محمد جلال احمد هاشم "النخبة" أو قل "الصّفوة"، وبلفظة أخرى "المثقّفون" هي قطاع من المجتمع له القدرة على تجريد الواقع، ومن ثمّ الاستقلال عنه بغية اجتراح التّصوّرات الرّامية إلى إدارة هذا الواقع وتطويره تحقيقاً لغايات بعينها يفترض أن يكون فيها خير المجتمع،

وذلك في فضاء أيديولوجي، زمكاني بعينه. وعلى هذا يفترض أن تكون النّخبة القطاع الأكثر وعياً باحتياجات المجتمع، ومن ثمّ بكيفيّة سدّ هذه الاحتياجات. وهذا هو مناط القيادة والزّعامة للنّخبة. على هذا، يكون تشكّل وتخلّق النّخبة عبارة عن عمليّة شديدة الارتباط بعمليّة توليد وتداول السّلطة. وفي الحقِّ، ما النّخبة إلاّ رأس الرّمح في الطّبقة التي تمسك بزمام المجتمع وتقوده. ولهذا ننظر إلى النّخبة بوصفها قطاعاً في طبقة اجتماعيّة، وليس بوصفها طبقةً في حدّ ذاتها وإن كنّا في بعض صفحات هذا الكتاب نعاملها تجاوزاً كطبقة، وذلك من قبيل ذكر الكلّ بينما نعني الجزء.

لكلّ مجتمع آليّات عديدة لتوليد وتخليق النّخبة، وذلك في إطار المحدّدات السّلوكيّة لهذا المجتمع ومنظومته القيميّة المتعلّقة بتداول السّلطة. فنظام القرابة قد يكون مدخلاً لتشغيل توليد الصّفوة؛ فوراثة الحكم والمال والجاه قد ينتهي بالمرء إلى أن يجد نفسه ضمن قطاع الصّفوة. ويعتبر التّعليم (خاصّةً النّظامي منه) من أبرز آليّات توليد وتخليق الصّفوة في زماننا الحاضر. إذن، فالنّخبة قطاع من المجتمع ذو صلة مباشرة ووطيدة بالمعرفة (التّعليم) والسّلطة، بما من شأنه أن يتمّ توظيف هذه المعرفة لخير المجتمع عبر الاستعانة بهذه السّلطة. ولكن هذا لا يعني أنّه لن يكون لدينا صفوة أو نخبة إذا لم يتوفّر عامل التّعليم. ففي أيّ قرية صغيرة ونائية، تكون هناك نخبة وفق نسبيّة المعرفة المتاحة بالواقع المعني. فأينما كان هناك صراع حول السّلطة، كانت هناك نخبة تتصدّى لإدارة هذا الصّراع. ولا يعني الصّراع أن تتشتّت جهود النّخبة وتتفرّق كلمتُها وتضيع جهودُها أباديد في اتّجاه الرّياح الأربعة. فعين الصّراع حول السّلطة ينبغي أن تنفلق حبّتُه عن خيرٍ عميم للجميع بما في ذلك التّكتّلات المتصارعة من المثقّفين والصّفوة. ولهذا ينبغي أن تتمكّن الصّفوة من تدبير درجة من التّلاقي الإطاري العام حول ما ينبغي أن تجري عليه أمور المجتمع الذي ينتمون إليه. ولا يكون اختلافهم إلاّ داخل هذا الإطار. فإذا فشلوا عن تحقيق هذا، تحوّل صراعُهم إلى نشاط هدّام يقعد بالمجتمع ولا يتقدّم به.

في هذا الجزء سنحاول مناقشة موضوع الصّفوة السّودانيّة وكيف تخلّقت وتبلورت. وسنعمد إلى تبيان كيف نمت النّخبة السّودانيّة النّيليّة الأوسطيّة (أي المنتمية للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة بعموم) التي وقع عليها عبء إدارة الدّولة السّودانيّة طيلة القرون الخمسة الماضية. كما سنعمد إلى تبيان أشكال ارتباط هذه النّخبة بأنظمة التّعليم، تقليديّة (مثل التّعليم الدّيني القائم على الخلاوي) وحداثويّة (أي التّعليم الحكومي النّظامي). وستكون لنا فرضيّات بعينها في هذا الصّدد تتعلّق بفشل هذه النّخبة عن إدارة أوضاع السّودان بدالّة أنّه بعد هذه القرون الخمسة أصبح السّودان عاجزاً عن أن يتساكن أهلُه في ظلّ دولة تأويهم، وتكون عليه حكومة يشعر الجميع بأنّها تقوم بإدارة شئونهم بالعدل والقسطاط. فقد اندلعت الحروب الأهليّة، ولا تزال دائرة، في وقت تتهيّأ فيه بعض الأقاليم للانفضاض من منظومة الدّولة السّودانيّة. وهذا دليل عجز ماحق للصّفوة السّودانيّة، النّيليّة الأوسطيّة منها بخاصّة، ذلك لأنّ النّموذج الذي اجترحته لنفسها هو ما سار عليه جميع المثقّفين غير النّيليّين.

تأتي فرضيّتنا الأساسيّة لهذا الفشل في كون الصّفوة السّودانيّة، بنت التّعليم النّظامي، قد جاءت وليدة لظروف الاستعمار، إذ كان منشؤها إبّان الحكم الاستعماري المصري التّركي (1921م ـــ 1985م)، ثمّ من بعد ذلك الحكم الاستعماري المصري البريطاني (1899م ــــ 1956م). ولم يكن هدف تصنيع هذه النّخبة يتعدّى رفد مؤسّسات الدّولة بأكثر من صغار الموظّفين محدودي التّعليم، ومحدودي سقف التّرقّي. وبهذا تشكّلت النّخبة وهي محكومة ومرتبطة، كقطاع طبقي، بكلا النّظامين التّعليمي المحدود والخدمي الحكومي المحدود أيضاً. أي أصبحت النّخبة مرتبطة بجاه الوظيفة القائمة على المرتّب الذي يتلقّاه آخر الشّهر، فضلاً عن امتيازات عديدة تجعله أعلى درجة في هذا المقام من باقي شعبه، لكن دون أن يتجاوز سقفاً بعينه هو في كلّ الأحوال أدنى بكثير من درجة الإداري الاستعماري. كما أصبح هذا الوضع ينتهي بانفصال النّخبة عن واقع شعبها، إذ تكون أقرب في وسائل حياتها وثقافتها لسادتها المستعمرين، الذين تتحرّى الصّفوة أن تبدو مثلهم في كلّ شيء، حتّى في الملبس. وهكذا دخل علينا لبس البنطال، طويلاً كان أم قصيراً، ثمّ الطّربوش والبرنيطة إلخ. ولكن أطرف أشكال هذا التّقليد ما كان عليه الموظّفون إلى آخر سبعينات القرن العشرين، عندما كانوا يقضون سحابة آخر النّهار إلى الليل ثمّ العطلات في المنزل وهم بملابسهم الدّاخليّة (الفلانيلاّ والسّروال الدّاخلي القصير) تقليداً للخواجات الذين كانوا يفعلون ذلك تخفيفاً لحرارة الجوّ الخانقة، فيتحرّرون من ملابسهم بقدر ما تسمح به الظّروف. فها هم الموظّفون يقلّدونهم، بالرّغم من روح المحافظة الطّاغية عليهم. فقد تجد بعضهم يجتمعون في لحظة أنسٍ ومعهم زوجاتُهم، والرّجال منهم بهذا الزّيّ الذي لو حدث الآن لتكلّبت شعرات الجسم جرّاها. وقد صدق بسطاءُ السّودانيّين عندما وصفوا رفضهم لهذا الوضع بالمثل التّالي: “التّركي ولا المِتّورك”. هذه هي الصّفوة التي ورثت الحكم عن الاستعمار عشيّة الاستقلال؛ وهذا هو حصادُها: تفكّك الدّولة السّودانيّة وتشظّيها في الاتّجاهات الأربعة، الشّرق، الغرب، الشّمال، ثمّ الجنوب الذي تمّ فصله في عام  2011م.

 

التّعليم النّظامي وصناعة الصّفوة وطبقة الأفنديّة

للتّعليم عدّة وظائف منها ما هو إستراتيجي، ومنها ما هو تكتيكي. أدناه سوف نتناول ما هو إستراتيجي بعد أن نعرّج، عابرين غير مقيمين، على ما هو تكتيكي، إذ لا نهاية لمثل هذه الغايات. فالغايات التّكتيكيّة تشمل سدّ الاحتياجات المباشرة للمجتمع المعني. فمثلاً إذا كان زراعيّاً، كان من المفيد والمطلوب أن يوفّر التّعليم الكفاءات اللازمة لسدّ هذا الاحتياج؛ وإذا كانت هناك حاجة ماسّة للعمالة في مجال التّطبيب الأوّلي من تمريض وخلافه، كان لزاماً على مؤسّسات التّعليم أن ترفد المجتمع بعمالة كفؤة وماهرة في هذا المجال. ولكن ما يجب الإشارة إليه أنّ هذه الوظائف التّكتيكيّة نفسها لا تخرج بطبيعة الحال عن الوظائف الإستراتيجية العامّة، وهو ما سنشير إليه أدناه. وظيفة التّعليم الإستراتيجيّة هي وضع الأسس للاستنارة، وتهيئة العقول عند النّشء لتقبّل الاستنارة بما من شأنه أن يؤدّي إلى إحداث نهضة ورفعة الأمّة. وموضوع الاستنارة يشمل بالضّرورة سدّ الاحتياجات المباشرة للمجتمع ممّا شرحناه أعلاه. ويجري التّعليم دون العالي على ثلاثة مستويات، الأوّلي والأوسط، ثمّ الثّانوي، ثم بعد ذلك يأتي التّعليم العالي، أي التّعليم الجامعي وما فوق.

فالمستوى الأدنى، الأوّلي والأوسط، من التّعليم يتعلّق بقضايا محو الأمّيّة الأبجديّة ليقارب بعد ذلك قضايا محو الأمّيّة الحضاريّة استشرافاً للاستنارة والنّهضة. هذا المستوى من التّعليم ينبغي أن يشمل قطاعات المجتمع بما نسبته 100%، وإلاّ فهناك درجة من القصور والتّأخّر. أمّا مستوى التّعليم الثّانويّ، أي قبل الجامعيّ، فينبغي أيضاً أن يشمل قطاعات المجتمع بما نسبته 100% أيضاً، أي مجمل المنخرطين في التّعليم الأوّلي والأوسط، وإلاّ فهو تقاصر عن بلوغ الغاية. يتعلّق التّعليم الثّانوي بمسارين، الأوّل منهما هو إنتاج العمالة الماهرة التي أشرنا إليها أعلاه، على ألاّ تقلّ نسبة المنخرطين فيه عن 60% من مجمل الدّارسين وألاّ تزيد عن 80%. ويكون هذا بانتهاج التّعليم التّقني لتأهيل النّشء للقيام بأعباء العديد من الصّناعات التي يحتاج إليه المجتمع، مثل البناء، النّجارة، الميكانيكا، الزّراعة، الطبّ من تمريض ومساعدي أطبّاء وصيادلةإلخ. أمّا المسار الثّاني فيتعلّق بإنتاج طلبة المستوى العالي، أي الجامعيّ وما فوق الثّانويّ، أي المساق الأكاديمي. وهؤلاء ليس من المتوقّع أن يزيدوا عن نسبة 20%  إلى 30% من مجمل الملتحقين بالتّعليم كيفما كانت نسبة التّعليم التّقني، 60% أم 80% من مجمل الملتحقين به. وهذا يعني أنّ هناك نسبة فاقد تربوي بالضّرورة. إذن الذين سيواصلون تعليمهم الأكاديمي، غير التّقني، لا تزيد نسبتهم عن 15% إلى 30% من مجمل المنتقلين من التّعليم الأوسط إلى التّعليم الثّانوي، وما عدا ذلك يخرجون من سلك التّعليم الثّانوي وهم قد تأهّلوا لينهضوا بمهن من المفترض أن المجتمع يحتاج إليها بصورة ماسّة، ومن المفترض بالتّالي أن تضمن لهم حياةً كريمة تتميّز بدرجة مقبولة من الرّفاهيّة تجعلهم يشعرون بقيمة ما تعلّموه وبقيمة ما يمتهنونه. ولهذا ينبغي عل الدّولة والحكومة إعادة تنظيم مؤسّساتها وتحديد الأولويّات وفق خطط تعليميّة طويلة المدى تسندها أخرى قصيرة المدى بغرض التّمكين من التّقييم والمراجعة، ثمّ بما من شأنه أن يستوعب خرّيجي المدارس المهنيّة أوّل بأوّل.

لا يمكن أن تكتمل حلقات التّعليم الفنّي دون أن يكون هناك نظام متين وجيّد التّنظيم للتّدريب الفنّي والمهني Vocational Training، ذلك بغية خلق عمالة ماهرة skilled labour . والعمالة الماهرة هي التي يقع عليها مناط النّهوض بالمجتمع. وقد أغفل نظم الحكم في مرحلة ما بعد الاستقلال أمر التّدريب، وذلك بحكم محدوديّة المدارس الفنّيّة الثّانويّة من جانب، وقصر أمر التّدريب على الدّراسات العليا لخريجي الجامعات، أكان ذلك بالوطن أم بالخارج. ثمّ كانت نهاية التّدريب الفنّي على يد نظام الإنقاذ، هذا الذي وصلت في عهده الأمور إلى مرحلة غير مسبوقة. فبناء منزل عادي أصبح يتطلّب البحث عن العمالة الأجنبيّة التي تدفّقت على البلاد بمباركة النّظام. ليس هذا فحسب، بل أصبح الاحتياج إلى خدم المنازل يستدعي استجلاب العمالة من الخارج. وما كلّ هذا إلاّ لعدم امتلاك النّظام الحاكم لأيّ مشروع يتعلّق بالنّهضة، ليس بوصفه حكومة أفنديّة فحسب، بل لإصابته بلوثة جنون الأيديولوجيا. وقد زاد النّظام في عمايته الأيديولوجيّة عندما يسّر من دخول العمالة المصريّة بخاصّة في مجال البناء، وذلك بغرض ضرب العمالة الجنوبيّة التي تطوّرت بتلقاء نفسها حتّى كادت تحتكر هذا المجال، وذلك من بين عدّة أغراض تقف خلف تسهيل وتييسير دخول العمالة المصريّة بما يشبه انتهاك سوق العمل بالبلاد.

هذا بخصوص التّعليم الفنّي الذي يقع عليه مناط النّهضة من حيث هي عمالة تحتيّة شاقّة، ولكن بأجرٍ مجزٍ. أمّا بخصوص الذين سيتمّ قبولهم في الجامعات، أي ما نسبته حوالي 25% من خريجي المرحلة الثّانويّة، فينقسمون إلى شقّين أيضاً. فغالبيّة هؤلاء يقومون بدراسة العلوم الإنسانيّة، مثل الآداب واللغات والفلسفة والفنون والموسيقى والرّسم والتّاريخ والأديان إلخ. والغرض من هذا ليس أن يتأهّلوا لشغل مناصب بعينها، وإلاّ لن يعطينا التّعليم أكثر من إضافة عدديّة لطبقة الأفنديّة التي فشلت في تحقيق النّهضة. يكون عماد العمليّة التّعليميّة في هذا المجال إكثار القراءة الممنهجة، لتعقبها كتابة المقالات، ثمّ تقديمها على الزّملاء في الفصل، بما لا يقلّ عن مقالتين أسبوعيّاً. والهدف من هذا تأهيل هؤلاء على تجويد عمليّة القراءة، ثمّ الكتابة، ثمّ أخيراً إتقان عمليّة تبليغ الرّسالة شفاهيّاً، أي بمخاطبة الآخرين وإقناعهم، مع إمتاعهم ليس بمحتوى المقالة فحسب، بل بقدرات كاتبها في مجال الخطابة والبلاغة. ولكن، لم كلّ هذا؟ الغرض الإستراتيجي من هذا هو تأهيل هؤلاء لقيادة المجتمع. فهدف التّعليم الجامعي في مجمله الأعمّ هو إنتاج العقول المفكّرة التي من شأنها أن تلعب دورها في التّنظير ووضع التّصوّرات الفلسفيّة التي من شأنها تحقيق الاستنارة. فقناةُ اكتساب الاستنارة في عصرنا هذا هي في غالبها القراءة؛ وقناةُ توصيل الاستنارة في الغالب الأعمّ هي الكتابة؛ ومناطُ قيادة الشّعب يكمن في التّواصل معه بطريقة مباشرة، أي عبر الالتحام به في المقابلات والنّدوات واللقاءات الجماهيريّة. فمن لا يقوى على مشقّة القراءة، لن يقوى بالضّرورة على مشقّة الكتابة؛ ومن فاته هذا كمن فاته قطار العلم المتحرّك بسرعة واستمرار. ومن لا يقوى على هاتين الممارستين، لن يكون في مقدوره أن ينطق بما يُنير السّبيل ويوسّع المدارك. قد يدهش الكثيرون من هذا الزّعم، ولا غرو. ولكن، في الواقع، هذا هو النّهج التّعليمي الذي نهضت بها الأمم بلا استثناء.

ولكن ماذا عن الباقين، أي ما نسبته حوالي 15% إلى 30% من الملتحقين بالتّعليم الجامعي؟ هؤلاء هم الذين من المفترض أن يلتحقوا بالكلّيّات الفنّيّة التّقنيّة، مثل الهندسة والطّب والعلوم إلخ. وظيفة هذا التّعليم أن يصنع للأمّة علماءها الذين من شأنهم أن يقوموا بالاختراعات والاكتشافات وتحقيق الوثبات العملاقة التي تقطع أشواطاً كبيرة في نهضة الأمّة. فمثلاً، يتوجّب على أيّ كلّيّة هندسة أن يكون لها هدف واضح تعمل من أجل تحقيقه. فعلى سبيل المثال، في بلد شاسع كالسّودان، يكون من المناسب أن تعتمد الصّناعة في مجال نقلها على القطارات. على كلّيّات الهندسة أن تضع على رأس أولويّاتها تأهيل علماء لتطوير هذه الصّناعة بغية توطينها في السّودان؛ أي أن تعمل بحيث تقوم بتصنيع هذه القطارات في السّودان على المدى الطّويل، بما يمكن قياسُه لتحديد مدى الفشل والنّجاح، ولنقل كلّ عشر سنوات. وهكذا دواليك في مجال تصنيع السّيّارات والماكينات الزّراعيّة، ثمّ الطّائرات أيضاً! أي العمل على تصنيع جميع ما يحتاج إليه المجتمع. ولهذا عندما يُبتعث أحد هؤلاء إلى الخارج، لا ينبغي أن يكون الهدف هو مجرّد الحصول على درجة علميّة لا تعدو الاستفادةُ منها مرحلة التّدريس بالجامعة، أو لتصبح مجرّد إشارة هامشيّة لكتاب علمي آخر؛ ينبغي أن يكون الهدف وراء ذلك تأهيل المبتعث ليقوم بتصنيع، أو تطوير تصنيع آلةٍ بعينها، وذلك في إطار توطين الصّناعة المعنيّة بالسّودان. وعلى هذا فقِس!

هذا ما ينبغي للتّعليم أن يقوم به. لكن ما جرى عليه الحال في سودان ما بعد الاستقلال كان عكس ذلك. فوجهة التّعليم جميعه أصبح أكاديميّاً مع بعض المدارس التّقنيّة والمهنية. وعلى هذا أصبح الفاقد التّربوي هو الذي يقوم بمهمّة سد الاحتياجات الفنّيّة، من ميكانيكا ونجارة وبناء، بطريقة التّتلمذ (الصّبينة apprenticeship)، بما في هذه الطّريقة من إهدار للزّمن والأساليب غير العلميّة في التّعلّم، فضلاً عن ضعف القدرات الذّهنية والإبداعية المعتقلة عادةً في الفاقد التّربوي. ومن أسفٍ أنّ أكثر ما أدّى إلى تدهور التّعليم بطريقة عموديّة، كانت تلك الخطط والبرامج التي قُصد منها تطويره. ففي عهد الحكم المايوي لم يكن “السّلّم التّعليمي” سوى نقلة كبيرة للوراء، فيها فقدنا خصوصيّة التّجربة التّعليميّة في السّودان لا لشيء سوى لتقليد مؤسّسات التّعليم في بعض الدّول العربيّة. فقد شهد ذلك العهد انطفاء شمس بخت الرّضا. من المؤكّد أن بخت الرّضا كانت تحتاج إلى تطوير كبير، لكن هذا لا يعني القفز عليها وتبنّي نظام لا يُعرف له قرار في بنية وثقافة المؤسّسة التّعليمية. من ذلك، مثلاً، أن بخت الرّضا قامت وفق آليّات إعادة إنتاج الثّقافات الأفريقية في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة وفق حرائك الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، أي وفق منظور بوتقة الانصهار. وبدلاً من أن تجيء السّياسات الجديدة لتلافي هذا، جاءت لتكريس هذا الاتّجاه وتعميقه.

ولكن الكارثة الماحقة التي لحقت بالتّعليم مجملاً في السّودان، من حيث كان القصد النّهوض به بطريقة راديكاليّة، هي ما يُعرف بمسمّى “ثورة التّعليم” في عهد نظام ثورة الإنقاذ الوطني. ففي هذا العهد انحدر التّعليم في السّودان إلى مستوى به أصبح خريجو الجامعات شبه متعلّمين، الأمر الذي جعل الشّهادات السّودانيّة غير معترفٍ بها لدى العديد من الدّول. كما تفوّق الإنقاذيون على أنفسهم في تقليد العرب بطريقة أن يكون المرءُ ملكيّاً أكثر من الملك نفسه، فأرادوا أن يكونوا عروبيّين بأكثر ممّا عليه العربُ أنفسُهم، وهذه أخطر جوانب هويّتنا المأزومة. فقد تمّ تعريب التّعليم الجامعي كلّه دون أن تتوفّر لدى الجامعات الكتب المترجمة، ودون أن يكون في مقدور السّودان أن يترجم الكتب التي تحتاج إليها جامعاته. وبذلك لم يبقَ غير أن يتّجه السّودان إلى الدّول العربيّة في سبيل مدّه بالكتب ثمّ بالمعلّمين. أمّا التّعليم دون الجامعي فقد تدهور إلى درجة لم يسبق لها مثيل، وذلك جرّاء إعادة قولبة التّعليم ليخدم كمجنِّد أيديولوجي وليس لتحقيق الاستنارة والتّأهيل المهني. وقد كان من أثر هذا جميعاً أن انهار التّعليم الأوّلي، والثّانوي، ثمّ الجامعي، بالرّغم من التّوسّع غير المسبوق في عدد المدارس والجامعات، حكوميّة وخاصّة. وقد بلغت الفوضى أن سمحت الدّولة بتأسيس مدارس أوّليّة تكون فيها اللغة الإنكليزيّة هي وسيط التّعليم دون أن تسمح للجامعات بهذا. كما لم يعد في وسع الدّولة أن تراقب هذا العدد الكبير من مؤسّسات التّعليم الخاصّة، فأصبحت الأخيرة تضع برامجها ومقرّراتها بنفسها ودونما خطّة وطنيّة واضحة، بينما لا تتمسّك وزارة التّربية والتّعليم إلاّ بمراقبة تدريس الموادّ الإسلاميّة المبالغ فيه بالإضافة للغة العربيّة. فمثلاً، تمّ اختزال علوم الجغرافيا والعلوم التّجريبيّة بدمجها في مادّة واحدة، بينما تمّ تقسيم الموادّ الإسلاميّة إلى مادّتين: التّربية الإسلاميّة والقرآن الكريم من جانب، والفقه من جانب آخر. ومع كلّ هذا انحدر مستوى اللغة العربيّة والدّراسات الإسلاميّة فأصبح خريجو الجامعات كما لو كانوا أمّيّين من حيث القراءة والكتابة، ومن حيث حبّ الدّين الحنيف.

 

التّعليم التّقليدي

أدناه سوف نستعرض الكيفيّة التي كان عليها التّعليم التّقليدي في السّودان قبل مرحلة التّعليم النّظامي، أي الحكومي، أي من فترة الفونج (1505م ــــ 1821م) وحتّى بداية فترة الاستعمار المصري التّركي (1821م ــــ 1885م). كانت الخلوة هي أساس التّعليم الأوّلي، حيث تليها الدّراسة بالمعاهد الدّينيّة العليا مثلما كان معروفاً في الجامع الأزهر بالقاهرة (لمزيد من التّفاصيل، يرجى مراجعة عبد العزيز أمين، 1949؛ يحي إبراهيم، 1987؛ ناصر السِّيد، 1990). تُرى ماذا كانت أهداف ذلك التّعليم؟ في حال التّخرّج من الخلوة، كان الخرّيج يمكث بقريته، أي بين أهله وعشيرته، مع فارق بسيط ألا وهو احتيازُه على مكانة مرموقة بسبب معرفته للقراءة والكتابة. المهمّ في هذا أنّه لم يكن ينفصل عن مجتمعه، بل يواصل العيش فيه دون أن يتكسّب بالمعرفة التي نالها بالضّرورة. وهذا يعني أنّه لم يكن ينضمّ إلى ديوان حكومي منفصل عن المجتمع، منه يأكل عيشه. من جانب آخر فقد كان ينال تلك المكانة المرموقة بسبب تسخيره معرفتَه لصالح المجتمع الذي ينتمي إليه وبين ظهرانيه يعيش. أي كان يقوم بدور قيادي في مجتمعه تأهّل له بالتّعليم النّسبي الذي ناله. هذا في حال خرّيج الخلوة؛ أمّا في حال خرّيج المعاهد التّقليديّة العليا، مثل الأزهر والحرم المكّي وغيره، فقد كانت المسألة تتطلّب سفر الدّارس بعيداً عن أهله وعشيرته لمواصلة الدّراسة التي ربّما يقضي فيها سنوات من شبابه الأوّل.

ماذا كان يفعل ذلك الخرّيج حال تخرّجه؟ كان مباشرةً يعود كشيخ ديني شعبي (صوفي في أغلب الأحيان) إلى مجتمعه الذي صدر منه أوّل أمره حيث يقوم بأمرين، أوّلهما هو تأسيس خلوة في الغالب لمواصلة نشر المعرفة؛ والأمر الثّاني كان تسخير معرفته لصالح المجتمع بحيث يلعب دوراً قياديّاً دفعاً له إلى الأمام. هذه هي طبقة الشّيوخ، أي شيوخ الخلاوي والطّرق الصّوفيّة الذين نشروا الإسلام الشّعبي في السّودان، أي الإسلام الذي نجم عن تثاقف اجتماعي في سياق زمكاني حاضر. ونحن لا نعني بهذا أنّ ذلك النّظام التّعليمي كان جيّداً من حيث محتوياته؛ فما نريد قوله هو أنّ المنهج التّخطيطي للتّعليم بحيث يكون لازماً لاحتياجات المجتمع هو الصّحيح، وليس محتوياته بالضّرورة. فالتّعليم عبر الخلوة، فالمعاهد الدّينيّة كان متخلّفاً في محتوياته ويقوم على الحفظ والتّلقين وتكريس الاتّباع دونما أيّ منهج تعليمي يشحذ في التّلميذ روح النّقد والفكر الحرّ. ولكن، مع كلّ هذا، يمكن القول بأنّه كان يكفي أود ذلك المجتمع المستفقر للقيادة بنسبيّة فقره وبؤسه الإبداعي وحسب.

كانت هناك طبقة أخرى من رجال الدّين هم أولئك الذين تخرّجوا في الأزهر، ومن ثمّ استقدمهم سلاطين المملكة الزّرقاء ليعملوا في بلاطها كرجال دين رسميّين يقومون بأمر الفتيا، أي كفقهاء. هؤلاء كانوا ينشرون الإسلام الرّسمي أو الأورثودوكسي، وهو نمط التّديّن الذي لم يتبلور عبر تثاقف اجتماعي حاضر، بل تثاقف اجتماعي لعصرٍ ماضٍ، وبالتّالي لا يمكن تحصيله إلاّ في الكتب وقاعات الدّرس (أي نصوص الشّريعة كما أُثرت عن كتب السّلف). كما كانت علاقة هؤلاء مباشرة مع مؤسّسة الحكم القائم. ولهذا كان من الطّبيعي أن ينشب الصّراع بين النّمطين، أي بين الشّيوخ من جانب وبين الفقهاء من جانب آخر. وقد كانت الغلبة الجماهيريّة واضحة للشّيوخ، الأمر الذي دفع ببعض الفقهاء لاطّراح جبّة الفقه وحمل إبريق الشّياخة، معمّداً نفسه شيخاً صوفيّاً يتّبع الدّين الشّعبي بدلاً من فقيه مدرسي يتّبع الشّريعة بحذفارها. كما كان معروفاً عن الشّيوخ تحدّيهم للسّلاطين مع تودّد الأخيرين إليهم؛ هذا مقابل اتّباع الفقهاء للسّلاطين واستصدار الفتاوى لهم حسبما يقتضيه الحال.

بعد ذلك، عندما جاء الاستعمار المصري التّركي تمّ إدخال التّعليم النّظامي بغية تأهيل صغار الكتبة والموظّفين لشغل الوظائف الدّنيا في دواوين الحكومة. وهكذا بدأت الصّفوة وطبقة الأفنديّة تتشكّل، لكن ليس لقيادة المجتمع، بل لخدمة المستعمر. وممّا زاد الطّين بِلّة أنّ نمط الإسلام الذي دُرِّس في تلك المدارس كان يجري وفق نمط الإسلام الأورثودوكسي. وقد استقدم الاستعمار المصري التّركي عدداً من الفقهاء لهذا الغرض من الأزهر، حيث كانوا يقومون بدور الفتيا وتدريس مادّة التّربية الإسلاميّة. فيما بعد، سار الاستعمار البريطاني المصري على نفس الخطى، إذ لم تعدُ وظائفُ النّظام التّعليمي كونها تقوم بتأهيل كادر الموظّفين الذين تحتاج إليهم دواوين الدّولة تحت الحكم الاستعماري، مع فارق كبير هو اشتمال ذلك التّعليم في بدايته على سلك للتّدريس الفنّي الذي سرعان ما غلب عليه المساق الأكاديمي البحت عندما شرع في التّطوّر.

ولكن كانت هناك تجارب تعليميّة في فترة الاستعمار جديرة بالتّأمّل والاعتبار، مثل تجربة معهد بخت الرُّضا الذي أُقيم بالقرب من مدينة الدّويم على النّيل الأبيض. وقد أُنيطت بهذا المعهد عدّث مهام على رأسها وضع المناهج وتجريبها على مدارس ملحقة بالمعهد، ثمّ تأهيل المعلّمين لتدريس تلك الموادّ. أدناه سوف نستعرض تجربة هذا المعهد.

 

معهد بخت الرُّضا

في هذا الصّدد تقف تجربة معهد بخت الرّضا، بوصفه معملاً للتّجريب والتّأهيل المناهجي للتّعليم كشاهد على ما نقول من حيث استناد التّجربة كلّها على قالب التّمركز والتّهميش. كان أحد أهداف تجربة بخت الرّضا تحاشي هذا المذهب السّقيم الذي لا ينهض بقدرات النّاشئة والأطفال؛ كما كان تحاشي هذا أيضاً وراء إصرار الاستعمار الإنكليزي إدخال موادّ الحساب والرّياضيّات إلى التّعليم في مرحلة الكتّاب والخلوة، وأثر هذه التّقاليد التّربويّة على المدارس الحديثة. فقد كان ذلك إحدى الملاحظات التي رفعتها لجنة دي لاوار عام 1937م فكان أن وجّهت “… لنظم التّعليم انتقادات عدّة ، منها ضآلة الموادّ الدّراسيّة بالخلاوي، وعدم اتّصالها بالبيئة، وخضوع التّعليم لقيود الامتحانات، وأنّ الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه المدارس هو إصرارها على حفظ الطّلاّب للدّروس بلا فهم أو وعي صحيح. وكان ذلك نتاجاً للجذور العقليّة للتّلاميذ الذين نشأوا على نهج متّفق مع تقاليد الخلاوي…” (محمّد عمر بشير، 1984/ 216). ولكن مع كلّ هذا الحرص على الحداثة، فشلت بخت الرّضا لعدّة أسباب، منها استنادها أساساً على منظور بوتقة الانصهار وانكفائها على المناطق التي خضعت لهذه الآليّة. فقد نشأ المعهد في ظلّ سياسة المناطق المقفولة  Closed Districts، التي عزلت الجنوب وجبال النّوبة وأعالي النّيل الأزرق عن باقي أقاليم البلاد، فكان أن كرّست من تخلّف هذه المناطق بالحيلولة دون أن تتفاعل مع المناطق الأكثر تطوّراً وتمديناً منها. وحتّى في العهد الوطني، بعيد الاستقلال، لم تتمكّن بخت الرُّضا من ابتناء رؤية وطنيّة راشدة، مثلاً كأن تتبنّى منظور الوحدة في التّنوّع بدلاً عن منظور بوتقة الانصهار الذي قامت عليه. من ذلك، مثلاً، ما عكسته القيم المفهوميّة للقرب والبعد من المركز لبعض أقاليم السّودان وذلك في أحد الأناشيد المدرسيّة بالمرحلة الأوّليّة، التي تناولت جميع أقاليم السّودان شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، ثمّ وسطاً. ففي إشارته إلى مدينة يامبيو بجنوب السّودان، تبدأ شطرة النّشيد بقولها: وفي يامبيو البعيدة (كلّي امتنان للصّديق عبد السّلام نور الدّين حمد لتنبيهي لهذه المفارقة). فيامبيو بالفعل بعيدة عن الذين يعيشون في أقصى شمال السّودان أو غربه أو شرقه، أو حتّى وسطه، بنفس الدّرجة التي عليها بعد هذه الأقاليم بالنّسبة لمن يعيشون في يامبيو. فإذا كانت يامبيو هي مركز السّودان السّلطوي، عندها سينظر سجينو هذه المركزيّة لمدينة وادي حلفا بأقصى شمال السّودان على أنّها تقع في آخر الدّنيا. وتكمن خطورة هذه المركزيّة في كونها صادرة عن مؤسّسة الدّولة، وعبر واحدة من أخطر مؤسّساتها، ألا وهي مؤسّسة التّعليم.

أمّا السّبب الآخر في فشل تجربة بخت الرّضا فكان عدم استصحاب التّقاليد التّربويّة القائمة على الخلوة والتّعليم الدّيني بإجمال من حيث وظيفته المتمثّلة في مدّ المجتمع بقياداته ومفكّريه، بدلاً من مدّ الحكومة بموظّفيها. فقد كان الأرجح أن يقوم التّعليم الحديث بوصفه تطويراً للتّعليم التّقليدي، لا قفزاً فوقه. ولكن مع هذا، بينما تواصل تنامي طبقة الأفنديّة، حافظت بعض مؤسّسات التّعليم التّقليدي في الاستمرار، متيحةً بذلك للمجتمع قدراً معتبراً من القيادات المُلهَمة والمنتمية للمجتمع. ولا غرو أن نشب الصّراع بين هاتين الطّبقتين، وربّما لا يزال. فحتّى زمن قريب كان يفرّق في سلك الوظيفة بين مدرّسي المدارس من خريجي التّعليم الحكومي النّظامي العلماني (جوازاً)، وبين المدرّسين من خريجي المدارس التّقليديّة والدّينيّة، كالمعهد العلمي والأزهر، الذين كانوا يقومون بتدريس مادّتي اللغة العربيّة والتّربية الإسلاميّة. كذلك نشب صراع حادّ ومرير بين القضاة من خريجي الجامعات الحكوميّة الأكاديميّة العلمانيّة (جوازاً) وبين القضاة الشّرعيّين من خريجي كلّيّات الشّريعة بالجامعات الدّينيّة، مثل الأزهر وجامعة أمدرمان الإسلاميّة (راجع عبدالله علي إبراهيم، 2004: 27-37؛ 2008 ـــ المقدمة: 1-57). في الحقيقة، لا يقف عبدالله علي إبراهيم على هذه المشكلة إلاّ عابراً ليناقش قضايا التّطوّر القضائي وثنائيّته ما بين النّظام القضائي الحديث من ناحية، والقضاء التّقليدي القائم على أحكام الشّريعة من ناحية أخرى. في مناقشته لهذه المسألة ينطلق عبدالله علي إبراهيم من حدود premises تختلف عن الحدود التي ننطلق منها، وإن كنّا نتّفق معه في تشخيصه للمسألة من حيث دهورة النّظام التّعليمي التّقليدي على حساب النّظام التّعليمي الحديث. فهو يُلحق بما نسمّيه النّظام التّعليمي التّقليدي ما يسمّيه هو بالشّريعة. صحيح أنّ هذه المعاهد والمراكز التّقليديّة كانت تدرّس علوم الدّين، لكن هذا شيء، في رأي البعض، لا علاقة له بالشّريعة، كون ما يسمّى بالشّريعة قد لا يعدو مجمل القوانين المستنّة لإدارة شئون البلاد والعباد. فنحن، كما رأينا أعلاه، لا ننظر إلى النّظام الحديث على أنّه علماني، ولو ظنّ من سنّوه أنّه كذلك. فحسبما شرحنا في الفصل الثّامن أعلاه، يجوز القول بأنّه بخلاف المواد التي نزلت فيها نصوص صريحة، وهي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، لا تعدو الشّريعة كونها مجموعة من القوانين الوضعيّة التي تواضع عليها علماء المسلمين باعتبار تحقيقها لمصلحة المواطنين (الذين كانوا في مجملهم مسلمين في مرحلة ما قبل الدّولة الوطنيّة)، بنفس القدر الذي قام فيه المشرّعون بسنّ القوانين في المجتمعات الأخرى. وعليه، تصبح القوانين التي يُتعارف عليها باسم الشّريعة مجرّد قوانين علمانيّة بحتة.

 

مقالة مجتزأة من كتابي بعنوان: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان، الفصل السابع