محمد جلال أحمد هاشم الدّولة هي الإطار المؤسّسي لتحقيق حداثة مثلى. وبما أنّ الدّولة ليست شخصاً ولا مجموعة أشخاص بل مؤسّسة لبلورة وتسليك الإرادة الجمعيّة، فإنّها تحتاج بدءاً إلى جملة من التّصوّرات التي يقدّمها بعض الأفراد ريثما تتحوّل إلى وعي جمعي، فتنعكس إلى سياسات تقوم الدّولة بتطبيقها. على هذا يكون المجتمع هو الذي يحقّق الحداثة على وجه التّحقيق، وبطريقة مثلى عبر مؤسّسة الدّولة.

ولا توجد حداثة لا تمسك بتلابيب سمات الأصالة في المجتمع المعني. فأيّما تغيير يطرأ على المجتمع، ولو بدا أنّه حداثوي، ليس سوى تغيير لا يُعرف له حال من التّطوّر طالما لا يأخذ بتراث المجتمع المعني فينهض به نحو آفاق جديدة قد كسبها اختراعاً واجتراحاً وتثاقفاً.

فمتى، تُرى، بدأت الحداثة في السّودان؟ أم تُرى ينبغي للسّؤال أن يكون: متى توقّفت الحداثةُ في السّودان؟ لقد بدأ السّودان الحديث بمجيء السّلطنة الزّرقاء، وليس الاستعمار المصري التّركي. فمؤسّسة الدّولة ربّما كانت غير عصريّة، لكنّها كانت وطنيّة indigenous، محكومة وفق آليّات التّفاعل الجارية. وكذلك كانت مؤسّسات التّعليم التّقليديّة، بالرّغم من عدم عصريّتها. فيما بعد الاستعمار المصري التّركي أصبحت مؤسّسة الدّولة تجري وفق المعايير العصريّة المتعلّقة بمؤسّسة الدّولة الحديثة. ولكن هذا لا يعني أنّها قد حقّقت لنا أيّ قدر من الحداثة، إذ عملت على تدمير البنى السّياسيّة الوطنيّة بدلاً من تطويرها؛ كما عملت على تهميش البنى التّربويّة التّقليديّة بما من شأنه تحجيم دورها القيادي للمجتمع. في المقابل قامت بزرع طبقة الأفنديّة، ربيبة الاستعمار.

من المؤكّد أنّه أصبحت لدينا مؤسّسة دولة وفق المعايير العصريّة، عادلةً كانت أم ظالمة، وقد بدأت مع ذلك الحكم الاستعماري. حتّى المهديّة لم تتمكّن من ابتداع نمط مؤسّسي للدّولة يخالف ما وجدت عليه الأوضاع، بالرّغم من اختلافها الفكري عن ذلك الذي قامت عليه الإدارة الاستعماريّة المصريّة التّركيّة. ولكن لا ينبغي أن ننسى أن مؤسّسة الدّولة العصريّة (ليس بالضّرورة الحداثويّة) قد تبلورت متحالفةً مع ثقافة المركز، الأمر الذي كرّس من تسلّح المركز بمؤسّسة الدّولة. وهو الأمر الذي لم يتغيّر بتطوّر مؤسّسة الدّولة. إذن، فقد تطوّرت مؤسّسة الدّولة ولكن في فضاء زمكاني يقوم على آليّات التّمركز والتّهميش وآليّات إعادة إنتاج الثّقافات السّودانوأفريقيّة ليعطينا ناتج هذه العمليّة الثّقافات السّودانوعروبيّة. وهو ما سارت عليه المهديّة أيضاً دون أن تقدر على مجافاته، إذ استندت دولتُها على متبقّيات طبقة الأفنديّة الذين ورثتهم من الحكم الاستعماري المصري التّركي، دون أن تنتجها بحكم اختلاف نظامها التّعليمي. وقد كان حاصل هذه العمليّة السّلطويّة هو تبلور الصّفوة التي ستشغل مقاعد المركز. وفيما بعد أعانت القوى الاستعماريّة البريطانيّة المصريّة المركز كيما يُحكم قبضته عبر التّعليم النّظامي والفقه الإسلامي المنغلق وجاه الوظيفة. إذ خلقته على صورتها، فكان المركز الذي أدار البلاد ولا يزال، متعمّقاً بذلك في اغترابه واستلابه. ولكن مع كلّ هذا، تحقّق لنا قدر، ولو يسير، من الحداثة، خاصّةً في القرن العشرين بُعيد الحكم الاستعماري المصري البريطاني. إذ لا يمكن أن ينفتح المجتمع على ثقافات جديدة دون أن يؤدّي هذا إلى شكل من أشكال التّفاعل.

يمكن إحالة معظم ما بلغنا من حداثة في هذا الشّأن، على ضآلته، إلى أربع روافد رئيسيّة سنقوم بتبيانها أدناه. أوّلاً، في مجال السّلوك الاجتماعي الذي لم يُجترح وفق رؤية نظريّة بعينها، بل جرى اكتسابه بالتّثاقف، لا أجد غير المجموعات السّوداء (بمعايير اللون السّودانيّة ـ فجميع السّودانيّين  لدينا سود) المنبتّة قبليّاً التي انحدر أغلبُها من مؤسّسة الرّقّ، وانحدروا هم أنفسهم من المؤسّسة العسكريّة أوّل القرن العشرين. فهذه هي الطّبقة لم تقم بريادة العديد من المؤسّسات الإبداعيّة فيما اشتُهر عنها، مثل مؤسّسة الرّقص والغناء، خاصّةً عندما تحامته القبائل ذات الأصول العربيّة بوسط السّودان ومراكزه الحضريّة، فحسب، بل قطعت أشواطاً أكبر بكثير. إذ تكاد أن تكون لوحدها التي أدخلت جميع الأطعمة التي نعرفها في السّودان ذي الثّقافة العربيّة الإسلاميّة اليوم. كما هي التي دشّنت السّلوك المنزلي البيتي الذي نعرفه الآن، من جلوس على الكراسي ونومٍ على الأسرّة، وتناول الطّعام على السّفرة، أي على تربيزة وليس جلوساً على الأرض. هذا بخلاف اشتمال المنزل على أرفف للكتب بغية مطالعتها بُعيد الغداء، ثمّ وجود الفونوغراف للاستماع للموسيقىوهكذا. ثمّ هي نفسها الطّبقة التي رادت تعليم المرأة وتخديمها، فضلاً عن ريادتها ومقاربتها الرّشيدة لمفهوم الحركة الوطنيّة السّودانيّة الحديثة ممثّلةً في حركة اللواء الأبيض وثورة 1924م التي قادها الزّعيم علي عبد اللطيف ومعه إخوة ينتمون لنفس الأرومة الطّيّبة مثل ثابت عبد الرّحيم وعبد الفضيل الماظ وغيرُهم كثر من روّاد حركة اللواء الأبيض وثورة 1924م.

الرّافد الثّاني للحداثة هو تحرير السّلوك العام من رِبْقة التّقليديّة دون فقدان الأصالة. وهذا ما أرى أنّه لا يمكن إحالته إلاّ إلى مدرسة فكريّة بعينها، هي الحركة اليساريّة ممثّلةً في الحزب الشّيوعي السّوداني. إذ ليس من اليسر أن نقع على مبدعٍ في مجال الشّعر أو الأغنية أو الرّسم أو الفكر عامّة (ثمّ التّحرّر العام)، منتصف القرن العشرين إلى نهاياته، لم يُدْلَفْ إلى المشهد العام عبر رواق الحزب الشّيوعي ومشايعيه من المثقّفين عامّة. هذا فضلاً عن حداثويّة العمل النّقابي وتفعيل العمّال والمزارعين بسيطي التّعليم بحيث ينالوا درجة عالية من الوعي بحقوقهم وبقضايا أخرى تتعلّق بالحقوق العامّة، السّياسيّة والوطنيّة. وهو ما أخذته عنهم باقي القوى السّياسيّة باعتباره معطة وأمراً مسلّماً به. أمّا الرّافد الثّالث فذلك الذي يدخل في مجال السّلوك الدّيني المتسامح والمستنير؛ ولا أجد غير حركة الجمهوريّين التي رادها وقادها شهيد الفكر الأستاذ محمود محمّد طه، وقدّم حياته ثمناّ لها. فقد قدّم الجمهوريّون، يحدوهم أستاذُهم العملاق، نموذجاً حيّاً لكيف ينبغي أن يكون المسلم عفّاً في لسانه، هادئاً في طبعه، شجاعاً في فكره دون تنطّع؛ ثمّ شخصاً مسالماً لا يؤمن بالعنف باعتباره من أسلحة الجهاد الأصغر. ولا غرو فقد استقبلوا عهد الجهاد الأكبر، فكان أن سلم النّاس من يدهم ومن لسانهم، وبالتّالي قدّموا نموذجاً حيّاً لما ينبغي للمسلم أن يكونه في هذا العصر. كما أدخل الجمهوريّون أدب الحوار والمناظرة الفكريّة (أركان النّقاش)، وهذا، في رأينا أهمّ مؤسّسة فكرانيّة لعبت دوراً فريداً في تطوّر الفكر السّياسي في الأجيال الصّاعدة بالجامعات. هذا فضلاً عن ثاقب نظرة الأستاذ محمود محمّد طه في مسائل عديدة سبق فيها زمانه ربّما بقرون وليس مجرّد عقود. من ذلك رؤيته الصّمدانيّة في أنّ الحداثة تنبع من داخل تلافيف ثقافة المجتمع ومعتقداته، لا من الخارج باستزراعها بالخنوع أو بالإخضاع. وتجلّت رؤيته هذه بصورة عمليّة في حادثة الختان الفرعوني برفاعة التي قاد فيها ثورة الأهالي. كما يتّضح ثاقب فكره في مناقشته لقضيّة الشّرق الأوسط ونصيحته للعرب بمصالحة إسرائيل، وهي النّصيحة التي عملوا بها ربّما بعد فوات الأوان وبعد أكثر من عقدين من تاريخ تقديمها لهم. اتّبعوا هذه النّصيحة الغالية بعد كلّ هذا دون أن يشكروا من صدع بها. وفي الحقِّ، فإن ثاقب نظر الأستاذ محمود محمّد طه ونفاذ بصيرته لممّا يحتاج إلى وقفة بذاتها، ذلك لتعدّد مواقفه وعمقها وبعيد أثرها. أمّا الرّافد الرّابع فهو ما يأتي من الحداثة ضربة لازمٍ by default، أي عبر الاحتكاك الحضاري العام، والذي لا مناص منه. فبينما توقّف رفد المجموعتين الأولتين، لا تزال المجموعتان الأخيرتان تعملان، الأولى منهما ببطء، لكن بفعاليّة مؤكّدة، والثّانية منهما بخطى متسارعة غير مؤكّدة الفعاليّة. من المؤكّد أنّ هناك جهات عديدة قد لعبت دورها في مقاربة المجتمع السّوداني للحداثة، إلاّ أنّها لم تبلغ الشّأو الذي بلغته الرّوافد التي أشرنا إليها أعلاه. هذا بجانب أنّ الحداثة التي نحن عليها يصعب وصفها بهذا الاسم إلاّ من باب المجاز.

ربّما ينعى بعضُ النّاس أنْ من أسفٍ أنّ الرّوافد الثّلاثة الأولى (وهي الرّئيسيّة بحكم وطنيّتها) قد عانت، ولا تزال تعاني، من التّحامل الممنهج والقهر والإقصاء الذي يستخدم في كثيرٍ من حالاته عصا السّلطة الغليظة، هذا بالرّغم من أنّ المجتمع الذي عبره يُمارس عليها كلّ هذا لا يني يعتلف ما تُتيحه له من غذاءٍ روحي وحضاري. وقد يقول قائل بأنّ هذا كان دائماً ثمن الرّيادة وصناعة التّاريخ. وعلى صحّة هذه المقولة لا أجد عذراً أقبح منها في باب التّبرير. فنظرة سريعة لمنسوبي كلّيّات التّمريض في زماننا الحاضر سوف تكشف ضآلة حضور أبناء وبنات المجموعة الأولى، مع أنّها كانت الرّائدة قبل عقود قليلة في مجال هذه المهنة الكريمة. والآن نتعامل مع اختلاط الجنسين في مؤسّسات التعليم كما لو كان أمراً مسلّماً به، مع أنّ المجموعةالأولى والثّانية كان لهما الفضل والدّور الأكبر في “تبريد” نار المعارضة الاجتماعيّة لهذا السّلوك. والآن يتخبّط أبناؤنا وبناتنا في تأسيس علاقاتهم النّوعيّة بلا مرشدٍ فكري وطني يستهدون به في مجال الحداثة، بخلاف الأخذ كفاحاً (ولات حين كفاح) ممّا ترفد به حداثة العولمة ضربةَ لازمٍ، أو بخلاف ما يرفد به التّراث الإسلامي السّلفي الرّافض لمبدأ اختلاط الجنسين، وإن كان يأتي به.

وربّما أصبح الحزب الشّيوعي نفسه يخوض مع الخائضين، وهو الذي غلبته الحيلة من قبل (جرّاء التّحامل المؤسّسي) في ترفيع وترميز قياداته وطنيّاً، تلك التي سُحلت، وبالمكشوف، في عام 1971م، بطريقة أقلّ ما يمكن أن توصف به أنّها كانت منافية لأيّ قيمة إنسانيّة. فالطّريقة التي واجهوا بها التّعذيب، ثمّ الموت، ممّا ينبغي لكلّ ذي حسٍّ وشجاعة أن يُعجب بها، مع تسجيل الإدانة لفظائعها. هذا بينما كانت قطاعات عديدة من الشّعب قد جرفها تيّار غلواء الانتقام الغاشم، فكانوا يهتفون ويهلّلون لصوت رصاصات الدّروة الدّاوي، وشهداء الحزب الشّيوعي يستقبلون مطر الرّصاص وهم يهتفون بحياة الشّعب في حبّ وإيمان بمستقبل أفضل له. عبر الحزب الشّيوعي جسر أحزانه دون أن يستصحب معه أيّ مرارات أو عداوات، فتساموا على الجريمة التي ارتُكبت بحقّ قياداته. في هذا يمكن النّظر إلى الحزب الشّيوعي باعتباره بين الحركات النّادرة في تاريخ البشريّة التي سُحلت قياداتُها ثمّ تمكّنت من الوقوف على قدميها مرّةً أخرى. في عام 1986م احتفل الحزب الشّيوعي بعيد ميلاده الأربعين في احتفالٍ مهيب، غلبت عليه علامات الفرح والوقار، ثمّ الأحزان. في تلك الاحتفالات المضيئة تغنّى شباب الحزب لشهدائهم بأن أهدوا نضالاتهم وموتهم المجيد للشّعب. في هذا سوف تبقى غنوة “رذاذ الدّم” من كلمات شاعر الشّعب، شاعر أفريقيا، محجوب شريف، تخليداً إبداعيّاً غير مسبوق لنبل هذا الحزب العظيم:

من دمانا الأرض شربت موية عذبة،

كلّ ذرّةْ رمل شربت حبّة، حبّة،

موية أحمر لونها قاني،

فتّقت ورد الأغاني:

تهدي اسمك للوطن رمز المحبّة!

**

يا رذاذ الدّم حبابك!

يا شهيد الشّعب أهلاً

مش بتطلع كلّ يوم الشّمس أجمل؟

والنّخله أطول؛

جيد وقامة؟

**

لمّا شفتك، ياما، ياما،

ياما شفت البدر طالع،

في سما الوطن ابتسامة!

أمّا الجمهوريّون فقد فازوا بفوز أستاذهم الذي عرف في لحظة التّجلّي أن الشّعب يبحث عمّن يفديه، فتقدّم ليكون الكبش، فواجه الموت وفي محيّاه ترتسم بسمة النّفس المطمئنّة وراحة يقين اليقين. وعلى هذا حافظ الجمهوريّون على تماسكهم الاجتماعي، وعلى شدّة الإيمان بفكرهم. ولعلّ هذا ممّا جعلهم عصيّين على الاستهداف؛ فهم في السّاحة هناك، وليسوا هناك. سوف يبقى فكر الجمهوريّين نبراساً يضيء في دياجير الدّين للبشريّة جمعاء، أكانوا مسلمين أم غير مسلمين. إذ سوف تقف تجربتهم وكتبهم دليلاً وشاهداً لحالة فريدة وغير مسبوقة ربّما إلاّ بتجربة سقراط وبعده المسيح عيسى بن مريم بمئات السّنين. فنحن بإزاء حالة تمارس فيها حركة دينيّة الدّعوة لمذهبها مع إيمان تام، فكريّاً وسلوكيّاً، بحرّيّة الآخرين في أن يصبحوا ما شاؤوا؛ ثمّ لمّا ضاق بها النّاس من قبيل السّلطة ذرعاً، استهدفوها متّخذين من سلميّتها نقطة ضعف إذ أمنوا ردّة الفعل، فساقوا كبيرهم إلى المشنقة وتلاميذه ينظرون في سكينة وطمأنينة أن لن يمسّه إلاّ ما كتب الله ﴿وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى﴾، فاستقبل حبل المشنقة كما استقبل سقراط كوب السّمّ الزّعاف وكما استقبل المسيح صليبه المنصوب. كما ستبقى أناشيدهم العرفانيّة، بجانب كونها نبعاً صافياً للجمال والعشق الإلهي الصّوفي، مثالاً حاضراً للمكانة المتميّزة التي احتلّتها المرأة في تلك الحركة الرّائدة، إذ علا صوتها صادحاً بالعرفان الإلهي جنباً إلى جنب مع شقيقها الجمهوري.

ولا ينبغي أن نتجاوز مقام العظماء هذا دون أن نشير إلى نبوءته المتعلّقة بسيطرة قوى الهوس على مؤسسّة الدّولة، وهي نبوءةالسّوافي السبعة” إذ قال عام 1977م لدى ظهور أعراض فيروس الهوس الدّيني على مؤسسّة الدّولة: من الأفضل للشّعب السّوداني أن يمرّ بتجربة حكم الهوس الدّيني، إذ إنّها (1) سوف تكون تجربة مفيدة للغاية؛ (2) وسوف تكشف لأبناء هذا الشّعب مدى زيف شعارات هذه الجماعة؛ (3) وسوف يستولون على السّودان سياسيّاً واقتصاديّاً ولو بالوسائل العسكريّة؛ (4) وسوف يُذيقون الشّعب الأمرّين؛ (5) وسوف يختلفون فيما بينهم؛ (6) وسوف يُدخلون البلاد في فتنةٍ تُحيلُ نهارَها إلى ليل؛ (7) وسوف يُقتلعون من أرض السودان اقتلاعا. ألا أشبه الليلة بالبارحة!

حركة اللواء الأبيض وتدشين مشروع الحداثة

تبلور المشروع النّهضوي في حركة اللواء الأبيض بقيادة علي عبد اللطيف، حيث برزت المجموعات المنحدرة غالبُها من مؤسّسة الرّقّ والمنبتّة قبليّاً بوصفها رأس الرّمح في مشروع الحداثة. هذه الحركة هي التي دشّنت مفهوم ومصطلح «الأمّة السّودانيّة» بما يعني جميع أهل السّودان في استقلاليّة تامّة. لقد تمكّنت هذه المجموعات من تحرير نفسها من مركّبات النّقص التي عادة ما تصاحب تجربة الرّقّ، وذلك بحكم الحداثويّة التي تمتّعوا بها في مقابل شعب تقليدي. وهي تشبه تجربة تحرّر المماليك بمصر من نفس المركّبات، وذلك بوصفهم رقيقاً تمّ شراؤهم بالمال بغرض التّخديم في العسكريّة. ولهذا نجحت في تدشين الحداثة بالرّغم من خضوعها التّام لعمليّات إعادة إنتاجها داخل حقل الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة. كما كرّست هذه الحداثويّة التي وضعتهم على قيادة المجتمع من حقيقة تحرّرهم من مركّبات النّقص المصاحبة لتجربة الرّق.

كان بروز هذه المجموعة كرائدة للحداثة مدعومة بخبرة طويلة من التّثاقف الحضاري والانفتاح نحو الثّقافات الرّائدة في المنطقة، مثل الثّقافة المصريّة، التّركيّة، الإيطاليّة والفرنسيّة، ثمّ ثقافات المحيط العربي الأوسطي. هذا في مقابل انغلاق الأوضاع في السّودان. لهذا كان من الطّبيعي لهذه المجموعة أن تقود المجتمع حداثويّاً بُعيد مجيء الاستعمار البريطاني المصري. لقد دار صراع كبير بين مجموعة أفنديّة كان المستعمر البريطاني يظنّ أنّه قد تمّ تدجينهم لصالحه، ألا وهي المجموعات المنبتّة عن قبائلها جرّاء الرّقّ أو طول الانخراط في العسكريّة، وبين مجموعة أفنديّة أخرى كان المستعمر المصري يظنّ أنّه قد تمّ تدجينهم لصالحه تماماً. خرجت المجموعة الأولى من تجارب ذات جراحات غائرة وهي أكثر وطنيّة وأكثر أملاً في وطنٍ يسع الجميع؛ هذا بينما انكفأت المجموعة الثّانيّة على ثقافة البجاح التي عُرفت بها الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة في السّودان الأوسط الشّمالي. ولكن المجموعة الأولى أثبتت أنّها، على عكس ما ظنّ المستعمر، أكثر وطنيّةً وأكثر تأهّلاً لقيادة المجتمع، وذلك عندما قدّمت مشروعها للوطنيّة السّودانيّة باعتبار أن السّودان هو وطن الجميع، بمستعربيه وأفارقته. هذا بينما أثبتت المجموعة الثّانيّة أنّها أشدّ تمترساً في مواقعها الأيديولوجيّة القائمة على فرية نقاء ورفعة الدّم العربي مقابل دونيّة الدّم الأفريقي.

هذه هي المجموعات السّوداء في غالبها الأعمّ، يشاركُها روّاد الاستنارة من مستعربي وسط وشمال السّودان، التي كوّنت جمعيّة اللواء الأبيض كتنظيم بديل لجمعيّة الاتّحاد السّوداني التي كوّنتها بدورها المجموعات المتمترسة في بجاح الاستعراب. ففي البدء تأسّست جمعيّة الاتّحاد السّوداني، ولكن لم تلبث أن انحلّت بمجرّد انضمام علي عبد اللطيف إليها؛ إذ لم تكن مواعينُها الفكريّة تتّسع لاستيعاب سودانٍ أفريقيٍّ فاحم السّواد، ولو كان قد خضع لعمليّة الاستعراب، خاصّةً إذا كانت تحوم حوله معرّة الرّقّ. وعلى هذا تكوّنت جمعيّة اللواء الأبيض ليرأسها المناضل علي عبد اللطيف. كان نشاط الأخير امتداداً للرّسالة التي بعث بها للمستعمر، متقدّماً بجملة مطالب من شأنها أن تؤدّي إلى نهضة الأمّة السّودانيّة (وكانت تلك أوّل مرّة يتمّ فيها استخدام لفظة «الأمّة» في الإشارة إلى الشّعب السّوداني في تاريخ السّودان).

كانت إستراتيجيّة اللواء الأبيض هو استقلال السّودان من كلا القوّتين المستعمرتين للبلاد؛ ولهذا جاء تكتيكُها على أن تفصل بين شقّي المستعمر، مصر وبريطانيا، فكان أن تبنّت شعار وحدة وادي النّيل تحييداً للشّقّ المصري بينما منع دستور الجمعيّة انضمام أيّ مصري إليها (لمزيد من التّفاصيل، راجع كوريتا، 1997). وكانت هذه بذرة الحركتين الاستقلاليّة من جانب، حيث تمخّضت عن حزب الأمّة ـ لاحظ الاسم، والحركة الاتّحاديّة من جانب آخر. ولا غرو أن تحقّق الاستقلال من خلال نفس التّكتيك بعد ذلك بعقود. كما كانت جمعيّة حركة اللواء الأبيض أوّل تنظيم سياسي سوداني يقوم على حداثويّة العلمانية. وقد كان لهذا أكبر الأثر على الأجسام الطّائفيّة من جانب، وطبقة الأفنديّة من جانب آخر. فقد قفل عليهما الباب في ابتناء تنظيمات طائفيّة بحتة، فكان أن عمدت إلى التّحايل على هذا بابتناء تنظيمات تبدو في ظاهرها كما لو كانت علمانيّة، بينما هي في داخلها طائفيّة حتّى النّخاع. فحزب الأمّة تقف خلفه طائفة الأنصار بإمامها من بيت المهدي، بالرّغم من تزيّنه بمجموعة من الأفنديّة الذين يبدون كما لو كانوا علمانيّين، وما هم بذلك. أمّا الحركة الاتّحاديّة فتقف خلفها طائفة الختميّة بمرشدها من بيت الميرغني، بينما تزّينها مجموعة من الأفنديّة الذين يبدون كما لو كانوا علمانيّين، وما هم بذلك. وقد تقاسمت هذه الأحلاف الأفندويّة والطّائفيّة الأدوار، فكانت المجموعة الأولى تقوم بتسيير دفّة الحزب والبلاد بما يتوافق والخطّ العام للطائفة وزعيمها اللذين كان يقع على عاتقهما توفير السّند الجماهيري، مع استقلاليّة ظاهريّة لمجموعة الأفنديّة عن الطّائفة. ولا غرو أن تمدّدت الطّائفة في كلا الحالتين، الاستقلاليّين والاتّحاديّين، على حساب الأفنديّة فأمسكت بزمام الأمور؛ ولم لا وهي التي تملك مفاتيح الجماهير. وهذا وحده يكشف الطّبيعة الاستغلاليّة لكلا الأفنديّة والطّائفيّة فيما يتعلّق بالشّعب وتسخيره لخدمة أغراضهم. وهذا يعكس الدّور الذي كان يمكن أن تلعبه حركة اللواء الأبيض لو قُدّر لها أن تمتدّ أيّامُها. فقد كال لها الاستعمار لما نظر إليه على أنّه تنكّر من جانب المجموعات فاحمة السّواد التي تعامل معها على أنّها ربيبتُه.

فالاستعمار البريطاني المصري كان يرى أنّ هذه المجموعة تحديداً ينبغي أن تدين له بالولاء لما رأى أنّه أفضال كثيرة منه عليها. فهو الذي علّمها ورفع شأنها وجعلها تصعد في مراقي المجتمع بعد أن كانت في درجة العبيد. وبهذا صُدم فيها وخاب فألُه، فعمل من حينها على استبدالها بالمجموعة المستعربة بوسط السّودان، وهي التي شملها خطاب قادة الطّائفيّة للمستعمر الذي سخرت فيه من تصدّي أمثال علي عبد اللطيف لقيادة المجتمع. ومنذ ذلك الحين، تواطأت هذه الفئات بمثقّفيها وطائفيّيها ضدّ هذه المجموعات، فأزرت بها عرقيّاً، وعيّرتها بسابقة عبوديّة أسلافها، ثمّ زحزحتها تدريجيّاً عن منصّة الرّيادة والقيادة، يدعمهم في ذلك الاستعمار الثّنائي. وقد بدأت هذه اللحظة من العفو عن علي البنّا وهو على النّطع ينتظر تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرّصاص في الدّروة؛ ثمّ تلا ذلك اغتيال شخصيّة علي عبد اللطيف واتّهامه بالجنون، ثمّ سجنه من قبل مصر بمصحّ عقلي إلى أن مات غبناً، رغم شكواه المتكرّرة لذويه بأنّه معتقل ليس إلاّ. وكذلك قتل قادة الحركة الآخرين الذين ماتوا إمّا في المنافي أو في السّجون. وهكذا امتدّ هذا الصّراع الخفي الظّاهري إلى ما يُعرف بصراع الأبروفيّين (أولاد القبايل) ضدّ الفيليّين (أولاد العبيد). وتواصل هذا الأمر، أمر الأبروفيّين، حتّى في الحزب الشّيوعي، حيث قاموا بزحزحة أوّل أمين عام، وهو د. عبد الوهاب زين العابدين عبد التّام (عبد الغفّار محمّد أحمد، 2007: 18، إشارة هامشيّة رقم 39)، لينتهي الأمر أخيراً بابن أبوروف عبد الخالق محجوب كسكرتير عام للحزب بعد عوض عبد الرّازق (لمعرفة المزيد عن تفاصيل لصّراع الأبروفيّين والفيليّين وعلاقته بطبقة الأفنديّة، يُرجى مراجعة: خالد الكد، 1987). لقد سعت هذه التّكتيكات في مآلاتها إلى إعادة حشر هذه المجموعات السّودانيّة الرّائدة في خانة الصَّغار والدّونيّة ومرّكبات النّقص المرتبطة بمؤسّسة الرّق.

هذه هي الحركة التي دشّنت قيام الأجسام السّياسيّة العلمانيّة بدرجة أصبح معها من المستحيل للأجسام الطّائفيّة أن تتصدّى للعمل العام سافرة الوجه واللسان، فكان أن تخفّت خلف أجسام تبدو كعلمانيّة في خارجها، بينما هي طائفيّة في جوهرها. ولهذا سيطرت عليها في عاقبة أمرها. كما هذه هي الحركة التي أرست خطّة نيل الاستقلال من حيث التّحالف مع الشّريك الضّعيف بدغدغة أحلامه في الوحدة الاستيعابيّة الابتلاعيّة، ريثما يتمّ التّخلّص من الشّريك الأقوى. وبالفعل هذا ما حدث، إذ تبنّى الأنصاريّون مفهوم الأمّة والاستقلال، بينما تبنّى الختميّون مفهوم الاتّحاد. ليس هذا فحسب، بل قام الاتّحاديّون بإعلان استقلال السّودان مع أنّه كان في مقدورهم إعلان الاتّحاد مع مصر. ونقول إنّه ما كان يمكن لذلك الجيل من الأفنديّة الذي تحالف مع الطّائفيّة أن يُذهلَ عن تكتيكات علي عبد اللطيف وهم الذين كانوا جميعاً يعيشون في مدينة لم تكن أكثر من قرية كبيرة حينها. أي أنّهم كانوا، بالتّعبير العامّي العربي “أولاد حلّة”. لقد كانوا على وعي تام بهذه الاستراتيجيّة وما يتبعها من تكتيكات، وربّما ابتهجوا بإزاحة المستعمر الغاشم لقادة اللواء الابيض من طريقهم. فقد توّفرت لذلك الجيل فرصة تاريخيّة في أن يبنوا بلادَهم وينتقلوا بها من خانة التّخلّف والرّجعيّة إلى خانة التّقدّم والازدهار، ذلك إذا ما امتلكوا مشروعاً وطنيّاً حقيقيّاً. ولكن يبدو أنّهم لم يكونوا يملكون شيئاً بخلاف ما أثروه عن حركة اللواء الأبيض من إستراتيجيّة وتكتيكات. فكلّ الذي فعلوه يبدو كما لو كان تطبيق خطّة معدّة مسبقاً من قبل آخرين، فأنفذوها دون أن يحفظوا لمن أعدّوها جميلاً أو شكرا.