عبدالغني كرم الله لو كان الحزن، الماثل، أمامي، فيلما هنديا، حزينا، يدر الدموع، لبكينا من كراسي الحديد، خلف الشاشة، كما كنا نبكي مع المظلوم، تعزية، وإنفعالا صادقا، ونجفف الدمع المدرار، على خدود طفولتنا، النضرة، مشاركة لأحزان البطل أمامنا،

على شاشة الدمور في سينما كلزيوم، أو النيلين، أو خواجة، في مدينة الثغر، كنا ندفع من حوجتنا، كي ندلف للسنيما، ونبكي مع الباكيين، ولم نكن صدى الأحزان، بل أهل بكاء وعزاء، كعادة العاطفة النبيلة، وكان هذا فيلما، مجرد فيلم حزين، رقت قلوبنا لمأساة أبطاله، وأحزانهم، حد البكاء والنحيب، وكدنا ان نرفع الدعاء، ونشيل الفاتحة، معهم، كشعب معروف بمروءته، وسداد دينه للحياة..
لكن ما يجري أمامي، أشد هولاً، وحزنا، وبؤسا، ما أرآهم في شاشات الواقع العريضة، هم أهلي، وأخواتي، وأخواني، وشعبي، غرقى، معلقون بين أغصان الشجر، وفوق البراميل، وفوق صهاريج المياة أو في ركام بيتهم المهدود، وهم يرون أملاكهم البسيطة تمضي فوق السيول، ملابس دمور، ملونة بسيطة، يسوقها السيل غصبا، وصفحات من كتاب الله، وصورة عرس وحيدة، وصحن طلس، وجدار البيت يتتداعى هو الآخر، ويرسل زفيره وحسرته، بقع كعيون السمك، فوق السيل الجارف، جدار يتيم، مثل يتيم الخضر، تحته كنز المحبة، ولعب الطفولة على ظله، ونوم القيلولة لجد حكيم، مسن، ورسومات الحصى، والأصابع، هاهو يمضى، الجدار المسكين، ومعه ظله، وحكاياتنا..
السيل يجرف بقرة نفقت، تنام على ظهره الأغبش، وقربها أخشاب، وكور، ودجاجة لاتزال تتمسك بالحياة، تقفز وجله، مذعورة من خشبة لأخرى، وهي تمضي لمصير مجهول، ولكن من ييأس من رحمة الله.

على أطراف البرك، تتراقص السواسيو الميتة، وحشرات كافحت كي تعيش، تتزلحق في أحزان شاطئ صغير لبركة عكرة، ماتت بجوفها حيوات ألف كائن عزيز، فما بالكم ببني آدم وأطفاله؟..
طوفان يابلادي الحزينة، أباد حتى أدق الحشرات الصغيرة، الملونة، وديك صعد فوق شعبة صابرة، محتار مما تحته، وأين حبيبته الدجاجة، واين اطفاله الغر الميامين، الكتاكيت، الموت هازم الحياة برمتها، في قلب نملة، أو حمار هلك، وساوى السيل في أحزان كل كائن حي، حزين، وقبض أرواحهم معا، وأشعل حرقة الحزن في كل القلوب النابضة، في جوف طفل أو كلب، أوحية، أو بقرة، تنشد الحياة بفطرتها، وسرها.
ما أهون الموت في بلادي، ما أعظم المصاب، لسان الحال، والمقال، لا يفي ما يجرى في أديمك الأسمر، أيتها البلاد الطيبة، المسكينة، الفقيرة، الصابرة..
أنى لي بوصف الوجوه، وأساريرها الأكثر من كربلاء حزنا، ووجعا، وهم في خوف غرق في أسفلهم، وغيث منهمر من أعلاهم، وأغصان تكاد تطوح بهم، وتحت بصرهم تسبح مبتعدة عنهم شعب السقف، ومروق الراكوبة، وكرتونة، حشرت فيها ملابس داخلية لآمنة، وكلتوم، وحبة شاي مصرور، في طرحة صفراء، فمضت الكرتونة كسفينة حزينة، تحمل رائحة عرقهم، وروحهم، وهي تغرق رويدا، رويدا، تحت أنظارهم، تحت أحزانهم، مسحت البيوت، والألفة، والذكريات، والوطن، فالبيت وطن، وطن حياتك الشخصية والأسرية، ومتكأ الروح، وملاذ الجسم، ومملكة الحب، وعش الحياة..
ثم هوى البيت، تزلزلت أركانه أمامهم، يشاهدون كربلاء، بأم أعينهم، هوى البيت، والمرق انكسر، وذاب حلم الدفء، وموطن الذكريات، وكعبة الحج بعد رهق الزرع والضرع، ومقيل الأحبة
طفلة باكية، ممشطة، تلوح لقطة ركبت شباك أخضر، وسبحت مع التيار، الجميع أدار لهم الظهر، حتى عود الطلح، الموعود بحفرة الدخان مضى، بعيدا، بعيدا، بلا عودة، والمسبحة، تدحرجت في القاع، مخفية نفسها، من تكبير وتسبيح، هي الآخرى، مضت..
مات ماضيهم، ماتت ذكرياتهم، وأرواحهم، ومسحت السيول قصائد العيش الهنئ، وتركهم لله، وللمحن، ولنفرة شعب عظيم، أبي، بعد أن حزم الرئيس حقيبته، وكوى ملابسه، ومضى يهنئ روحاني، (حين ضعفت فيني قيم النضال، تذكرت قيمة الرجولة)، قالها سجين شهير، من أجل بلاده، ومبادئه، فأين أنت ياعمر؟..
إن غابت عنكم، أيها الحكام قيم الدين، فأين قيم الرجولة؟ والشهامة، أمضوا وكفى، فأنتم تبغضون الديمقراطية لانكم تخافون الحساب، والمحاسبة، وما الديمقراطية سوى الحساب، للخاطئ والمصيب، وأنتم حرستم اخطاءكم بالعسكر والأمن، والصحف الصفراء المغنية، المطبلة، الناعقة، زورا وبهتانا.
امرأة مسنة، لم يترك لها غدر السيل، شيئا تلبسه، كانت شبه عارية في رطوبة وبرد عميم، حتى ثوبها الممزق، المهرود، أخذه معه، أنانية غريبة، لسيل عرم، كحكام بلادي، بحوزتهم ضرائب تنزع من بائعات الشاي، والفريشيين من أبناء الجزيرة والغرب والشمال، من هجروا بنسف الريف، وسرق عرقهم في عرصات الخرطوم وطرقها، شغلوا الشعب بالتعب، طوال اليوم، ومن أجل القوت (ولم يتركوا لنا وقتا نحك به جلودنا)، فمضى ثوبها يرتعش مع الموج الصاخب، أيدي سبأ، وهي ترتعش كريشة في مهب الريح والمطر والرطوبة، عجوز بلا ثوب، وسقف وقوت.
بلادي العجيبة، الحزينة، نعمة الغيث، تحال نقمة على أهلها الفقراء، من سوء تخطيط، وإهمال عسكر، تحالف مع رجال دين آخر الزمان، أكثر من عقدين من الزمان، رأى أهلنا العجب، والكبد، والدمار.

 

بلاد، يصلي فيها الحكام في قصر “النور”، مسجد النور، قصر للصلاة، تحته مول لمستحضرات التجميل، وفوق سقفه، مطرز وملون بالزمرد، والذهب، أفي هذا المكان تعرج الصلاة لله يافقهاء السوء؟..

 

عباد الله، أولى من مساجد الله، فحكمة الدين، جاءت كلها من أجل الإنسان، هو الغاية، ولا شئ سواه، قال رجل الدين المبارك، وولي الله العظيم، الشيخ المكاشفي (لقمة في بطن جائع، خير من بناء ألف جامع)، وكم وجبة وحوش ومركز صحي، ومتكأ، كانت ستكون من قصر النور، قصر الصلاة، في محكاة نبي، كان ينام على الحصير، ويصلي عليه، حتى بانت على ضلوعه الكريمة (يارسول هل نجعل لك وطاء تنام عليه)، فقال “لا ورب الكعبة، ما أنا إلا عابر سبيل”، عبير سبيل أيها الضوء الخاتم، المليح، ولكن استغل دينك، لدنياهم (علماء آخر الزمان، يأكلون الدينا، بأسم الدين)، صدقت.
سهول البطانة، وبيوتها الزاهدة، أقاصي الصعيد في الجزيرة، وأعالى السافل، في فتوار والباوقة، وابي حمد، تلكم البيوت التي نبتت من الأرض، غرفة وسور، وعاشت في بطنها حيوات تكد، وتعرق، وتعشق، وصيام وقيام، وولادة، سنينا، وشهورا، جاء قدر الله، وهم نوّم، تحت سلطان النوم، من تعب، وهم، فسرق منهم السقف، والشعبة، والظل، وكوز الطلس، وأغرقت ثروة من بساطة، وذكريات أوضة، وحفرة دخان، وزير، وكراس حساب، كلها خطفها طوفان السيل، وهدير السماء في لمح البصر، ومضى بها، وهم حضور، يشاهدون وميض أرواحهم يذبح..

 

لاظل، سوى ظلك، يا إله السماء الرحيم، أرحم بهم، فقد أوكلتهم إلى جبناء الدين، والدنيا، رجال متخمو الكروش، حرسوا أكاذيبهم برجال أمن مرتشين، وبنخبة من جيش، (وأغلب الجيش جائع)، بنوا القصور، والامتيازات، ومات الشعب فقرا، وحربا..

بيوت أنطمست تحت وابل المطر، وأخرى ذابت وكأنها لم تكن، وفرت الأسر، في الليل البهيم، إلى عراء المطر، ووابل الغيث، استحموا عشرة ساعات، سبعة عشرة ساعة، يوما كاملا، افترشوا سماءك الممطرة، وتحتهم، حتى الركب، سيل عرمرم، فاتك، راوا بأم أعينهم، حيل دارهم تنهد، وموطئ شرابهم، وصلاتهم، وجلساتهم، تموت، وتتداعى، كل شئ مضى، مضى عهد الراحة، كورية لبن، علبة نيدو مدسوس فيها شاي العصرية، كلها غرقت، وجرفها غدر السيل، والشبابيك، صارت مراكب للقطط، والكلاب الوجلة، ركبتها إلى حيث يعلم الله مثواها، وهي الآخرى مضت بعيدة عنهم، يشاهدون جذورهم تمضي، حتى كتاب الله، غرق، ومضى، وتبقت لهم “الحياة في الحلقوم، كلما يريدونه، أن يبقوا أحياء، في بلاد قيل أنها بها نفطا، وتطورا، وإنجازا”، ليتهم يحيوا، فقط، بلا مال، وخيال، كل شئ جرفته السيول، ولم تسلم، سوى الشعب والمروق، كانت تسبح بمهارة فوق السيل الطافح، وهي تراقبهم، والسيل ينحت تحت أرجلهم العارية، الحافية، خوف من سماء ملبدة، ومن أرض جرف هار..

 

يابلادي، لك الله، من هؤلاء، لو اتقوا الله، لفتحت عليك بركات من سماءه، وليس طوفان من غضبه، ولم تجدي علي يديهم سوى حروب في أقاليمك الطيبة، وسيول من أرضك، وأمطار دمار من سمائك الزرقاء..

 

(كيف يعنيني حال رعية، إذا لم يمسني ما يمسهم)، لله درك، أيتها المقولة الخالدة، لله درك، ستأتي تسعي يوم الحساب،غرة، لمن خانوا أنفسهم، وبلادهم..

 

أطفال على أكتاف الأب والعم والجار، السيل يداعب الصدور، ويطفح حتى الكتف، والجميع وقوف، حتى في نومهم، وسهرهم للصبح، وما الصبح بأمثل، وهناك من نام على الزلط، افترشوا الطريق الاسود سريرا طويلا، نامت معهم كلابهم، وقططهم، وهم يراقبون قريتهم، وقد دفنتها “المياة”، عين زرقاء اليمامة، لن ترى شبرا يابسا، أو سليما، حتى مئذنة الجامع العتيق، ركعت معهم، ونامت في جوف الماء، فلا أثر لقرية، سوى أشجار، تحرس الحزن حولها..

يالها لعجب المأساة، وحكومتكم الغراء، يرتب رئيسها السفر لتهنئة روحاني، وأفراد حكومة، منهم من أظنه يصلي هادئا في قصره، ومنهم من أظنه يتابع الهم من التلفاز، وقد يغير القناة لفيلم أمريكي، كي لا يفسد عواشر رمضان وصيامه وقيامة (هناك امرأة صوامة، قوامة يارسول الله، إلا أنها تؤذي جيرانها)، فقال فلتتبوأ مقعدها من النار…

 

من أين أتى هؤلاء؟ بلى، من أين؟ كما قيل، أن السلطة، والحكم لرجل دين حقيقي منفرة، بكى الإمام عمر بن العزيز، حين ولي أمر المسلمين، ورفضها كثر، لأنها إعانة الملهوف، وإغاثة الجائع، وقضاء حوائج الناس، والإيثار، هي تكليف عظيم، وليس تشريف وصور وشهرة، وسفر، وأمتيازات يا أهل الله…

 

شعبي العظيم، قلوبنا وأيدينا معكم، وأنت عار، وجائع، ومغلوب الأمر، ومسروق، وصابر، يأتي الليل، وأنت صاح، ويبلج الفجر، وأنت واقف على رجليك، وفوقك ابنائك، وهم العيش، فاللهم أسترهم، وأحميهم..

 

كأن الخريف لصا، فاجأ دولة العجب، والسجم، وم تستعد له، وباغتها، وهي على الكرسي منذ القرن الفائت.

 

اللهم أذهب الضر، عنا، ببركات شهرك الفضيل، ودعاءات هولاء المساكين، الصادقين، لاشك تشق سماءك الحلوب، وتصل ملكوتك العظيم، فأذهب هؤلاء الحكام، وأشياعهم، ونفاقهم، وصحفهم، وإعلامهم، وكذبهم،..

 

لاشك، بل يقينا، الثورة تعتمل في قلوب الأطفال، وفي مجاري السيل، وفي قلوب الرجال والنساء، من أجل أن يمضي تجار الدين، وأشياعهم، أيدي سبا.
طفلة، تسأل، وهي فوق كتف أبيها (أين بيتنا الطيني يا أبي، وعنزتي أين)؟، ترسل الدموع، وهي لاترى سوى بحر هائج، ولا أثر لقريتها، ناهيك عن بيتها الأمين، ومعزتها الكريمة، الحلوب.

قلبي على وطني، وعلى بيوت الطين الطيبة، المسالمة، الحزينة