرافة وعناصر الدهشة:

 

كانت الخرافة والمبالغات واضحة في كتابات الرحالة والجغرافيين. ويبدو أنه كلما كانت المنطقة جديدة أو بعيدة عن إقليم الجغرافي أو الرحالة، ، كما هو الحال بالنسبة لمنطقة القرن الإفريقي، كانت تلك المنطقة ميداناً للمبالغات والخرافة. ومن الملاحظات، أن بعض هؤلاء الرحالة والجغرافيين كان يصدق ما يُحكى له من أساطير وخرافات، ويدونها دون تمحيص أو تدقيق. تحدث القزويني مثلاً عن بلاد التبر، وهي عنده بلاد السودان، كما أشار، تحدث القزويني عن قطف الذهب قائلاً: (والذهب ينبت في رمل هذه البلاد كما ينبت الجزر بأرضنا، وأهلها يخرجون عند بزوغ الشمس ويقطفون الذهب)[116]. وقال عن بلاد البجة: (بلاد متصلة بأعلى عيذاب …، بها معادن الزمرذ، …، وزمرذها أحسن أصناف الزمرذ الأخضر السلقي الكثير المائية، يسقى المسموم منه فيبرأ، وإذا نظرت الأفعى إلي سالت حدقتها)[117]. وحكى ناصر خسرو قائلاً: (وقد حكى لي رجل أعتمد على قوله من مدينة عيذاب قال كنت في سفينة محملة بالجمال لأمير مكة فمات جمل منها فرموه في البحر فابتلعته سمكة في الحال ولم يبق خارج فمها غير رجله فجاءت سمكة أخرى وابتلعت هذه السمكة بالجمل ولم يظهر عليها أي أثر من ذلك ويسمى هذا السمك بالقرش)[118]. ومن الخرافات أيضاً، ما أورده ابن بطوطة عن “ذكر النساء ذوات الثدي الواحد” قال ابن بطوطة: (وفي بعض تلك الجزائر، رأيت امرأة لها ثدي واحد في صدرها، ولها ابنتان إحداهما كمثلها ذات ثدي واحد، والأخرى ذات ثديين، إلا أن أحدهما كبير فيه اللبن، والآخر صغير لا لبن فيه. فعجبت من شأنهن،…)[119]. وتحدث ابن بطوطة في وصفه لمرسى عيذاب وسواكن قائلاً: (ورأيت في ذلك المرسى عجبا، وهو خور مثل الوادي يخرج من البحر، فكان الناس يأخذون الثوب ويمسكون بأطرافه ويخرجون به، وقد امتلأ سمكا، كل سمكة منها قدر الذراع،…)[120]. كما وصف أحد الابطال من بلاد الحبش، وهو كما أشار (من عبيد السلطان)، بأنه رجلٌ ضخمٌ يأكل الشاة عن آخرها لوحده. قال ابن بطوطة:

 

وكان أمير علابور بدر الحبشي من عبيد السلطان، وهو من الأبطال الذين تضرب بهم الأمثال، وكان لا يزال يغير على الكفار منفردا بنفسه، فيقتل ويسبي، حتى شاع خبره واشتهر أمره وهابه الكفار. وكان طويلا ضخما يأكل الشاة عن آخرها في أكلة. وأخبرت أنه كان يشرب نحو رطل ونصف من السمن بعد غذائه على عادة الحبشة ببلادهم، وكان له ابن يدانيه في الشجاعة[121].

 

أيضاً، جاء في بعض كتابات الرحالة والجغرافيين، وصفاً لبعض حيوانات المنطقة التي أدهشتهم مثل الزرافة وفرس البحر، والتمساح في النيل، وغيرها. مثلاً يقول اليعقوبي: (والنيل يجري من وراء علوة إلى أرض السند في النهر الذي يقال له مهران، كما يجري في نيل مصر… وفي نهر مهران التماسيح، كما في نيل مصر…)[122].. ويقول المقدسي: (وفي النيل دابة تسمى التمساح على شبه الحرذون رأسه ثلث بدنه لا يعمل فيه السلاح الا تحت ابطيه وفمه يختطف الانسان…)[123]. ويقول الإصطخري: (وفي هذا النهر يكون التمساح…، وربما خرج من الماء فمشى في البر، وليس له في البر سلطان ولا يضر أحدا، وجلده يشبه السفن الذي تتخذ منه مقابض السيوف، لا يعمل السلاح فيه إلا تحت يديه ورجليه ومكان إبط…) [124]. يقول الحميري: (والتمساح لا يكون إلا في نيل مصر، …، وهو بري وبحري لأنه يخرج إلى البر ويقيم به اليوم والليلة)[125]. ويقول المقريزي: (ومن عجائب النيل فرس البحر. قال عبد الله بن أحمد بن سليم الأسواني في كتاب أخبار النوبة: ومسافة ما بين دنقلة إلى أوّل بلد علوة أكثر مما بين دنقلة وأسوان،… وفي هذه الأماكن جزائر عظام مسيرة أيام فيها الحيات والوحوش والسباع،… وفرس البحر يكثر في هذا الموضع)[126]. وتحدث القزويني عن الزرافة قائلاً: (والزرافة أيضاً وهي دابة عجيبة منحنية إلى خلفها لطول يديها وقصر رجليها،…)[127]. وتحدث الحميري عن دابة بحرية في مراسي عيذاب وسواكن، وهي تشبه المرأة، قال في وصفها: (…، وهناك دابة من دواب البحر يقال له الطلوم  لها فرج كفرج المرأة وثديان كثدييها يقع عليها الملاحون، وتسير منها السفن إلى جزيرة باضع، وهي أيضاً في ساحل البجاة والحبشة وأهلها مسلمون)[128]. وهكذا.

 

سادساً: الوصف ومستوى المعرفه ونوع التعليم:

 

يبدو أن المستوى المعرفي ونوع التعليم الذي تلقاه الرحالة أو الجغرافي، يتحكم في نوع اهتماماته، وطبيعة انطباعاته، ونوع المشاهدات التي سجلها. فكلما كان الرحالة أوسع في معرفته وتعليمه كان أكثر معقولية وأقل شطحاً وأقل نزوعاً نحو الخرافة. وربما كان أكثر تفصيلاً في وصفه، وأكثر تركيزاً على جوانب حضارية، تكون غائبة عند الآخرين. نلمح ذلك عند الإدريسي فقد وصف النساء واحتفى بجمالهن، وكان في وصفه دقيقاً للغاية، ربما يعود ذلك لاهتمام خاص منه بالنساء. وكذلك فعل الحميري. ونلمح ذلك أيضاً، عند الإصطخري والمقدسي وابن بطوطة في وصف الإهرامات، وستأتي الإشارة لذلك لاحقاً. أيضاً، كان تأثير الفقه واضحاً في انطباعات بعضهم. لقد نظر ابن جبير، وهو الفقيه والعالم في الحديث النبوي، الذي كثيراً ما يختم الفقرات في نص رحلته بـ: (فسبحان الموجد للعجائب لا اله سواه)[129]، وما شابه ذلك، نظر ابن جبير إلى المنطقة أثناء زياراته لها، من خلال رؤية الفقيه، وبمنظار عالم الدين، فالبحر (بحر القزم، الحبشة، المالح “البحر الأحمر”…إلخ) عند ابن جبير هو بحر فرعون، والبجة أمة لا أخلاق لها، ويفتي بأن لا جناح على لاعنهم، فهو يصف البجة قائلاً: (وبالجملة فهم أمة لا أخلاق لهم، ولاجناح على لاعنهم)[130]. ويصف مدينة عيذاب، بأنها مدينة ملعونة لأن الحجيج يعاني فيها. فهو يقول: (وأعظم أجور الحجاج على ما يكابدونه ولاسيما في تلك البلدة الملعونة ومما لهج الناس بذكره قبائحها حتى يزعمون أن سليمان ابن داود، على نبينا وعليه السلام، كان اتخذها سجناً للعفارتة)[131]. وعن أهل عيذاب يقول: (لكنهم ببلدة لا رطب فيها ولا يابس قد ألفوا بها عيش البهائم؛ فسبحان محبب الأوطان لأهلها، على أنهم أقرب الوحش منهم للأنس)[132]. على الرغم من ابن جبير وصف في بادىء الأمر عيذاب من أحفل مراسي الدنيا، قائلاً: (وهي من أحفل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها زائداً مراكب الحجاج الصادرة والواردة). من الواضح من هذه النصوص ونصوص غيرها لدى ابن جبير، إنه صب غضبه على البجة وعلى مدينة عيذاب وأهلها، بسبب عناء ومعاناة الحجيج، هذا إذا ما نظرنا للأمر بحسن نية. وهنا تبرز بعض الأسئلة التي تطرح نفسها[133]: من الذي كان يدير عمليات سفر الحجاج عبر البحر من عيذاب؟ هل هم البجة أم غيرهم؟ وهل كان يعرف البجة ركوب البحر؟. هذا ما كان بشأن ابن جبير عن أهل عيذاب. أما عند ابن بطوطة فأهل عيذاب غير أولئك الذين هجاهم ابن جبير. يقول ابن بطوطة: (وصلنا إلى عيذاب…، فتلقانا أهلها بالخبز والتمر والماء وأقمنا بها أياما واكترينا الجمال…)[134].

 

سابعاً: الإشارة للآثار وعراقة المنطقة الحضارية:

 

على الرغم من العراقة الحضارية لشعوب القرن الإفريقي، إذ شهدت منطقتهم حضارات عظيمة ومبادرات حضارية باكرة، مثل كوش وأكسوم وغيرها، إلا أنه لم ترد إشارات لهذه العراقة الحضارية، مثل الحديث عن الآثار ونحو ذلك، في كتابات الرحالة والجغرافيين العرب والمسلمين، سوى بعض الإشارات المحدودة. تحدث الإصطخري عن الإهرامات، وقدم وصفاً مفصلاً عن طولها وعرضها وارتفاعها، وأشار إلى كتابة يونانية على جدرانها، ومن قوله: (… وفي هذين الهرمين طريق في باطن الأرض مخترق، وأصح ما سمعت في الأهرام أنها قبور الملوك الذين كانوا بتلك الأرض)[135]. ويقول المقدسي في حديثه عن مصر والنيل: (وفيه عجائب منها الهرمان اللذان هما أحد عجائب الدنيا من حجارة شبه عماريتين ارتفاع كل واحدة أربعمائة ذراع بذراع الملك في عرض مثلها قد ملئت بكتابة يونانية وفي داخلهما طريقان إلى اعلاهما وطريق تحت الأرض نبية موضوعة في الرمال وسمعت فيهما أشياء مختلفة فمنهم من قال هما طلسمان ومنهم من قال كانتا أهراء يوسف وقيل بل كانت هي قبورهم وقرأت في كتاب ابن الفقيه انهما للرمل المحبوس ويقال مكتوب عليهما اني بنيتهما فمن كان يدعي قوة في ملكه فليهدمهما)[136]. وتحدث ابن بطوطة قائلاً: (والأهرام بناء بالحجر الصلد المنحوت، متناهي السمو مستدير متسع الأسفل، ضيق الأعلى كالشكل المخروط ولا أبواب لها، ولا تعلم كيفية بنائها)[137]. وفي الغالب أن عدم ذكر الإهرامات والآثار إلا لدى قلة من الرحالة والجغرافيين، يعود للجهل بها، وهذا أمر طبيعي. فالإصطخري الذي كان من بين القلة التي تحدثت عن إهرامات المنطقة نجده يصف أهلها بأنهم ليسوا من أهل الممالك التي تستحق الذكر. فقد تحدث عن صورة الأرض وأشار إلى أن بها أربع ممالك هي: مملكة إيرانشهر، وهي مملكة فارس وقصبتها بابل، ومملكة الروم والشام ومصر والمغرب والأندلس، ومملكة الروم، ومملكة الصين، ثم قال: (ولم نذكر بلد السودان في المغرب والبجة والزنج ومن في أعراضهم من الأمم، لأن انتظام الممالك بالديانات والآداب والحكم وتقويم العمارات بالسياسة المستقيمة، وهؤلاء مهملون لهذه الخصال، ولا حظ لهم في شيء من ذلك فيستحقون به إفراد ممالكهم بما ذكرنا به سائر الممالك،…) ثم استدرك مشيراً لصلات ممالك النوبة والحبشة قبل الإسلام بالروم، قائلاً:

 

غير أن بعض السودان المقاربين لهذه الممالك المعروفة يرجعون إلى ديانة ورياضة وحكم، ويقاربون أهل هذه الممالك مثل النوبة والحبشة، فإنهم نصارى يرتسمون بمذاهب الروم، وقد كانوا قبل الإسلام يتصلون بمملكة الروم على المجاورة، لأن أرض النوبة متاخمة لأرض مصر والحبشة على بحر القلزم، وبينها وبين أرض مصر مفازة فيها معدن الذهب، ويتصلون بمصر والشام من طريق بحر القلزم، فهذه الممالك المعروفة، وقد زادت مملكة الإسلام بما اجتمع إليها من أطراف هذه الممالك[138].

 

وهذا عين ما قاله ابن حوقل وبتطابق تام[139]، الأمر الذي يفيد أن أحدهم نقل من الآخر.

 

قدم اليعقوبي وصفاً شاملاً لممالك منطقة القرن الإفريقي، وأشار إلى أنها تتكون من ست ممالك، ثم تحدث عنها واصفاً حالها وأحوالها، وحدد حدود بعضها. هنا، تجدر الإشارة إلى أن الممالك الست التي أشار إليها اليعقوبي تكاد من حيث حدودها الجغرافية أن تمثل منطقة القرن الإفريقي التي هي موضوع هذه الدراسة وفقاً للاطار الجغرافي الذي وردت الإشارة إليه آنفاً. تحدث اليعقوبي عن البجة وأنهم بين النيل والبحر، ولهم عدة ممالك، أولها مملكة البجة من حد أسوان، وهي آخر عمل المسلمين. والمملكة الثانية هي مملكة بقلين وهي كثيرة المدن، واسعة. ثم المملكة الثالثة: بازين، وهم يتاخمون مملكة علوة من النوبة، ويتاخمون بقلين من البجة،… . والمملكة الرابعة يقال لها: جارين، ولهم ملك خطير، وملكه ما بين: باضع، إلى موضع يقال له: حل الدجاج. والمملكة الخامسة يقال لها: قطعة، وهي آخر ممالك البجة، ومملكتهم واسعة من باضع، إلى موضع فيكون. ثم المملكة السادسة وهي مملكة النجاشي، وهو بلد واسع، عظيم الشأن، ومدينة المملكة كعبر، ولم تزل العرب تأتي إليها للتجارة، ولهم مدن عظام، وساحلهم دهلك. والنجاشي على دين النصرانية اليعقوبية، وآخر مملكة الحبشة الزنج، وهم يتصلون بالسند وما ضارع هذه البلدان، ويتصل أيضاً بما دون الزنج مما يتاخم السند والكرك، وهم قوم لهم حساب، واجتماع قلوب[140]. بينما تحدث ابن حوقل عن ملوك النوبة قائلاً: (وملوك النوبة اثنان: ملك المقرة، وهو ملك دنقلة، وملك علوة وملك المقرة تحت ملك علوة… وأما بلد الحبشة فملكتهم مرأة مذ سنون كثيرة، وهي القاتلة لملك الحبشة المعروف كان بالحضاني. وهي مقيمة إلى يومنا هذا مستولية على بلدها وما جاورها من بلد الحضاني في دبور بلد الحبشة، وهو بلد عظيم لا غاية له ومفاوز وبراري يتعذر مسلكها)[141]. وهنا لابد من ملاحظة الفاصل الزمني بين ابن حوقل واليعقوبي. وتحدث أيضاً، ابن خرداذبة عن ملوك الأرض وأشار إلى ملوك بعض الممالك في منطقة القرن الإفريقي مثل: (ملك النوبة كابيل، وملك الحبشة النجاشي)[142]. كما أشار القزويني، أيضاً، إلى ملك النوبة، وكتب كذلك الإدريسي قائلاً: (وأما بلاد النوبة… فمنها مدينة كوشة… وملك النوبة يسمى كاسل وهو اسم يتوارثه ملوك النوبة وقرارته ودار ملكه في مدينة دنقلة)[143].

 

الشاهد أن كتب الرحالة والجغرافيين أشارت إلى ممالك البجة والنوبة والحبشة، ولكنها خلت من الحديث عن الآثار الحضارية لممالك كوش وأكسوم وغيرها، سوى إشارات قليلة قدمت وصفاً للإهرامات. 

 

بعض ملامح صورة شعوب القرن الإفريقي في كتابات الرحالة والجغرافيين

 

لقد اتسمت وصوف الرحالة والجغرافيين لشعوب المنطقة وبلدانهم بالاختلاف في بعض الجوانب والإتفاق في جوانب أخرى. ويمكن الوقوف على ذلك من خلال الآتي:

 

وصف الأقوام والشعوب

 

وصف الرحالة والجغرافيون بعض النواحي التي زاروها في منطقة القرن الإفريقي، وصفاً دقيقاً شمل الأقوام (الرجال والنساء) والبلدان والأرض والمياه والأنهر والطعام واللغة والدين والقبائل والتقاليد والعادات…إلخ. لم يكونوا على اتفاق في وصفهم، فقد اتفقوا في بعض الوصوف، واختلفوا في بعضها الآخر. وتناقضت أحياناً أوصافهم لسمات الأقوام وخصائص البلدان. لقد كان هناك اتفاق، إلى حد ما، حول سواد ألوان شعوب المنطقة، وتحليهم بسمة الشجاعة، وأنهم “رماة الحدق” (البجة والنوبة). يقول اليعقوبي: (والبجة ينزلون خيام جلود، وينتفون لحاهم، وينزعون فلك ثدي الغلمان لئلا يشبه ثديهم ثدي النساء، ويأكلون الذرة وما أشبهها، ويركبون الإبل، ويحاربون عليها كما يُحارب على الخيل، ويرمون بالحراب فلا يخطئون… ومذهبهم مثل مذهب الحداربة، وليس لهم شريعة إنما كانوا يعبدون صنماً يسمونه ححاخوا)[144]. ووصف الإصطخري البجة وكذلك ابن حوقل، كما ورد آنفاً، بأنهم أشد سواداً من الحبشة، وقالا أن ألوانهم تقرب من ألوان العرب بين السواد والبياض. وعن شجاعة البجة والنوبة يقول الحميري: (ولما افتتحت مصر أمر عمر رضي الله عنه أن تغزى النوبة فوجدهم المسلمون يرمون الحدق فذهبوا إلى المصالحة فأبى عمرو بن العاصي رضي الله عنه من مصالحتهم حتى صرف عن مصر ووليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة إحدى وثلاثين فقاتلوه قتالاً شديداً فأصيبت عين معاوية بن حديج رضي الله عنه وعيون جماعته، فحينئذ سموا رماة الحدق. قال الشاعر: لم تر عيني مثل يوم دمقله…. والخيل تعدو بالدروع مثقله)[145]. كذلك وصف ابن بطوطة البجة بأنهم سود الألوان، وبأنهم أهل نجدة وشجاعة بقوله: (…البجاة، وهم سكان تلك الأرض سود الألوان، لباسهم الملاحف الصفر، ويشدون على رؤوسهم عصائب حمرا، عرض الأصبع، وهم أهل نجدة وشجاعة،…)[146]. وفي موقع آخر من رحلته تحدث ابن بطوطة عن عيذاب وأهلها قائلاً: (وأهلها البجاة، وهم سود الألوان يلتحفون بملاحف صفراء، ويشدون على رؤوسهم عصائب يكون عرض العصابة أصبعا وهم لا يورثون البنات. وطعامهم ألبان الإبل ويركبون المهاري، ويسمونها الصهب) [147]. وهذا ما يفيد بأن بعض الكتب تحتوي على التكرار.

 

وصف معظم الرحالة والجغرافيين البجة بأنهم أهل سماحة وكرم، جاء ذلك عند الأصطخري وكذلك ابن حوقل في وصف متطابق بأن البجة: (فيهم كرم وسماحة في إطعام الطعام،…)[148]، وآخرون غيرهم. بينما شذ عن ذلك ابن جبير فقد وصف أهل عيذاب، البجة (وعنده البجاة)، قائلاً:

 

أهلها الساكنون بها قبيل من السودان يعرفون بالبجاة… وهذه الفرقة من السودان المذكورين فرقة أضل من الأنعام سبيلاً واقل عقولاً لا دين لهم سوى كلمة التوحيد التي ينطقون بها إظهاراً للإسلام، ووراء ذلك من مذاهبهم الفاسدة وسيرهم مالا يرضى ولا يحل، ورجالهم ونساؤهم يتصرفون عراة إلا خرقاً يسترون بها عوراتهم، وأكثرهم لايسترون[149].

 

يذهب ابن جبير مطلقاً حكمه بل مفتياً، وهو العالم بالفقه والحديث، قائلاً: (وبالجملة فهم أمة لا أخلاق لهم، ولاجناح على لاعنهم)[150]. أما أهل عيذاب عند ابن بطوطة فهم غير أولئك الذين هجاهم ابن جبير. يقول ابن بطوطة: (وصلنا إلى عيذاب…، فتلقانا أهلها بالخبز والتمر والماء وأقمنا بها أياما واكترينا الجمال…)[151].

 

وفيما يتعلق بمسألة السلم والحرب في ديار البجة وبلاد النوبة، فقد أجمع الرحالة والجغرافيون، إلا واحداً هو ابن جبير، على أن البجة والنوبة أهل سلم، وليسوا بأهل شر، وأشار بعضهم لاتفاقية البقط. في الواقع إن اتفاقية البقط جعلت من المنطقة “دار صلح”، وبهذا فهي ليست “دار حرب” أو “دار إسلام”. ومن المعروف أن تلك الاتفاقية قد حكمت العلاقات بين المسلمين والنوبة لفترة تقارب الستة قرون. قال اليعقوبي عن البجة: (وهم بين النيل والبحر، ولهم عدة ممالك… وهم مسالمون للمسلمين، والمسلمون يعملون في بلادهم في المعادن)[152]. وقال ابن خرداذبة: .(.. البجّة والنوبة وهم مصالحون على ضريبة تسمى البقط وليس بينهم وبين المسلمين محاربة)[153]، وكذلك قال الإصطخري، كما ورد آنفاً، بأن البجة والنوبة: (أهل سلم ليسوا بدار حرب،…)، وكذلك ابن حوقل في حديثه عن البجة والنوبة قال: (والجميع أهل سلم وليست دارهم بدار حرب). ويقول الإدريسي: (وبين أرض النوبة وأرض البجة قوم رحالة يقال لهم البليون ولهم صرامة وعزم وكل من حولهم من الأمم يهادنونهم ويخافون ضرهم وهم نصارى خوارج على مذهب اليعقوبية وكذلك جميع أهل بلاد النوبة والحبشة وأكثر أهل البجة نصارى خوارج على مذهب اليعاقبة)[154]. ونجد ناصر خسرو وصف البجة بأنهم لا دين لهم، ولكنهم ليسوا بأشرار. بل تفرد عن غيره من الرحالة والجغرافيين واصفاً البجة بأنهم لا يسرقون، بينما كان المسلمون يسرقون أبناء البجة ويحملونهم إلى المدن الإسلامية ليبيعونهم فيها. تحدث ناصر خسرو عن ذلك دون غيره قائلاً عن البجة: (…وهم قوم لا دين لهم ولا ملة لا يؤمنون بنبي أو إمام… وهم ليسوا أشراراً فهم لا يسرقون ولا يغيرون بل يشتغلون بتربية ماشيتهم ويسرق المسلمون وغيرهم أبناءهم ويحملونهم إلى المدن الإسلامية ليبيعوهم فيها)[155]. ولم يشذ في هذا إلا ابن جبير. وصف ابن جبير البجة قائلاً: (… البجاة، وهم نوع من السودان ساكنون بالجبال،… الذي يسلم منهم يصل عيذاب كأنه منشر من كفن، شاهدنا منهم مدة مقامنا أقواماً قد وصلوا على هذه الصفة في مناظرهم المستحيلة وهيثاتهم المتغيرة، آية للمتوسمين)[156]. من المهم هنا أن نلاحظ مسألة الفاصل الزمني بين ابن جبير والآخرين، إلى جانب أن ابن جبير كما ورد آنفاً يتحدث من خلال تجربته وتجربة الحجيج في عيذاب.

 

أيضاً، وردت إشارات في بعض كتب الرحالة والجغرافيين عن الزغاوة. تحدث الحميري عنهم وأشار إلى ديارهم وتجارتهم وطعامهم ولبسهم …إلخ. ووصفهم بأنهم أكثر السودان حزناً، تحدث الحميري قائلاً:

 

زغاوة: من بلاد السودان، بينها وبين أنجيمي ستة أيام، وزغاوة مجتمعة الكور كثيرة البشر، شرب أهلها من الآبار، ولهم تجارات يسيرة وبضائع يتعاملون بها، وأكلهم الذرة ولحوم الجمال المقددة والحوت المصبر، والألبان عندهم كثيرة، ولباسهم الجلود المدبوغة يستترون بها، وهم أكثر السودان حزناً، وفي مانان يسكن أمير زغاوة وعاملها[157].

 

ففي حين تحدث بعض الرحالة والجغرافيون، لاسيما القزويني وغيرها، كما ورد آنفاً،  عن أكل لحوم البشر والعرى واللا لباس،…[158]، كقول القزويني عن أهل مدينة دُنقلة: (مدينة عظيمة ببلاد النوبة، …وأهلها عراة …)[159]. نجد الإدريسي يتحدث عن لبس النوبة قائلاً: (مدينة نوابة… إليها تنسب النوبة وبها عرفوا وهي مدينة صغيرة وأهلها مياسير ولباسهم الجلود المدبوغة وأزر الصوف…)[160]. وأشار المقدسي إلى أن النوبة والحبش يبادلون السلع بالثياب قائلاً: (أما القرماطيون فتعاملهم بالملح، والنوبة والحبش بالثياب، …)[161]. ونجد كذلك الحميري يصف أهل مدينة دمقلة (دنقلة) قائلاً: (… وهي قاعدة ملك النوبة، وأهلها سودان، ومن النيل يشرب أهلها، لكنهم أحسن الناس وجوهاً وأجملهم شكلاً وطعامهم الشعير والذرة، والتمر يجلب إليهم من البلاد المجاورة لهم، وشرابهم المزر المتخذ من الذرة)[162]وهم نصارى يعقوبية ويقرأون الانجيل بلسان الروم الملكانية، وهم يغتسلون من الجنابة، لا يطأون في الحيضة،…)[163].

 

وصف النساء:

 

لقد اختلف الرحالة والجغرافيون في وصفهم لنساء المنطقة. فبينما تحدث بعضهم عن جمال نساء المنطقة الفائق، وحلاوة معاشرتهن، وأنهن مختونات، ولهن أعراق طيبة، أشار البعض الآخر لغير ذلك. تحدث الإدريسي عن نساء النوبة، وقدم وصفاً تفصيلياً لجمالهن وقد نعته بالفائق. كما قارن بين نساء النوبة ونساء المجموعات الأخرى في المنطقة، وفضل نساء النوبة في بعض السمات الجمالية على نساء البجة والحبشة والزنج، تحدث الإدريسي عن النوبة قائلاً: وفي نسائهم جمال فائق وهن مختتنات ولهن أعراق طيبة ليست من أعراق السودان في شيء وجميع بلاد أرض النوبة في نسائهم الجمال وكمال المحاسن وشفاههم رقاق وأفواههم صغار ومباسمهم بيض وشعورهم سبطة وليس في جميع أرض السودان من المقازرة ولا من الغانيين ولا من الكانميين ولا من البجاة ولا من الحبشة والزنج قبيل شعور نسائهم سبطة مرسلة إلا من كان منهن من نساء النوبة ولا أحسن أيضاً للجماع منهن…[164].

 

كان اليعقوبي قد تحدث عن البجة وأشار إلى ختان الإناث قائلاً: (وهم بين النيل والبحر، ولهم عدة ممالك،… . فأول مملكة البجة من حد أسوان،…، والمملكة الثانية مملكة بقلين: …، وهم الذين ينتفون لحاهم، ويقلعون ثناياهم، ويختتنون،…)[165]. وتحدث الحميري عن النساء المقورات من نساء النوبة قائلاً:

 

ومن النوبة النساء المعروفات بالمقورات لا يقدر أحد على افتضاض أبكارهن ولا مباشرتهن حتى يفتق القوابل من قبلها بقدر ما يحتاج للوطء، وهن أطيب النساء خلوة، فإذا حملت المرأة منهن وأقربت زاد القوابل في شق ذلك المكان فإذا وضعت حملها عادت تلك الزيادة بالأدوية الملحمة حتى يلتئم، أخبر بذلك الثقات)[166].

 

لقد ختم الحميري حديثه عن النساء ومعاشرتهن بـ عبارة “أخبر بذلك الثقات”. من الملاحظ أن معظم الرحالة والجغرافيين في مثل هذه المواقف التي تتعلق بوصف النساء ومعاشرتهن …إلخ يختمون حديثهم بـ “أخبر بذلك الثقات”، أو “حدثنا ممن نثقُ فيهم” وهكذا. ويبدو لي أن الأمر هنا يعود للوازع الديني إلى جانب أن بعض هؤلاء الرحالة والجغرافيين يصنف نفسه، ويصنفه الآخرون في مصاف الفقهاء وعلماء الدين وعلماء الحديث وبعضهم قضاة. من الملاحظات المهمة أن بعض الرحالة والجغرافيين أشار إلى بعض العادات والمظاهر، التي لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا. ومن هذه العادات، عادة ختان الإناث فهي عادة لا تزال مستمرة ومنتشرة في معظم دول منطقة القرن الإفريقي، على الرغم من الجهود المبذولة، على تفاوتها، في محاربة تلك العادة. 

 

أيضاً، ارتبطت المنطقة بالجواري والخدم والرقيق، فقد أشار عدد كبير من الرحالة والجغرافيين عن ذلك الارتباط. يقول المقدسي: (… والنوبة من وراء مصر، والبجة وراء عيذاب، والحبش وراء زيلع. والخدم الذين ترى على ثلاثة أنواع: جنس يحملون إلى مصر وهم أجود الأجناس، وجنس يحملون إلى عدن وهم البربر وهم شر أجناس الخدم، والجنس الثالث على شبه الحبش،…)[167]. وتحدث المقدسي خصي الخدم، وتوسع في الحديث عن كيفية الخصي، والمتخصصين فيه، وتحدث عن جنسيات الخدم وأشار إلى أن بعضهم (… يحملون إلى مدينة خلف بجانة أهلها يهود فيخصونهم …)[168]. وتحدث الإدريسي عن الجواري من نساء النوبة، وعن أسعارهن، وكيف أنهن موضع رغبة واستحسان لدى الملوك، قال الإدريسي:

 

نساء النوبة ولا أحسن أيضاً للجماع منهن، وإن الجارية منهن ليبلغ ثمنها ثلاث مائة دينار وأقل من ذلك ولهذه الخلال التي فيهن يرغب ملوك أرض مصر فيهن ويتنافسون في أثمانهن ويتخذونهن أمهات أولاد لطيب متعتهن ونفاسة حسنهن وذكر بعض الرواة أنه كان بالأندلس جارية من هؤلاء الجواري المتقدم ذكرهن عند الوزير أبي الحسن المعروف بالمصحفي فما أبصرت عيناه قط بأكمل منها قداً ولا أصبح خداً ولا أحسن مبسماً ولا أملح أجفاناً ولا أتم محاسن وكان هذا الوزير المذكور مولعاً بها بخيلاً بمفارقتها[169].

 

وفي حديث الحميري عن مدينة سواكن أشار إلى أن رقيق البجة والحبشة يخرج منها، تحدث الحميري قائلاً: (سواكن: مدينة بقرب جزيرة عيذاب، وهي ذات مرسى، ومنها تسير السفن إلى مدينة سواكن، وهي مدينة عامرة في ساحل بلاد البجاة وبلاد الحبشة، وفيها متاجر، ويخرج منها رقيق البجاة والحبشة واللؤلؤ الجيد،…)[170].

 

الشاهد أن بعض الرحالة والجغرافيين وصف النساء بالجمال الفائق، وأشار ضمن حديثه عن قيم حضارية متقدمة مثل النظافة والاهتمام بالأجساد وتطيبها…إلخ. بينما تحدث آخرين مثل القزويني عن سمات هي أقرب إلى القبح منها إلى الجمال، إلى جانب الرائحة النتنة…إلخ، وقد وردت الإشارة لذلك آنفاً. كما أشار ابن بطوطة، كما ورد آنفاً، في حديثه عن أكلة لحوم البشر، إلى أن الثدى عند أكلة لحوم البشر هو من أطيب لحم البشر، وبالطبع فإن المقصود هو ثدى المرأة.

 

وصف الأماكن (المدن والقرى):

 

قدم الرحالة والجغرافيون وصفاً دقيقاً لبعض بلدان المنطقة في بلاد الحبشة وديار البجة وبلاد النوبة. وصفوا حياة الناس في تلك البلدان، وأنواع طعامهم وصناعاتهم وتجاراتهم وأسواقهم ووسائل نقلهم. تحدثوا عن المدن والقرى في الداخل والساحل، ووصفوا المراسي ونشاطاتها، وأشاروا للسفن الوافدة وبلدانها. تحدث بعضهم عن بلدان تخصصت في بعض الصناعات، وبلدان أخرى تميزت برعاية الجمال وتسويقها. في وصفهم للبلدان كانت هناك بلدان ملعونة وأخرى قذرة، وأخرى مستضيفة للفجور. هنا لابد من مراعاة الفواصل الزمنية بين الرحالة وبين زياراتهم للمنطقة. لقد تحدث اليعقوبي عن ممالك المنطقة، وهي عنده ست ممالك في بلاد الحبشة وديار البجة وبلاد النوبة، وأشار إلى ملوكها ومدنها، وقد وردت الإشارة لذلك آنفاً. تحدث اليعقوبي وعدد الكثير من مدن المنطقة وبلدانها، ومن نماذج ذلك حديثه عن زيلع التي وصفها قائلاً: (زيلع وهي حِيال المَنْدَب، ثم دَهْلَك وهي حِيال غَلافِقَة وهي جزيرة النجاشي، ورحسوا وهي حيال الدهلك، وباضِع وهي حيال عَثْر وهي ساحل بَيْش بلاد كنانة)[171]. وتحدث ابن حوقل مقارناً بين بلد النوبة والحبشة، قائلاً: (والنوبة نصارى أيضاً، وبلدهم أوسع من الحبشة في نواحيه وعمارتهم أكثر مما بالحبشة، ومن أعمر بلادهم نواحي علوة، وهي ناحية لها قرى متصلة وعمارات مشتبكة حتى أن السائر ليجتاز في المرحلة الواحدة بقرى عدة غير منقطعة الحدود ذوات مياه متصلة بسواق من النيل…)[172]. وصف القزويني مدينة دُنقلة قائلاً:

 

مدينة عظيمة ببلاد النوبة، ممتدة على ساحل النيل، طولها مسيرة ثمانين ليلة وعرضها قليل، وهي منزل ملكهم كابيل، وأهلها نصارى يعاقبة، أرضهم محترقة لغاية الحرارة عندهم، ومع شدة احتراقها ينبت الشعير والحنطة والذرة. ولهم نخل وكرم ومقل وأراك. وبلادهم أشبه شيء باليمن، وبيوتهم أخصاص كلها، وكذلك قصور ملكهم. وأهلها عراة مؤتزرون بالجلود، والنمر عندهم كثيرة، يلبسون جلودها، والزرافة أيضاً وهي دابة عجيبة منحنية إلى خلفها لطول يديها وقصر رجليها، وعندهم صنف من الإبل صغيرة الخلق قصيرة القوائم[173].

 

وصف القزويني قرية سمهر الحبشية، التي اشتهرت بصناعة الرماح، وتحدث عنها القزويني قائلاً: (قرية بالحبشة، بها صناع الرماح السمهرية، وهي أحسن الرماح؛…)[174]. وأورده الحميري في وصفه لبلدتي بذونة وجنبيتة الحبشيتين، ما يفيد الاختلاف في مستوى البلدان في بلاد الحبشة.  فقد تحدث الحميري عن بلدة بذونة قائلاً:

 

في أرض الحبشة على الساحل، وهي خراب قليلة العمارة وحشية المساكن قذرة البقاع وعيش أهلها من السمك ولحوم الصدف والضفادع والأحناش والفيران والورل وأم حبين وغير ذلك من الحيوانات التي لا تؤكل، وهم يتصيدون في البحر عوماً بشباك يصنعونها ويربطونها بأرجلهم وهم أهل فاقة وفقر وضيق حال، وهم في طاعة الزنج[175].

 

ووصف بلدة جنبيتة قائلاً: (مدينة من أرض الحبشة متحضرة في برية بعيدة عن العمارة وتتصل عمارتها وبواديها إلى النهر الذي يمد النيل ويشق في بلاد الحبشة ؛ ومنبعه من خط الاستواء، وفي آخر نهاية المعمور من جهة الجنوب، فيمر مغرباً مع الشمال حتى يصل إلى أرض النوبة فيصب هناك في ذراع النيل الذي يحيط بمدينة بلاق، وهو كبير عريض عليه عمارات للحبشة)[176]. وتحدث الحميري عن دهلَك قائلاً:

 

جزيرة بينها وبين بلاد الحبشة نصف يوم في البحر، وطول هذه الجزيرة مسيرة يومين، وحواليها ثلثمائة جزيرة معمورة أهلها مسلمون، وإذا أتت الحبشة لمناجزتهم صعدوا جبلاً عالياً يقابل جزيرة دهلك وأوقدوا فيه ناراً فيخرج المسلمون إليهم في السفن، وإلى ساحل جزيرة دهلَك هاجر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، وفي هذه الجزيرة مساجد جامعة وأحكام عادلة، وقد ولي القضاء فيها بعد الأربعمائة محمد بن يونس، مالكي من أهل الأندلس[177].

 

تحدث القزويني عن مدينة مقديشو قائلاً:

 

مدينة في أول بلاد الزنج، في جنوبي اليمن على ساحل البحر. وأهلها عرباء لا سلطان لهم، ويدبر أمرهم المتقدمون على الاصطلاح، وحكى التجار أنهم يرون بها القطب الجنوبي مقارباً لوسط السماء وسهيلاً، ولا يرون القطب الشمالي البتة، وانهم يرون هناك شيئاً مقدار جرم القمر شبه قطعة غيم بيضاء، لا يغيب أبداً ولا يبرح مكانه، يحمل منها الصندل والآبنوس والعنبر والعاج إلى غيرها من البلاد[178].

 

أما مدينة مَقْدَيشو على أيام ابن بطوطة، فيبدو أنها قد تغيرت كثيراً. فقد أصبحت مركزاً تجارياً وصناعياً مهماً، تُصدر بعض صناعاتها إلى مصر. وصفها ابن بطوبطة بأنها مدينة متناهية الكبر يحكمها سطان يتحدث العربية، وأشار لتصور صناعتها وتجارتها وإلى دار الطلبة فيها، فهو يقول:

 

ووصلنا مقدشو  وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان القاف وفتح الدال المهمل والشين المعجم وإسكان الواو، وهي مدينة متناهية في الكبر، وأهلها لهم جمال كثيرة ينحرون منها المئين في كل يوم. ولهم أغنام كثيرة، وأهلها تجار أقوياء، وبها تصنع الثياب المنسوبة إليها التي لا نظير لها. ومنه تحمل إلى ديار مصر وغيرها[179].

 

وتحدث عن استضافته من قبل السلطان في دار الطلبة، وهي كما أشار ابن بطوطة: (دار معدة لضيافة الطلبة)[180]. أما مدينة زيلع فإن ابن بطوطة وصفها بأنها أقذر مدينة في المعمورة، وتحدث قائلاً:

 

ووصلت إلى مدينة زيلع وهي مدينة البرابرة، وهم طائفة من السودان شافعية المذهب، وبلادهم صحراء مسيرة شهرين. أولها زيلع، وآخرها مقدشو. ومواشيهم الجمال، وهي أغنام مشهورة السمن. وأهل زيلع سود الألوان، وأكثرهم رافضة. وهي مدينة كبيرة لها سوق عظيمة، إلا أنها أقذر مدينة في المعمور وأوحشها وأكثرها نتنا. وسبب نتنها كثرة سمكها ودماء الإبل التي ينحرونها في الأزقة. ولما وصلنا إليها اخترنا المبيت بالبحر على شدة هوله، ولم نبت بها لقذرها[181].

 

        أما مدينة عيذاب فقد اختلفت الآراء حولها. بعضهم وصفها بأنها مرسى كبير تأتي إليه السفن من مختلف أنحاء المعمورة لاسيما الهند وغيرها. ووصفها البعض الآخر بأنها مدينة صغيرة، مع ملاحظة الفواصل الزمنية بين الرحالة. فبينما وصفها الحميري قائلاً: (ومرسى عيذاب مأوى لجماعة بني يونس، والفجور فيهم فاش لا ينكره منهم منكر، ولا يكترى منه بيت إلا يشترط نفقة صاحبة البيت وإجراء الخلوة بها، وهم يأخذون من التجار عُشُوراً، وفيها قبالة الكلب، وهو كلب كان هناك للأمير في القديم)[182]. فإن ناصر خسرو وصفها بأنها مدينة صغيرة ضمن حديثه عن صحراء المنطقة قائلاً: (… وليس في هذه المسافة الشاسعة سوى مدينتين صغيرتين تسمى الأولى بحر النعام والثانية عيذاب …)[183]. وفي موقع آخر من كتابه يصف ناصر خسرو مدينة عيذاب قائلاً:

 

ومدينة عيذاب هذه تقع على شاطئ البحر وبها مسجد جمعة وسكانها خمسمائة وهي تابعة لسلطان مصر وفيها تحصل المكوس على ما في السفن الوافدة من الحبشة وزنجبار واليمن ومنها تنقل البضائع على الإبل إلى أسوان في هذه الصحراء التي اجتزناها ومن هناك تنقل بالسفن إلى مصر في النيل[184].

 

أما عيذاب في أيام ابن جبير، فقد وصفها ابن جبير بأنها (..البلدة الملعونة…)[185]، وأن سيدنا سليمان (…اتخذها سجناً للعفارتة)[186]، وقال بأن (لأهل عيذاب في الحجاج ظلم الطواغيت)، واتفق معه في ذلك الحميري، الذي في أغلب الظن نقل من ابن جبير، وقد وردت الإشارة لكل ذلك آنفاً. على الرغم من ابن جبير نفسه وصف عيذاب بأنها من أحفل مراسي الدنيا، قائلاً: (وهي من أحفل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها زائداً مراكب الحجاج الصادرة والواردة).

 

ففي وصفهم للمدن والبلدان، تحدث الكثير من الرحالة والجغرافيين عن الجمال في منطقة القرن الإفريقي، وأشاروا إلى أنواعها وأسواقها وأهميتها. يقول الإدريسي: (ومن بلاد البجة مدينة بختة وهي أيضاً قرية مسكونة وبها سوق لا يعول عليها وحولها قوم ينتجون الجمال ومنها معايشهم وهي أكثر مكاسبهم وإلى هذه القرية تنسب الجمال البختية وليس يوجد على وجه الأرض جمال أحسن منها ولا أصبر على السير ولا أسرع خطاً…)[187]. وعن الجمال تحدث ناصر خسرو قائلاً: (ويقال إن الجمال النجيبة لا توجد في مكان آخر غير هذه الصحراء وهي تنقل منها إلى مصر والحجاز)[188]. وقد أشارالمؤرخ السوداني يوسف فضل حسن إلى أن الجمال النجيبية التي وردت عند ناصر خسرو صوابها البختية، وقال: (ولا شك أن تصحيفاً قد حدث من النساخ حوَّل الجمال البختية إلى النجيبية)[189]، ثم عزز المؤرخ يوسف رأيه بما جاء عند الإدريسي أعلاه. الشاهد أن رأي المؤرخ يوسف المعزز بما كتبه الإدريسي يتفق أيضاَ، مع رواية الحميري، وهذا ما يرجح صحة ما ذهب إليه المؤرخ يوسف بأنها “الجمال البختية” وليس”الجمال النجيبية”. يقول الحميري عن بلدة بختة: (بلدة في بلاد البجة من أرض الحبشة وهي مسكونة وبها سوق وإليها تنسب الجمال البختية وليس يوجد على وجه الأرض جمال أحسن منها ولا أصبر على السير ولا أسرع خطى وهي بديار مصر معروفة بذلك)[190]. كما تحدث الحميري عن الجمال في قرية جوة بأرض الحبشة قائلاً: (جوة قرية بأرض الحبشة يتخذون الإبل ويكتسبونها ويشربون ألبانها ويستخدمون ظهورها وهي أجل بضاعة عندهم، ويسرق بعضهم أبناء بعض ويبيعونهم من التجار فيخرجونهم إلى أرض مصر في البر والبحر)[191].

 

من الواضح أن بعض المواضع والمدن والمواني في منطقة القرن الإفريقي كانت تمثل مراكزاً إقليمية للتبادل التجاري بين تجار وشعوب المنطقة. فإلي جانب ما و ذكره أعلاه، فقد أشار الحميري إلى اجتماع تجار النوبة والحبشة وكذلك تجار مصر في أيام الصلح والمهادنة مع النوبة، في مدينة يلاق وصف الحميري مدينة يلاق قائلاً:

 

(من مدن النوبة، وهو بين ذراعين من النيل، وأهلها متحضرة ومعايشهم حسنة، وربما وصلت إليهم الحنطة مجلوبة، والشعير والذرة عندهم ممكنة موجوعة، وبها يجتمع تجار النوبة والحبشة، ويسافر تجار مصر إليها إذا كانوا معهم في صلح وهدنة، وأرضها تسقى بالنيل وبالنهر الذي يأتي من بلاد الحبشة، وهو نهر كبير جداً يمدّ النيل، وموقعة بمقربة من مدينة يلاق وفي الذراع المحيط بها، وعليه مزارع أهل الحبشة وكثير من مدنها، وليس في مدينة يلاق مطر ولا يقع بها غيث البتة، …)[192].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمة

 

العرب وشعوب القرن الإفريقي: مواجهة الماضي وبناء المستقبل

 

لاشك أن كتابات الرحالة والجغرافيين العرب والمسلمين، تمثل مساهمة معرفية أصيلة في مجلد الحضارة الإنسانية. وفي تقديري أن المساهمات المعرفية الأصيلة، دوماً يكون تأثيرها في مخيلة الشعوب عظيماً. إن كتابات الرحالة والجغرافيين، كان لها تأثيرٌ كبيرٌ عربي وعالمي. ولهذا فهي تستحق منا إعادة القراءة والتأمل، وإعمال الحس النقدي. ففي تعاطيهم مع منطقة القرن الإفريقي حفظ لنا هؤلاء الرحالة والجغرافيون بما سجلوه من إفادات ومشاهدات عن المنطقة، معلومات هي في غاية الأهمية، ولا غنى عنها لدراسة المنطقة في مختلف المجالات[193]. لقد كانت معلومات بعضهم عن المنطقة قليلة، كما تركزت معلومات بعضهم الآخر على جهات معينة من المنطقة. في الواقع أن الرحالة والجغرافيين لم يغطوا في زياراتهم وكتاباتهم كل منطقة القرن الإفريقي؛ وإنما زاروا بعضها، مع تفاوت في زمن وميادين زياراتهم، وكتبوا عن بعض نواحيها، مع تفاوت أيضاً، في حجم كتاباتهم وميادينها، كما هو حالهم مع “بلاد السودان” وغيرها من أقاليم المعمورة. وبرغم أن منطقة القرن الإفريقي، منطقة عريقة وتتمتع بثراء وتراكم حضاري منذ أمد بعيد، فقد قدمت للبشرية مبادرات حضارية باكرة، ظلت آثارها ماثلة تحكي عن قصة العراقة والعطاء الحضاري، وبرغم ذلك، نجد أن كتب الرحالة والجغرافيين تكاد تخلو من الحديث عن الآثار الحضارية لممالك المنطقة مثل: كوش وأكسوم وغيرها، سوى إشارات قليلة وبوصف مختصر لبعض الإهرامات.

 

اتسمت بعض كتابات الرحالة والجغرافيين عن منطقة القرن الإفريقي بالتشابه والتكرار. فقد تكررت بعض المعلومات في الكتاب الواحد، وأحياناً كان التكرار في أكثر من كتاب. أيضاً، تشابهت بعض الكتب في بعض معلوماتها لحد التطابق في النصوص. الأمر الذي يفيد بأن بعض الرحالة والجغرافيين قد نقل معلوماته من البعض الآخر. فالتشابه كان واضحاً بين الرحالة والجغرافيين المغاربة فيما بينهم، وكذلك الحال عند المشارقة فيما بينهم. أيضاً، اتفق الرحالة والجغرافيون في بعض الأخبار والمعلومات والأوصاف، بينما اختلفوا بل تناقضوا في بعض الأخبار والمعلومات. الشاهد أننا أمام نقل الرحالة والجغرافيين للمعلومات والأخبار عن المنطقة فيما بينهم، وأمام تشابهها عند بعضهم، ربما نكون قد اقتربنا من الإجابة على الأسئلة التالية: هل كانت الفترة الزمنية التي قضاها الرحالة والجغرافيون في زيارتهم للمنطقة، كافية لمعرفة المنطقة؟ وهل كل ما ورد من أخبار ووصف مفصل لشعوب المنطقة وبلدانها، كان نتاجاً لمشاهدة الرحالة وتجربته أثناء إقامته في المنطقة؟ أم أن بعض ما ورد من معلومات ووصوف كان نقلاً وأخباراً سماعية سجلها الرحال دون أن يقف عليها ويلاحظها أو يتأكد من مدى صحتها؟

 

نلاحظ أيضاً، أن صورة شعوب القرن الإفريقي في كتابات الرحالة والجغرافيين، قد تأثرت بأراء ومعتقدات الأمم الأخرى مثل اليونانيين وغيرهم. لقد تجلى ذلك التأثير في مسائل عديدة منها: أكل لحوم البشر، وسواد الألوان، وأن منبع نهر النيل من القمر… إلخ. أيضاً، كانت الخرافة واضحة في كتاباتهم. كذلك، كتبوا بدهشة واستغراب عن بعض الحيوانات التي ربما كانت جديدة عليهم مثل التمساح والزرافة وعروس البحر…إلخ مما يفيد بأنها جديدة عليهم. كذلك يبدو لي أن هذه الكتابات لم تسلم من مناخ العصبية، والمناخ السلطاني. وكلا المناخين غير صحي لكتابة التاريخ أو حفظ حوادثه. فقد أنجزت بعض الرحلات والكتب بطلب من السلاطين، وُروى بعضها في مجالس السلاطين والملوك، وحُرر بعضها بواسطة كُتاب السلاطين والملوك، وقُدم بعضها كتقارير للسلاطين والملوك. وكل ذلك يفيد أن هذه الكتب تحتاج لإعادة القراءة ولمزيد من النقد وإقامة الحوار حولها، لاعادة تقييمها.

 

لقد تعاطي الرحالة والجغرافيون مع شعوب القرن الإفريقي على أنهم “آخر”، وهذا ما يجعلنا أمام تناقض واقعي، وماثل وله آثار واضحة ومعاشه اليوم. فالتناقض يتجلى بوضوح في ما بين وضعية منطقة القرن الإفريقي في صحائف الرحالة والجغرافيين وهي “منطقة آخر”، وما بين وضعية دول القرن الأفريقي بالنسبة للعرب اليوم. فبينما كانت منطقة القرن الإفريقي هي منطقة الآخر في كتابات الرحالة والجغرافيين، فإننا نجد اليوم دولاً من دول القرن الإفريقي مثل جيبوتي والصومال والسودان تتمتع بكامل العضوية في جامعة الدول العربية. وهذا أمر يحتاج لمزيد من الحوار والتنقيب والدراسة. أيضاً، في تقديري أن كتابات الرحالة والجغرافيين ساهمت ربما بطريقة غير مباشرة، ضمن عوامل أخرى بالطبع، في تعزيز حالة الانفصال التي تعيشها بعض شعوب المنطقة عن جذورها الحضارية في ممالك كوش وأكسوم والممالك النوبية. فقد كانت هذه الكتابات قبل الوجود العربي المكثف في المنطقة. وحينما ارتبطت المنطقة بفلك العروبة والإسلام وتبع ذلك استقرار العرب المكثف في بعض نواحيها، وتعريب لسان بعض أقاليمها وشعوبها، لم تجد الأجيال اللاحقة من شعوب تلك المنطقة شيئاً من تاريخها سوى ما كتبه الرحالة والجغرافيون العرب والمسلمون. ولم تكن في كتاباتهم شيئاً يذكر عن حضارات المنطقة القديمة. ولما كانت كتابات الرحالة والجغرافيين عن منطقة القرن الإفريقي متأثرة في بعض جوانبها بآراء وإعتقادات موروثة من الأمم الأخرى مثل اليونانيين وغيرهم، فربما كان لتلك الأمم الأخرى مع كتابات الرحالة والجغرافيين دوراً في حالة انفصال المنطقة عن جذورها الحضارية. يضاف إلى ذلك أن كتابات الرحالة والجغرافيين قد تُرجمت كما هو معلوم إلى معظم اللغات الأوروبية، وكانت إحدى المرتكزات التي قامت عليها النهضة الأوروبية. وفي تقديري، أن كتابات الرحالة والجغرافيين عن منطقة القرن الإفريقي، كان لها تأثير كبير وفي نواحٍ عديدة، وهي لم تقرأ بعد. ولهذا، فلا بد من إعادة قراءتها ودراستها مقارنة بما كتبته الأمم الأخرى عن المنطقة. وفي هذا لابد من تطوير المشاريع البحثية المطروحة، وطرح مشاريع بحثية جديدة لقراءة كتابات الرحالة والجغرافيين بما يخدم مواجهة الماضي في علاقة العرب بشعوب القرن الإفريقي، وذلك من أجل بناء المستقبل على أسس جديدة.

 

مواجهة الماضي وبناء المستقبل

 

إن العلاقة بين العرب وشعوب القرن الإفريقي، كما هو معلوم، تعود في تاريخها وتطورها إلى ماضٍ سحيق. وإن الوضع القائم حالياً بين شعوب ودول المنطقتين هو نتاج لتراكم تاريخي ينطوى على قضايا وأحداث عديدة. هذا التراكم التاريخي، بما فيه من قضايا وأحداث، رُسم في مخيلة كل شعب من شعوب المنطقتين (العرب وشعوب القرن الإفريقي) صورة عن الآخر. هذه الصورة تتفاوت في سلبيتها وإيجابيتها. ولما كان استمرار العلاقة بين المنطقتين حتمية يفرضها التطور التاريخي والمصالح المتبادلة والمصير المشترك، فإن مواجهة ذلك الماضي وتفكيك التصورات الناشئه منه وعليه، يمثل الحد الأدنى لشروط بناء المستقبل. إن بناء المستقبل على أسس جديدة لعلاقات العرب مع شعوب القرن الإفريقي، من أجل التعاون والتكامل، أمر تفرضة متطلبات حالة اليقظة والصحو التي تعيشها شعوب المنطقتين. لقد تجلت حالة اليقظة والصحو في المنطقة العربية، من خلال الثورات الشعبية، ولا تزال تنداح وتتمدد في دول أخرى؛ بينما تجلت حالة اليقظة والصحو في بعض منطقة القرن الإفريقي ومنذ عقود في الثورات المسلحة، تنشد تلك الثورات، من بين ما تنشده، إحداث التغيير وبناء المستقبل. لقد كان المعنيون بالمستقبل، وأصحاب المصلحة المباشرة في المستقبل، وهم الشباب، كانوا ولا يزالون حضوراً، ولاعبين أساسين في ميادين تلك الثورات، الشعبية والمسلحة. إن بناء المستقبل على أسس جديدة، يمثل تطلعاً مشروعاً، ومطلباً ملحاً، سواء أكان ذلك على المستوى الداخلي للدولة، أو على مستوى منظومة الدول العربية، أو على المستوى الإقليمي والعالمي، لا سيما مع دول الجوار العربي خاصة دول منطقة القرن الإفريقي. إن بناء المستقبل يتطلب إعمال العقول لمواجهة الماضي ونقد السائد والمألوف، بما يضمن اتساق العمل البحثي والفكري مع نبض الشارع وتطلعات الشعوب، ولهذا لابد من توسيع الحوار وتأسيس المنابر الحوارية وإقامة المشاريع البحثية بين نخب المنطقتين لدراسة الماضي ومواجهته. إن مواجهة الماضي هي شرط الأساس لبناء المستقبل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثبت المصادر والمراجع

 

ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، رحلة ابن بطوطة، (بيروت: دار صادر، 1962م).

ابن جبير، أبو الحسين محمد بن أحمد، رحلة ابن جبير، (بيروت: دار صادر للطباعة والنشر ودار بيروت للطباعة والنشر، 1964م).

ابن حَوْقَل، أبو القاسم محمد بن حوقل النصيبي، صورة الأرض، (بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، 1992م).

ابن خُردَاذَبَة، أبي القاسم عبيدالله بن عبدالله، المسالك والممالك، (بغداد: مكتبة المثنى، “بدون تاريخ نشر”).

ابن سباهي زاده، محمد بن علي البروسي، أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك، تحقيق المهدي عيد الرواضية، ط2، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2008م).

الإدريسي، أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي الحسني، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، مج1، (بور سعيد: المكتبة الثقافة الدينية، “بدون تاريخ نشر”).

الإصطخري، أبي اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي، المسالك والممالك، تحقيق محمد جابر عبدالعال الحيني ومحمد شفيق غربال، (القاهرة: دار القلم، 1961م).

جوزيف أومارا وخديجة صفوت، “سرديات رحلات العبور التاريخية وأسلمة سلطنة الفونج في القرن السادس عشر، أثر بعض تنويعات الرحالة والتجار على التاريخ الإسلامي والتاريخ الشعبي”، السودان وإفريقيا في مدونات رحالة الشرق والغرب، ندوة الرحالة العرب والمسلمين، دورة ابن حوقل، ط1، (أبوظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع، 2006م).

الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف إفريقيا، ترجمة: محمد حجي ومحمد الأخضر، ط2، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983م).

عبد الرحمن حميدة، أعلام الجغرافيين العرب ومقتطفات من آثارهم، (دمشق: دار الفكر، 1995م).

عبد الغفار محمد أحمد، السودان والوحدة في التنوع: تحليل الواقع واستشراف المستقبل، (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1992م).

عبد الله الفكي البشير، العلاقات الخليجية الإفريقية في النصف الثاني من القرن العشرين، مع التركيز علي دولة قطر، رسالة ماجستير، كلية الآداب، كلية الدراسات العليا، جامعة الخرطوم، 2004م، (غير منشور).

عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، “أفريقيا والعرب والاسلام”، مجلة مركز الوثائق والدراسات الإنسانية، العدد الثالث، السنة الثالثة 1412هـ/ 1991م، مركز الوثائق والدراسات الإنسانية، جامعة قطر، الدوحة.

عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، بعض أوراق هموم عربي إفريقي، (الدوحة: مكتبة دار المتنبي للنشر والتوزيع، 1992م).

عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، جوانب من الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا، (أم درمان: مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، جامعة أم درمان الأهلية، 2005م).

علي بن عبدالله الدفاع، رواد علم الجغرافية في الحضارة العربية والإسلامية، ط2، (الرياض: مكتبة التوبة، 1993م).

قاسم وهب، “أخبار النوبة والبجة في مصنفات الجغرافيين العرب خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر للميلاد)”، السودان وإفريقيا في مدونات رحالة الشرق والغرب، ندوة الرحالة العرب والمسلمين، دورة ابن حوقل، ط1، (أبوظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع، 2006م).

قائد العنسي، التداخل السكاني واثره في العلاقات اليمنية الحبشية 1900-2000م، أطروحة دكتوراه، كلية الدراسات العليا، جامعة إفريقيا العالمية، الخرطوم، 2003م (غير منشور).

القزويني، زكرياء بن محمد بن محمود، آثار البلاد وأخبار العباد، (بيروت: دار صادر، بدون تاريخ نشر).

محمد بن عبد المنعم الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عباس، (بيروت: مكتبة لبنان، 1984). (…-27هـ/1336م)

محمود الشرقاوي، رحلة مع ابن بطوطة من طنجة إلى الصين والأندلس وإفريقيا، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1968م).

محمود خيري عيسي وآخرون، “العلاقات العربية الأفريقية: دراسة تحليلية في أبعادها المختلفة”، ندوة: معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة الدول العربية (القاهرة: دار الطباعة الحديثة، 1978م).

مروان العطية، “منهج الرحالة المسلمين في التعريف بالأمصار: السودان نموذجاً”، السودان وإفريقيا في مدونات رحالة الشرق والغرب، ندوة الرحالة العرب والمسلمين، دورة ابن حوقل، ط1، (أبوظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع، 2006م).

مضيوف عبدالملك الفزار، اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب “اسحاق” بن جعفر بن وهب بن واضح بن عبدالله المنصوري، الكاتب العباسي، الجغرافي المؤرخ صاحب كتاب مشاكلة الناس لزمانهم، في الجغرافيا الإسلامية (1)، (الدوحة: مطابع قطر الوطنية، “بدون تاريخ نشر”).

المقدسي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ط2، (ليدن: مكتبة المثنى ببغداد ومؤسسة الخانجي بمصر، مطبعة بريل، 1906م).

المقريزي، أحمد بن علي، المواعظ والاعتبار، ص 82، من المكتبة الإسلامية الشاملة، استرجاع (Retrieved) يوم 17 يونيو 2011م، الموقع على الإنترت: www.islamport.com

ناصر خسرو، سفر نامه، ترجمة يحي الخشاب، (بيروت: دار الكتاب الجديد، 1983م).

نقولا زيَادَة، الجغرافية والرحلات عند العرب، (بيروت: مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، 1962م).

اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب، تاريخ اليعقوبي، ج1، (بيروت: دار العراق للطباعة والنشر،  1955م).

اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن واضح، كتاب البلدان، السلسلة الجغرافية (6)، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1988م).

يوسف فضل حسن، انتشار الإسلام في إفريقيا، (الخرطوم: أعمال الخدمات السريعة، 1979م).

يوسف فضل حسن، دراسات في تاريخ السودان وأفريقيا وبلاد العرب، ج3، (الخرطوم: سوداتك المحدودة، 2007م).

 

قدمت هذه الدراسة في

مؤتمر: العرب والقرن الإفريقي: جدلية الانتماء والجوار

المركز العـربي للأبحاث ودراسـة السياسات (معهد الدوحة)، الدوحـة، دولة قطـر

فندق شيراتون الدوحة، الدوحة، قطر، (27- 29 نوفمبر 2011م)

 




[1] متى ما ورد لفظ “المنطقة”، فإن المقصود منطقة القرن الإفريقي.

 متى ما ورد لفظ “شعوب المنطقة”، فإن المقصود شعوب منطقة القرن الإفريقي. [2]

[3] متى ما ورد لفظ “الرحالة والجغرافيون”، فإن المقصود الرحالة والجغرافيون العرب والمسلمون.

[4] عندما استولى الرومان على قرطاج وخربوها أسسوا مكانها اقليماً دعوه “بروفانسيا أفريكا” التي أصبحت إفريقيا عند العرب، وكانت تطلق على بلاد تونس الحالية تقريباً. المصدر: الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف إفريقيا، ترجمة: محمد حجي ومحمد الأخضر، ط2، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1983م)، ص 27.

[5] يقول اليعقوبي: (…ثم يدخل إلى المدينة العظمى التي يقال لها مدينة إفريقيا على النهر العظيم، الذي يقال له فاس، … وهي مدينة جليلة، كثيرة العمارة، والمنازل). المصدر: اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن واضح، كتاب البلدان، السلسلة الجغرافية (6)، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1988م)، ص 49.

[6] يقول المقدسي: (فأول كورة من قبل مصر برقة ثم إفريقية ثم تاهرت ثم سجلماسة ثم فاس… وأما إفريقية فقصبتها القيروان…). المصدر: المقدسي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ط2، (ليدن: مطبعة بريل، يطلب من مكتبة المثنى ببغداد ومؤسسة الخانجي بمصر، 1906م)، ص 216. وعن حدود إفريقية يقول الحميري: (وطول إفريقية من برقة شرقاً إلى طنجة غرباً وعرضها من البحر إلى الشرق وبها يصاد الفنك الجيد…). المصدر: محمد بن عبد المنعم الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق إحسان عباس، (بيروت: مكتبة لبنان، 1984)، ص 47-48.

[7] وعن معنى إفريقية تحدث الحميري قائلاً: (إفريقية: … سميت بافريقس بن أبرهة ملك اليمن لأنه غزاها وافتتحها، قيل كان بالشين المعجمة ثم عرب بالسين، وقال قوم: معنى إفريقية صاحبة السماء، وقيل سميت بافريق بن إبراهيم عليه السلام من زوجه قطورا، وقيل أهل إفريقية من ولد فارق بن مصر…). المصدر: محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 47-48.

[8] عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، “أفريقيا والعرب والاسلام”، مجلة مركز الوثائق والدراسات الإنسانية، العدد الثالث، السنة الثالثة 1412هـ/ 1991م، مركز الوثائق والدراسات الإنسانية، جامعة قطر، الدوحة، ص 64.

[9] الحسن بن محمد الوزان، رحالة عربي، وُلد في غرناطة. كان قد ابحر عام 1520م من تونس عائداً إلى المغرب، فوقع في أيدي القراصنة الإيطاليين فأسروه، وأخذوه إلى نابولي ثم قدموه هدية إلى البابا في روما. أغدق عليه البابا وناشده اعتناق النصرانية. تظاهر بالتمسح وحمل اسم مالكه وحاميه البابا فصار يدعي (J. Léon) أو يوحنا الأسد الغرناطي أو الإفريقي. عاش ليون في روما حياة علمية وأقام صلات ودية مع العلماء. تعلم الإيطالية واللاتينية، ودرَّس العربية في البلاط البابوي. ألف العديد من الكتب منها كتاباً جامعاً في سير ثلاثين من مشاهير العرب في الفلسفة والطب. وألف معجماً عبرياً عريباً لاتينياً وغيره كثير من الكتب. ألف كتابه وصف إفريقيا لقرائه الطليان سنة 1526م، أي بعد ثمانية أعوام من الإقامة في إيطاليا. نًشر كتابه في مدينة البندقية سنة 1550م، ثم ترجم إلى الفرنسية والإنجليزية واللاتينية والهولندية والألمانية. لقد ظل كتاب وصف إفريقيا المرجع الأساس لمدة قرنين في أوروبا عن الدول العربية والإفريقية ودول شعوب أقطار الساحل، وتلك التي تقع جنوب الصحراء الكبرى. تشير بعض المصادر إلى أن الحسن الوزان استطاع الإفلات من إيطاليا بعد عتقه، بين عامي 1528م و1530م إلى تونس. المصدر: الحسن بن محمد الوزان الفاسي، مصدر سابق، ص 10-11؛ عبد الرحمن حميدة، أعلام الجغرافيين العرب ومقتطفات من آثارهم ، (دمشق: دار الفكر، 1995م)، ص 627-634.

[10]  تمت الرحلات خلال الفترة من 914هـ/ 1508م إلى 926هـ/ 1520م، وقد ضمنها الوزان في كتابه: وصف إفريقيا. يمثل هذا الكتاب القسم الثالث من كتاب الجغرافيا العامة، الذي ألفه الحسن الوزان باللغة العربية. ثم ترجم المؤلف هذا القسم إلى اللغة الإيطالية، أو اعتمد عليه في انشاء وصف إفريقيا بالإيطالية انشاء، وأتمه عام 933هـ/ 1526م بمدينة روما. المصدر: الحسن بن محمد الوزان الفاسي، مصدر سابق، ص 15.

[11] لقد جزأ الحسن الوزان إفريقيا في كتابه، إلى أربعة أجزاء هي: بلاد البربر شمال سلسلة جبال الأطلس الممتدة من تخوم مصر شرقاً إلى المحيط الأطلنطيكي غرباً. وبلاد الجريد جنوبي جبال الأطلس التي كان الرومان يطلقون عليها نوميديا. والصحراء الكبرى المترامية بعد بلاد الجريد. وبلاد السودان الواقعة وراء الصحراء. المصدر: الحسن بن محمد الوزان الفاسي، مصدر سابق، ص 14-15.

[12] وعن حدود إفريقيا، كتب الحسن الوزان قائلاً: تحد إفريقيا، حسب رأي العلماء الأفارقة والجغرافيين، بالنيل من الناحية الشرقية ابتداءً من روافد بحيرة كاوكا جنوباً إلى مصب هذا النهر في البحر المتوسط شمالاً. فتبتدىء إفريقيا شمالاً من مصب النيل وتمتد غرباً إلى أعمدة هرقل، ثم تمتد غرباً من هذا المضيق إلى نون الذي هو آخر أجزاء ليبيا على ساحل البحر المحيط. ومن ثم يبتدىء جنوب إفريقيا ليمتد على طول البحر المحيط الذي يحيط بها كلها إلى صحراء كاوكة. المصدر: الحسن بن محمد الوزان الفاسي، مصدر سابق، ص 27-28.

[13] عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، جوانب من الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا، (أم درمان: مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، جامعة أم درمان الأهلية، 2005م)، ص 87.

[14] المرجع السابق، ص 87.

[15] قاسم وهب، “أخبار النوبة والبجة في مصنفات الجغرافيين العرب خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر للميلاد)”، السودان وإفريقيا في مدونات رحالة الشرق والغرب، ندوة الرحالة العرب والمسلمين، دورة ابن حوقل، ط1، (أبوظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع، 2006)، ص 17.

[16] عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، جوانب من الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في إفريقيا، ص 88.

[17] عبد الغفار محمد أحمد، السودان والوحدة في التنوع: تحليل الواقع واستشراف المستقبل، (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1992)، ص 15

[18] عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي، بعض أوراق هموم عربي إفريقي، (الدوحة: مكتبة دار المتنبي للنشر والتوزيع، 1992م)، ص 120.

[19] حمدي عبدالرحمن، “الملامح الجيوسياسية للصراع في القرن الأفريقي”، من الجزيرة نت، استرجاع (Retrieved) يوم 30 أكتوبر 2011م، الموقع على الإنترنت: http://www.aljazeera.net

[20] المرجع السابق.

[21] قاسم وهب، مرجع سابق، ص 17.

[22] عبد الرحمن حميدة، مصدر سابق، ص 40-41.

[23] المرجع السابق، ص 37.

[24] المرجع السابق، ص 67، 76.

[25] يوسف فضل حسن، دراسات في تاريخ السودان وأفريقيا وبلاد العرب، ج3، (الخرطوم: سوداتك المحدودة، 2007م)، ص 106.

[26]  ابن حَوْقَل، أبو القاسم محمد بن حوقل النصيبي، صورة الأرض، (بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة، 1992م)، ص 284.

[27] منهم الدكتور عبد الرحمن حميدة، مرجع سابق، ص 76.

[28] عبد الرحمن حميدة، مرجع سابق، ص 76.

[29] يوسف فضل حسن، دراسات في تاريخ السودان وأفريقيا وبلاد العرب، ج3، مرجع سابق، ص 106.

[30] قائد العنسي، التداخل السكاني واثره في العلاقات اليمنية الحبشية 1900-2000م، أطروحة دكتوراه، كلية الدراسات العليا، جامعة إفريقيا العالمية، الخرطوم، 2003م، ص 19، (غير منشور).

[31] جوزيف أومارا وخديجة صفوت، “سرديات رحلات العبور التاريخية وأسلمة سلطنة الفونج في القرن السادس عشر، أثر بعض تنويعات الرحالة والتجار على التاريخ الإسلامي والتاريخ الشعبي”، السودان وإفريقيا في مدونات رحالة الشرق والغرب، ندوة الرحالة العرب والمسلمين، دورة ابن حوقل، ط1، (أبوظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع، 2006م)، ص 68-69.

[32] يوسف فضل حسن، انتشار الإسلام في إفريقيا، (الخرطوم: أعمال الخدمات السريعة، 1979م)،  ص 2،3.

[33] محمود خيري عيسي وآخرون، العلاقات العربية الأفريقية: دراسة تحليلية في أبعادها المختلفة، ندوة: معهد البحوث والدراسات العربية، جامعة الدول العربية (القاهرة: دار الطباعة الحديثة، 1978م).ص3، 23.

[34] عبد الله الفكي البشير، العلاقات الخليجية الإفريقية في النصف الثاني من القرن العشرين، مع التركيز علي دولة قطر، رسالة ماجستير، كلية الآداب، كلية الدراسات العليا، جامعة الخرطوم، 2004م، ص 7، (غير منشور).

[35] هو أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح، المعروف باليعقوبي. وهو مؤرخ وجغرافي عربي. نشأ في بغداد وخرج منها في سن الشباب متجولاً في ربوع الدولة الإسلامية، وزار بلداناً عديدة. يُعد أول جغرافي ورحالة عربي وصف الممالك وسجل عنها ملاحظاته. تحدث عن ممالك البجة والنوبة والحبشة، ووصف البلدان في منطقة القرن الإفريقي. يُعد كتابه تاريخ اليعقوبي أقدم كتاب عربي يتضمن التاريخ من آدم حتى ظهور الإسلام وحتى عصر المعتمد على الله العباسي سنة 259هـ. أما كتاب البلدان الذي ألفه حوالي سنة 278هـ/ 891م، فيعتبر أقدم ما صنف في مجاله، وهو كتابه الوحيد في الجغرافية. وله مؤلفات أخرى.

[36] مضيوف عبدالملك الفزار، اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب “اسحاق” بن جعفر بن وهب بن واضح بن عبدالله المنصوري، الكاتب العباسي، الجغرافي المؤرخ صاحب كتاب مشاكلة الناس لزمانهم، في الجغرافيا الإسلامية (1)، (الدوحة: مطابع قطر الوطنية، “ب. ت. ن.”)، ص 23.

[37] هو أبو القاسم عبيدالله بن عبدالله، جغرافي من أصل فارسي، من أوائل الجغرافيين المسلمين الذين دشنوا نمط كتب المسالك والممالك؛ إذ يُعد كتابه: المسالك والممالك من أوائل كتب الجغرافية العربية الموضوعة قبيل التحرر من النتاج اليوناني. ويرى البعض أن خُردَاذَبَة هو أبا الجغرافية العربية بحق، لكونه وضع نمطاً وأسلوباً للجغرافية في اللغة العربية، رغم أنه تأثر بالكتابات الإيرانية في علم الجغرافيا، خاصة وأن الكتاب يزودنا بمعلومات تاريخية مستقاة من المصادر الفارسية عن الحياة في الجاهلية. والمرجح أن ابن خرداذبه وضع كتابه سنة (232هـ 846م)، وظل يضيف إليه بعض الزيادات إلى أن ظهرت نسخته الثانية عام (272هـ 855م). المصدر: ابن خُردَاذَبَة، أبو القاسم عبيدالله بن عبدالله، المسالك والممالك، (بغداد: مكتبة المثنى، “ب. ت. ن.”)، ص 1-2.

[38] هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر، المعروف بالبناء، وبالبشاري، وبالشامي، المقدسي. وُلد في بيت المقدس. وكان حفيداً لبناء اشتهر ببنائه لميناء عكة في عهد أحمد بن طولون. تعلم القراءة والكتابة وشيء من النحو وعلوم اللغة وحفظ القرآن. ارتحل إلى العراق وهناك تفقه على مذهب أبي حنيفة وجالس العلماء والفقهاء. كانت له ميول معمارية. سافر وتجول في الأقطار الإسلامية متعرفاً على الناس وباحثاً عن عقائدهم. بدأ في تأليف كتابه عام 375هـ/ 985م وأنجزه في بحر ثلاثة أعوام. يتميز المقدسي بأن دقيق الملاحظة وناقد يتحرى ما ينقل. يُعتبر كتابه أفضل ما خط في الجغرافية العامة، لأنه عول في كثير مما كتبه على اختباراته الشخصية ومشاهداته العيانية، مثل لزوم المكتبات لتحقيق ما سمع. زار العراق والشام والمغرب ومصر وأقطار عديدة. تحدث عن النوبة والحبشة والبجة، ووصف بعض مدنهم.

[39] أبو اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي الإصطخري. يعود أصله إلى إصطخر، وهي مدينة فارسية. زار أكثر أقطار آسيا حتى بلغ سواحل المحيط الهندي، ودخل الهند. وقسم العالم الإسلامي إلى عشرين إقليماً جغرافياً في كتابه: المسالك والممالك. وصف في كتابه العرب والسند والهند والمغرب والأندلس وبلاد الشام ومصر وبعض نواحي منطقة القرن الإفريقي ومناطق أخرى كثيرة. تحدث عن الجبال والبحار والأنهار والمدن وطرق المواصلات والتجارة والصناعة…إلخ.

[40] هو أبو القاسم محمد بن علي الموصلي المعروف بابن حوقل. رحالة من علماء البلدان. كان تاجراً. رحل من بغداد سنة 331 هـ ودخل المغرب وصقلّيّة، وجاب بلاد الأندلس وزار شمال إفريقيا وفارس وبلاد ما وراء النهر وأجزاء من بلاد السودان، وبلاد النوبة، ومملكة علوة وغيرها. يرى البعض أنه (كان عيناً للفاطميين). وعاد من أسفاره عام 362هـ/973م، بعد نحو ثلاثين عاماً. اشتهر ابن حوقل بكتاب وحيد طُبع في ليدن وفي الطبعة الأولى نُشر باسم: المسالك والممالك، والمفاوز والمهالك، ثم حُسنت هذه الطبعة ونُشرت بعنوان: صورة الأرض. التقى أبا أسحاق الاصطخري عام 340هـ/951م، الذي طلب منه اصلاح كتابه: المسالك والممالك، قال ابن حوقل: (ولقيت أبا إسحاق الفارسي… وقال: قد نظرتُ في مولدك وأثرك، وأنا أسألك إصلاح كتابي هذا حيث ضللت فأصلحتُ منه غير شكل وعزوتُه إليه، ثم رأيت أن أنفرد بهذا الكتاب وإصلاحه وتصويره أجمعه وإيضاحه…). ويرى البعض أن ابن حوقل انتحل كتاب الإصطخري.

[41] هو عبدالله بن أحمد بن سليم الأسواني، الداعية الفاطمي. أرسله القائد الفاطمي جوهر الصقلي إلى قيرقي ملك المقرة في نحو 365هـ/ 975م ليدعوه إلى الدخول في الإسلام، ويطلب منه أن يفي النوبيون ما عليهم من متأخرات البقط، الذي كان قد توقف الالتزام به منذ عهد الأخشيديين. قام الأسواني بالرحلة وزار بلاد المقرة، وبلاد علوة، وتوغل حتى بلغ سوبا حاضرة علوة، ويرى البعض أنه لم يصل ديار البجة. كان من نتاج تلك الرحلة كتاب: أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل، والكتاب مفقود ولكن ورد جزء منه في كتاب المقريزي المواعظ والاعتبار.

[42] هو أبو معين الدين ناصر خسرو القُبادياني المروزي، فارسي الأصل والنشأة والثقافة. وُلد في بلدة فباديان من أعمل مرو. نال حظاً وافراً من المعارف. عاش نيفاً وأربعين عاماً من حياته عاملاً حكومياً متوسط الحال بمدينة مرو في ديوان السلاجقة. اعتراه تحول نفسي عميق دفعه إلى التجوال سبع سنوات، بعد أن ظل يعيش حياة ترف وملاهي وملذات، وبدأ حياة جد وسفر وعلم وتقوى. سافر إلى الحج ثم تنقل في عدد من البلدان. منها: بيت المقدس ودخل سوريا وقصد حلب، وزار الشاعر الكفيف أبا العلا المعري في معرة النعمان، وسافر إلى مصر وجاء إلى منطقة القرن الإفريقي في طريقه لأداء الحج عن طريق ميناء عيذاب. ويغلب الظن أن أعتنق المذهب الإسماعيلي في القاهرة، وأصبح داعية متحمساً لمذهبهم في وطنه. وصل إلى بلخ 1052م ولكن السلاجقة نظروا إليه كخطر وطاردوه، وأطروه للفرار إلى بلاد ما وراء النهر وبقى في منفاه إلى أن توفي. صنف كتاب سفر نامة باللغة الفارسية، الذي تضمن وصفاً دقيقاً لرحلاته. كان يسجل شهاداته أولاً بأولاً، وكان دقيق الملاحظة.

[43] هو أبو عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي، الشهير بالإدريسي، ولد في سبة. انتقل مع أسرته وهو صغير إلى قرطبة. تلقى العلم في جامعاتها، ودرس فيها العلوم والرياضيات وكلن له اهتمام بدراسة التاريخ والجغرافية. بدأ أسفاره في سن مبكرة. وفي عام 1138 سافر قاصداً بالرمو عاصمة صقلية تلبية لدعوة ملكها روجر الثاني حيث كلفه بتصنيف كتاب شامل في وصف مملكته وسائر الأصقاع المعروفة في ذلك العهد. ظل الإدريسي  وثيق الصلة بروجر إلى وفاة الأخير عام 1154م، بعد أن أنجز له كتابه الشهير: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، في سنة 518هـ/ 1123م. كان الكتاب يُنسب إلى أمير البلاد فيقال: كتاب رجار أو الكتاب الرجاري. غادر الإدريسي صقلية في أيام شيخوخته راجعاً إلى مسقط رأسه سبته وتوفي فيها. قدم في كتابه معلومات دقيقة عن نهر النيجر وعن السودان ومنابع نهر النيل. عبد الرحمن حميدة، أعلام الجغرافيين العرب ومقتطفات من آثارهم ، (دمشق: دار الفكر، 1995م)، ص 388-394

[44] هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير، الأندلسي، الشاطبي. ولد في بلنسة، وهو ينحدر من أسرة عربية سكنت الأندلس. كان من علماء الأندلس في الفقه والحديث. اشتهر بكتابه رحلة ابن جبير، الذي وضعه بعد أن قام بثلاث رحلات، أهمها رحلة استغرقت أكثر من ثلاث سنوات، بدأها عام 578هـ/ 1182م. وختمها في عام 581هـ/ 1185م. وابن جبير قوي العاطفة الدينية، يختم كل كلام بالدعاء إلى الله تعالى والتوكل عليه جل جلاله. استقر في آخر رحلته في مصر والإسكندرية، حيث توفي فيها سنة 614هـ. المصدر: ابن جبير، أبو الحسين محمد بن أحمد، رحلة ابن جبير، (بيروت: دار صادر للطباعة والنشر / دار بيروت للطباعة والنشر، 1964م)، ص 5-6.

[45] هو أبو عبد الله بن زكريا بن محمد بن محمود القزوينى. وُلد في بلدة قزوين الواقعة في شمال إيران. رحل في شبابه إلى دمشق ودرس فيها وتأثر كثيراً بمحي الدين بن عربي. ثم ذهب إلى العراق واستقر بها وتولى القضاء وكان ذلك في خلافة المستعصم العباسى وظل في منصبه حتى سقطت بغداد في يد المغول سنة 656هـ. خلف القزويني معجماً جغرافياً يحمل عنوانين مختلفين أقدمهما: عجائب البلدان، والعنوان الثاني: آثار البلاد وأخبار العباد. وفيه وصف للبلاد وسكانها، وقسمها إلى سبعة أقليم. نقل القزويني مما كتبه سابقوه من الجغرافيين المسلمين وأستفاد من مشاهدات الرحالة عن الأندلس وبلاد أوروبا الغربية ومنطقة القرن الإفريقي وأوساط إفريقيا. وله كتب أخرى. المصدر: عبد الرحمن حميدة، مصدر سابق، ص 503-504.

[46] هو محمد بن عبد المنعم الصنهاجي الحميري، يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن عبد المنعم، من أهل سبتة. أخذ ببلده عن أبي إسحاق الغافقي، ولازم أبا القاسم ابن الشاط وانتفع به وبغيره من العلماء. قدم غرناطة مع الوفد الذي قدم من أهل سبتة عندما صار إلى إيالة الملوك من بني نصر لما وصلوا بالبيعة. اشتهر بمعجمه الجغرافي: الروض المعطار في خبر الأقطار. ترتيب معجمه ترتيباً هجائياً، واهتم بوصف المدن والأقطار والجزر والبحار. نقل الكثير من مادة معجمه من السابقين.

 

محمد بن عبد المنعم الحميري، أبو عبد الله ويعرف بابن عبد المنعم، عالم بالبلدان والسير والأخبار، اختلف في سنة مولده ووفاته ومع كل هذا يبقى الاحتمال الأرجح هو وفاته في النصف الأول من القرن الثامن الهجري.

وشبيه بهذا الخلاف ما دار حول موطنه؛ فلقد ظنه المقري أندلسياً، معولاً على اهتمامه بالأندلس أحداثاً وجغرافية. وأغلب الظن ما ذهب إليه لسان الدين وابن المقاسم في نسبة الحميري إلى سبتة، إذ هو مدفون هناك بمقبرة المنارة، فهما أقرب إليه زماناً من الأندلس والمغرب ثقافة ومكاناً.

 

محمد بن عبد المنعم الحميري، أبو عبد الله ويعرف بابن عبد المنعم، عالم بالبلدان والسير والأخبار، اختلف في سنة مولده ووفاته ومع كل هذا يبقى الاحتمال الأرجح هو وفاته في النصف الأول من القرن الثامن الهجري.

وشبيه بهذا الخلاف ما دار حول موطنه؛ فلقد ظنه المقري أندلسياً، معولاً على اهتمامه بالأندلس أحداثاً وجغرافية. وأغلب الظن ما ذهب إليه لسان الدين وابن المقاسم في نسبة الحميري إلى سبتة، إذ هو مدفون هناك بمقبرة المنارة، فهما أقرب إليه زماناً من الأندلس والمغرب ثقافة ومكاناً.

محمد بن عبد المنعم الحميري، أبو عبد الله ويعرف بابن عبد المنعم، عالم بالبلدان والسير والأخبار، اختلف في سنة مولده ووفاته ومع كل هذا يبقى الاحتمال الأرجح هو وفاته في النصف الأول من القرن الثامن الهجري.

وشبيه بهذا الخلاف ما دار حول موطنه؛ فلقد ظنه المقري أندلسياً، معولاً على اهتمامه بالأندلس أحداثاً وجغرافية. وأغلب الظن ما ذهب إليه لسان الدين وابن المقاسم في نسبة الحميري إلى سبتة، إذ هو مدفون هناك بمقبرة المنارة، فهما أقرب إليه زماناً من الأندلس والمغرب ثقافة ومكاناً.

محمد بن عبد المنعم الحميري، أبو عبد الله ويعرف بابن عبد المنعم، عالم بالبلدان والسير والأخبار، اختلف في سنة مولده ووفاته ومع كل هذا يبقى الاحتمال الأرجح هو وفاته في النصف الأول من القرن الثامن الهجري.

وشبيه بهذا الخلاف ما دار حول موطنه؛ فلقد ظنه المقري أندلسياً، معولاً على اهتمامه بالأندلس أحداثاً وجغرافية. وأغلب الظن ما ذهب إليه لسان الدين وابن المقاسم في نسبة الحميري إلى سبتة، إذ هو مدفون هناك بمقبرة المنارة، فهما أقرب إليه زماناً من الأندلس والمغرب ثقافة ومكاناً.

 وكان يعتمد في تصنيفه على الكتب. المصدر:  محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، (مقدمة المحقق).

[47] هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي الملقب بـ شمس الدين، المعروف بابن بطوطة. ولد في طنجة، ومكث فيها إلى أن بلغ الثانية والعشرين، فاندف بدافع التقوى إلى الحج. وانساق بحبه الأسفار إلى التجوال فطاف في مصر وسوريا وجزيرة العرب، وإفريقية الشرقية، وآسية الصغرى، وروسيا الجنوبية والهند والصين، والأندلس والسودان. استغرقت رحلاته الثلاث تسع وعشرين سنة. أقام في الهند حيث تولى القضاء سنتين ثم الصين حيث تولى القضاء سنة ونصف. تغلغل في إفريقيا وأعطى عنها معلومات قيمة. نزل بعد رحلاته في فاس وأقام في حاشية السلطان أبي عنان من أمراء بني مَرِين، يحدث الناس بما رآه وما سمعه، فأمره السلطان بأن يكتب هذه الأخبار؛ ولما كان الهنود قد سلبوه في بعض جولاته في الهند كل ما كان قد دونه في مذكراته، أملى، ما تذكره، على كاتب السلطان، محمد بن جُزَيّ الكلبي، وقد سمى مجموعة أخباره تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ولكنها تُعرف اليوم بـ رحلة ابن بطوطة. لم يكن ابن بطوطة عالماً ولا مفكراً ولا منشئاً بليغاً، وإنما جوَّاب آفاق، دقيق الملاحظة، المصدر: ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، رحلة ابن بطوطة، (بيروت: دار صادر، 1962م)، ص 5-7.

[48] عبد الرحمن حميدة، مرجع سابق، ص 41-61.

[49] مروان العطية، “منهج الرحالة المسلمين في التعريف بالأمصار: السودان نموذجاً”، السودان وإفريقيا في مدونات رحالة الشرق والغرب، ندوة الرحالة العرب والمسلمين، دورة ابن حوقل، ط1، (أبوظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع، 2006م)، ص 41.

[50] نقولا زيَادَة، الجغرافية والرحلات عند العرب، (بيروت: مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، 1962م)، ص 167.

[51] يوسف فضل حسن، دراسات في تاريخ السودان وأفريقيا وبلاد العرب، ج 3، مرجع سابق، ص 105، 124.

[52] يوسف فضل حسن، دراسات في تاريخ السودان وأفريقيا وبلاد العرب، ج3، مرجع سابق، ص 111.

[53] عبد الرحمن حميدة، مرجع سابق، ص 77-78.

[54]  الإصطخري، أبي اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي، المسالك والممالك، تحقيق محمد جابر عبدالعال الحيني ومحمد شفيق غربال، (القاهرة: دار القلم، 1961م)، ص 31.

[55]  ابن حَوْقَل، أبو القاسم محمد بن حوقل النصيبي، مصدر سابق، ص 55.

[56] المصدر السابق، ص 31.

[57]  ابن حَوْقَل، أبو القاسم محمد بن حوقل النصيبي، مصدر سابق، ص 55، 60، 61.

[58]  الإصطخري، أبي اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي، مصدر سابق، ص 32.

[59]  ابن حَوْقَل، أبو القاسم محمد بن حوقل النصيبي، مصدر سابق، ص 63.

[60] الإصطخري، أبي اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي، مصدر سابق، ص 20.

[61] المقدسي، محمد بن أحمد المقدسي، مصدر سابق، ص 241.

[62] الإصطخري، أبي اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي، مصدر سابق، ص 39- 42.

[63] المقدسي، محمد بن أحمد المقدسي، مصدر سابق، ص 193.

[64] الإدريسي، أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي الحسني، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، مج1، (بور سعيد: المكتبة الثقافة الدينية، “د. ت.”).

[65] الإدريسي، أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي الحسني، مصدر سابق.

[66] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 585.

[67] الإدريسي، أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي الحسني، مصدر سابق، ص 31.

[68] الإصطخري، أبي اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي، مصدر سابق، ص 20.

[69] القزويني، زكرياء بن محمد بن محمود، آثار البلاد وأخبار العباد، (بيروت: دار صادر، بدون تاريخ نشر)، ص 18-19.

[70] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق.

[71] ابن جبير، أبو الحسين محمد بن أحمد، مصدر سابق، ص 46-47.

[72] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 423.

[73] ناصر خسرو، سفر نامه، ترجمة يحي الخشاب، (بيروت: دار الكتاب الجديد، 1983م)، ص 32.

[74] الإدريسي، أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي الحسني، مصدر سابق، ص 47.

[75] القزويني، زكرياء بن محمد بن محمود، مصدر سابق، ص 24.

[76] المصدر السابق، ص 39.

[77]  الإصطخري، أبي اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي، مصدر سابق، ص 31-32.

[78] ابن حَوْقَل، أبو القاسم محمد بن حوقل النصيبي، مصدر سابق، ص 55، 61.

[79] المصدر السابق، ص 55.

[80] المصدر السابق، ص 48-49.

[81] المصدر السابق، ص 61-62.

[82] ناصر خسرو، مصدر سابق ، ص 32.

[83] المصدر السابق، ص 32.

[84] ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 52-52-54.

[85] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 244.

[86] القزويني، زكرياء بن محمد بن محمود، مصدر سابق، ص 20.

[87] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 332.

[88] ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 52-54.

[89] المصدر السابق، ص 254-257.

[90] اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب، تاريخ اليعقوبي، ج1، (بيروت: دار العراق للطباعة والنشر،  1955م)، 17-18.

[91] القزويني، زكرياء بن محمد بن محمود، مصدر سابق، ص 24.

[92] من بين هذه المشاريع، مشروع رابطة الشرق والغرب/ بروتا؛ وهو مشروع: “عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين”، وتقوم عليه الدكتورة سلمى الخضاراء الجيوسي، مدير عام رابطة الشرق والغرب/ بروتا. وقد أشارت إلى المشروع في تقديمها لكتاب أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك. قالت الجيوسي: يدور المشروع “عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين” أولاً حول رؤيا العرب والمسلمين في القرون الوسطى للآخر. المصدر: ابن سباهي زاده، محمد بن علي البروسي، أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك، تحقيق المهدي عيد الرواضية، ط2، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 2008م)، ص 5-7.

[93] علي بن عبدالله الدفاع، رواد علم الجغرافية في الحضارة العربية والإسلامية، ط2، (الرياض: مكتبة التوبة، 1993م)، ص 45.

[94] عبد الرحمن حميدة، مصدر سابق، ص 40-41.

[95] الإقليم الرابع كما عرفه الإدريسي قائلاً: “فإن مبدؤه من المغرب الأقصى حيث البحر المظلم ومنه يخرج خليج البحر الشامي ماراً إلى المشرق وفي هذا الجزء المرسوم بلاد الأندلس المسماة باليونانية اسبانيا وسميت جزيرة الأندلس جزيرة لأنها شكل مثلث وتضيق من ناحية المشرق حتى تكون بين البحر الشامي والبحر المظلم المحيط.” الإدريسي، مصدر سابق، ص 525.

[96] الإقليم الثالث كما عرفه الإدريسي: “مبدؤه من البحر الكبير المحيط بالجهة الغربية من كرة الأرض وفيه من الجزائر جزيرة ساوة قرب البحر المظلم” (في الغالب منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط). المصدر: الإدريسي، مصدر سابق، ص 217.

[97] الإدريسي، أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي الحسني، مصدر سابق، ص 525.

[98] القزويني، زكرياء بن محمد بن محمود، مصدر سابق، ص 22.

[99] المصدر السابق، ص 62.

[100] المصدر السابق، ص 22-23.

[101] ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 693.

[102] المصدر السابق، ص 692.

[103] عبد الرحمن حميدة، مصدر سابق، ص 62.

[104] ابن خُردَاذَبَة، أبي القاسم عبيدالله بن عبدالله، مصدر سابق، ص 176.

[105] المقدسي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء البشاري، مصدر سابق، ص 22.

[106] ناصر خسرو، مصدر سابق، ص 19.

[107] ابن حَوْقَل، أبو القاسم محمد بن حوقل النصيبي، مصدر سابق، ص 10.

[108] ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 5-7.

[109] محمود الشرقاوي، رحلة مع ابن بطوطة من طنجة إلى الصين والأندلس وإفريقيا، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1968م)، ص 13-16.

[110] ابن حَوْقَل، أبو القاسم محمد بن حوقل النصيبي، مصدر سابق، ص 11.

[111] ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 252.

[112] ابن جبير، أبو الحسين محمد بن أحمد، مصدر سابق، ص 48-49.

[113] المقدسي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر، مصدر سابق، ص 33-35.

[114] اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن واضح، كتاب البلدان، مصدر سابق، ص 9.

[115] المقدسي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر، مصدر سابق، ص 33.

[116] القزويني، زكرياء بن محمد بن محمود، مصدر سابق، ص 18-19.

[117] المصدر السابق، ص 18-19.

[118] ناصر خسرو، مصدر سابق، ص 32.

[119] ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 298.

[120] المصدر السابق، ص 244.

[121] المصدر السابق، ص 271.

[122] اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن واضح، كتاب البلدان، مصدر سابق، ص 94-95.

[123] المقدسي، محمد بن أحمد المقدسي، مصدر سابق، ص 193.

[124] الإصطخري، أبي اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي، مصدر سابق، ص 39- 42.

[125] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 588.

[126] المقريزي، أحمد بن علي، المواعظ والاعتبار، ص 82، من المكتبة الإسلامية الشاملة، استرجاع (Retrieved) يوم 17 يونيو 2011م، الموقع على الإنترت: www.islamport.com

[127] القزويني، زكرياء بن محمد بن محمود، مصدر سابق، ص 39.

[128] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 332.

[129] ابن جبير، أبو الحسين محمد بن أحمد، مصدر سابق، ص 35-38.

[130] المصدر السابق، ص 48-49.

[131] المصدر السابق، ص 49-51.

[132] المصدر السابق، ص 46-47

[133] هذه الأسئلة المهمة، لفت نظري إليها أستاذي البوفيسور يوسف فضل حسن، وذلك أثناء نقاش وحوار بيني وبينه حول هذه الورقة.

[134] ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 281-284.

[135] الإصطخري، أبي اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي، مصدر سابق، ص 40-42.

[136] المقدسي، محمد بن أحمد المقدسي، مصدر سابق، ص 194.

[137] ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 17.

[138] الإصطخري، أبي اسحق إبراهيم بن محمد الفارسي، مصدر سابق، ص 15-17.

[139] ابن حَوْقَل، أبو القاسم محمد بن حوقل النصيبي، مصدر سابق، ص 19-20.

[140] اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب، تاريخ اليعقوبي، مصدر سابق، 1955م، 217-219.

[141] ابن حَوْقَل، أبو القاسم محمد بن حوقل النصيبي، مصدر سابق، ص 25.

[142] ابن خُردَاذَبَة، أبي القاسم عبيدالله بن عبدالله، مصدر سابق، ص 17،16.

[143] الإدريسي، أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي الحسني، مصدر سابق، ص 39-40.

[144] اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن واضح، كتاب البلدان، مصدر سابق، ص 95.

[145] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 236-237.

[146] ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 244.

[147] المصدر السابق، ص 52-54.

[148]  ابن حَوْقَل، أبو القاسم محمد بن حوقل النصيبي، مصدر سابق، ص 56.

[149] ابن جبير، أبو الحسين محمد بن أحمد، مصدر سابق، ص 49.

[150] المصدر السابق، ص 48-49.

[151] ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 281-284.

[152] اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب، تاريخ اليعقوبي، مصدر سابق، ص 217-219.

[153] ابن خُردَاذَبَة، أبي القاسم عبيدالله بن عبدالله، مصدر سابق، ص 365.

[154] الإدريسي، أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي الحسني، مصدر سابق، ص 47.

[155] ناصر خسرو، مصدر سابق، ص 32.

[156] ابن جبير، أبو الحسين محمد بن أحمد، مصدر سابق، ص 46-47

[157] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 294.

[158] القزويني، زكرياء بن محمد بن محمود، مصدر سابق، ص 22-23.

[159] المصدر السابق، ص 39.

[160] الإدريسي، أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي الحسني، مصدر سابق، ص 27-31.

[161] المقدسي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء البشاري، مصدر سابق، ص 241.

[162] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 236-237.

[163] المصدر السابق، ص 236-237.

[164] الإدريسي، أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي الحسني، مصدر سابق، ص 27-31.

[165] اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب، تاريخ اليعقوبي، مصدر سابق، 1955م، 217-219.

[166] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 58.

[167] المقدسي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء البشاري، مصدر سابق، ص 241.

[168] المصدر السابق، ص 241-242.

[169] الإدريسي، أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي الحسني، مصدر سابق، ص 27-31.

[170] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 332.

[171] اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن واضح، كتاب البلدان، مصدر سابق، ص 80.

[172] ابن حَوْقَل، أبو القاسم محمد بن حوقل النصيبي، مصدر سابق، ص 61-62.

[173] القزويني، زكرياء بن محمد بن محمود، مصدر سابق، ص 39.

[174] المصدر السابق، ص 45.

[175] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 85.

[176] المصدر السابق، ص 176.

[177] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 244.

[178] القزويني، زكرياء بن محمد بن محمود، مصدر سابق، ص 44.

[179] ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 252.

[180] المصدر السابق، ص 254-257.

[181] ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 252.

[182] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 11.

[183] ناصر خسرو، مصدر سابق، ص 32.

[184] المصدر الساق، ص 32.

[185] ابن جبير، أبو الحسين محمد بن أحمد، مصدر سابق، ص 49-51.

[186] المصدر السابق، ص 49-51.

[187] الإدريسي، أبي عبدالله محمد بن محمد بن عبدالله بن إدريس الحموي الحسني، مصدر سابق، ص 47.

[188] ناصر خسرو، مصدر سابق، ص 32.

[189] يوسف فضل حسن، دراسات في تاريخ السودان وأفريقيا وبلاد العرب، ج3، مصدر سابق، ص 117.

[190] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 48.

[191] المصدر السابق، ص 180.

[192] محمد بن عبد المنعم الحميري، مصدر سابق، ص 619.

[193] من الشواهد على أن كتب الرحالة والجغرافيون تنطوي على الكثير من المعلومات عن منطقة القرن الإفريقي، من خلال تجربتي البحثية المتواضعة، أذكر أنني حينما كنت طالباً بكلية الآداب بجامعة الخرطوم، وجهني أستاذي البروفيسور يوسف فضل حسن وأنا في السنة الخامسة (مرتبة الشرف) بأن يكون موضوع بحث تخرجي هو: تاريخ سوق تمبول وآثاره الاجتماعية والاقتصادية. سوق تمبول هو أكبر سوق للجمال في السودان. ومدينة تمبول تقع على بعد 120 كلم جنوب شرق الخرطوم. بدأت العمل في البحث، كان أول ما شغلني هو معنى مفردة تمبول ودلالاتها. وبدأت البحث عن المعنى في الكتب وفي المعاجم الجغرافية في السودان، وعند أهل الاختصاص، وقابلت عدد من كبار السن بالمنطقة وسألتهم، ولم أظفر بشىء. خلاصة الأمر أكملت بحثي دون الإشارة لمعنى تمبول. كان ذلك نحو عام 1997م. وظللت منذ ذلك الوقت مشغولاً بمعنى تمبول (تنبول)، حتى ظفرت قبل نحو عام بالمعنى لدى ابن بطوطة. أشار ابن بطوطة إلى أن تنبول هو نوع من الشجر لا ثمر له، وإنما المقصود ورقه، يوجد حول مقديشو وكلوة، وفي الهند. وتحدث بإذهاب عن مكان زراعته، وعن خصائصه وفوائده، وقال بأنه طيب النكهة، ويذهب بروائح الفم، ويهضم الطعام، ويقطع ضرر شرب الماء على الريق، ويفرح آكله، ويعين على الجماع. المصدر: ابن بطوطة، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، مصدر سابق، ص 262-264، 587.