فائز السليك جاء في الأخبار أن المشير عمر حسن البشير بدأ مرحلة اعتكاف رمضانية ليخرج بعدها بمبادرة لحل الأزمات السودانية، مع أن المقصود بذلك هو البحث عن حلول لأزمات تحيط بحكمه، وتتمثل في  صراعات مراكز القوى، والاتهامات المتبادلة بين التيارات حول الإنقلابات والخيانة والاستقواء بالآخر في المعارضة أو على المستوى الدولي للإطاحة بالحكم.

ولو كان البشير جاداً بالفعل في البحث عن حلول لأزماتنا المتستفحلة والمزمنة، لبدأ فعلاً بالتشخيص السليم للأزمة، وهو تشخيص لأزمة تتجلى تداعياتها في حروب مستمرة في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، انفصال الجنوب، الأزمات الإقتصادية والتدهور المعيشي، مصادرة الحريات العامة والخاصة، سيطرة الأجهزة الأمنية على مقاليد الأمور، وغلبة الطابع الأمني في تقديم  الحلول على الطابع السياسي، خلو البلاد من العقول المنتجة والمفكرة، والأيادي الوطنية والسواعد الفتية بعد ان مارس النظام سياسة تجريف للعقول والطبقة الوسطى، مما اضطرها للهجرة قسرياً وطوعياً، استشراء داء العنصرية والقبلية.

وأسباب المرض هي ، الحكم الشمولي، التطرف الديني، الارهاب، ضعف الكفاءات السياسية والإدارية، الجهل ، وهي أسباب مرتبطة ارتباطاً لصيقاً بنوع الحكم، والأشخاص الحاكمين.

ولو ذهب البشير أكثر في عملية التشخيص هذه لأدرك أن السبب المباشر في كل ذلك هو عمر البشير نفسه، بأخطائه، وعنجهيته، واستبداده.

وليس عليه أن يذهب بعيداً، بل عليه أن يقف عند آخر الاحداث التي حدثت قبل يومين، وهي منع سلطات المملكة العربية السعودية لطائرته عبور مجالها الجوي في موسم حجه نحو طهران لتجديد البيعة للرئيس الإيراني المنتخب روحاني، وهي حادثة مثيرة،  ومستفزة، وهي لا تنفصل عن حادثة هروب البشير في اللحظات الأخيرة من أبوجا قبل بضعة أسابيع، بعد ملاحقات قانونية  لتسليمه إلى محكمة الجنايات الدولية في جرائم الإبادة والحرب في إقليم دارفور .

مع أن السبب المباشر لحادثة السعودية هو  الغضب الواضح من سعي البشير ” لللعب بالبيضة والحجر”، من خلال الدخول في تحالفات ومحاور بالانحياز إلى المحور الإيراني، في سياق سياسات الأخطاء الممنهجة، لأن السودان ليس دولة مواجهة مع اسرائيل، ولا دولة مركز في صراعات المحاور والتحالفات الإقليمية والدولية، مثل مصر والمملكة العربية السعودية.

لكنه ، الغباء السياسي، الذي يعيدنا مرة أخرى إلى بدايات الانقاذ في تسعينيات القرن الماضي، وأيام حرب الخليج الأولى ودعم النظام الإسلامي المتطرف في الخرطوم لمغامرات  زعيم حزب البعث العربي صدام حسين، ونزواته بغزو الكويت وضمها إليه، وحين كان النظام يطلق على ملك السعودية ” خائن الحرمين الشريفين”، فيما يطالب ذات النظام بمراهقة سياسية، ” السد العالي يا صدام، بالكيماوي يا صدام !.

وهو ذات الغباء الذي قسم البلاد، وأشعل الحروب في أطرافها، وحولها كذلك، إلى ” سجن كبير” أسواره هي القمع والخوف والارهاب، والقتل والتعذيب، والدماء والإبادة والجرائم ضد الإنسانية والفقر والمرض والجهل.

وهو ذات الغباء ، الذي جعل ” رئيس الجمهورية” هو نفسه سجين زنازينه ورعبه، وتطرفه وجرائمه، لا يغمض له جفن في قصره، ولا يأمن حراسه، ولا رفاقه، ولا أخوته، وبعد كل ذلك، تظل طائرته، لا تستطيع التحليق فوق أجواء قريبة، ولا تعبر أجواء دول الجوار، ولا تعرف مدرجات الهبوط الآمنة، بل أن كل رحلة للبشير صارت قصة وغصة، ما بين مغامرات الوصول، والتي صارت أخباراً وفتوحات يعقبها تهليل الكذبة والمنافقين، وتكبير علماء السوء، حول بطولات وهمية نبعت من مصارعة ” طواحين الهواء”، وأن رحلةً أخرى قد  تصير مغامرة تعقبها مطاردة، وهروب مذل، أو منع، وطرد، واحراج بطريقة مذلة لكل الوطن، ولأهله، ولرؤساء الدول التي قد تغامر باستقبال البشير، أو السماح لطائرته بالعبور .

ولو كان البشير صادقاً في قصة اعتكافه هذه، وبحثه عن حلول، لأدرك أن المشكلة هي نظامه، وسياساته، وشخوصه، وقبل ذلك هو نفسه، ولو كان الرجل يريد خيراً لنفسه، ولبلاده، فليتحلى بالشجاعة مرةً واحدة ويعلن أن رحيله هو بداية لحل المشكلة، وتنحية نظامه هو الخطوة الثانية في طريق سلامة الوطن، و لأدرك بجلاء أن تشبثه بالسلطة، جعل الوطن سجناً صغيراً ،  وجعله هو سجين خوفه، ومغامراته غير المحسوبة .