محمد جلال أحمد هاشم نهضت الصّفوة السّودانيّة (أي شخصيّة الأفندي)، في مقابل استلابها وتغرّبها عن مجتمعها، على خصلة معاوضة لمقابلة ما فقدته جرّاء اغترابها، ألا وهي التّنافس في سقط المتاع، ونعني به كلّ ما يتعلّق بجاه الوظيفة، من ترقيات (قبل الزّملاء ولو كان غير مستحقّ) والسّفر، ثم تجيير أكبر قدر من المال العام للمنفعة الخاصّة (وهذا تزويق اصطلاحي لمفهوم نهب المال العالم).

يجري هذا التّنافس غير النّبيل في فضاء مؤسّسة الدّولة، أي في فضاء مشروع وطني بعينه (ولو افتراضاً). في هذا نجد الأفندي ذا نَفَس قصير، إذ غاية التّفوّق عنده هو كسب الجولة الرّاهنة، دونما تبصّر أفقي بعيد المدى، أي من قبيل أن يكسب مجمل الجولات، أي صناعة التّاريخ بتحقيق المشروع الوطني النّهضوي. لهذا يمكن أن يعمل الأفندي على تدمير مجمل اللعبة في تنافسه المحموم heated rivalry في سبيل تحقيق منافعه الشّخصيّة، أي تدمير المشروع الوطني، في حال إحساسه بأنّ هذا المشروع لن يحقّق له حالة التّفوّق التي يتوق إليها. فسقف أحلامه لا يتجاوز مكاسبه الشّخصيّة.

تمتدّ هذه التّنافسيّةrivalry  (وهذا يختلف تماماً في معناه عن المنافسة في كلمة Competition، فالتنافس في أمّهات الكتب كلسان العرب يعتلج بالحسد) لتصبغ جميع مناحي حياة الأفندي، من زوجته إلى أطفاله. ومن نافلة القول الإشارة إلى أنّ وسيلة الأفندي لتحقيق كلّ هذه الأمجاد والمكارم هي سلّم التّعليم. وبما أنّ التّعليم وفق نظامه الأكاديمي الذي شرحناه أعلاه، أي عبر مؤسّساته المعروفة من مدرسة وجامعة إلخ، قد آل إلى فشل ذريع، يبقى من المنطقي أن تفشل الصّفوة في نمط آخر للتّعليم، ألا وهو التّربية. ونعني بالتّربية تنشئة الأبناء والبنات بما من شأنه أن يكونوا إضافة وتطوّراً بأكثر ممّا كان عليه جيل الآباء والأمّهات، وذلك للتّصدّي للمهامّ التّاريخيّة المتعلّقة ببناء الأمّة. في هذا فشلت الصّفوة السّودانيّة المنتمية للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة بدرجة ماحقة، هو ما سنشرحه أدناه. وسوف نأخذ مجتمع وسط السّودان المستعرب كنموذج، وذلك بحكم ريادته وقيادته لحرائك التّفاعل الثّقافي والسّياسي في السّودان طيلة القرون الماضية، وهو ما سنتعامل معه تجاوزاً بمسمّى المجتمع السّوداني التّقليدي، محذّرين من تعميمه. ويدخل في هذا ما يُعرف بمجتمع المغتربين، أي ما يمكن تسميته “ترباية الشّقق”، أي التّربية المعلّقة في فراغ الثّقافات؛ فلا هم قد انسجموا في مجتمعات المواطنين بالدّول التي قضوا فيها غالب عمرهم إلى ما بعد المعاش وربّما إلى لحظة العودة إلى أرض الوطن داخل تابوت، ولا همّ عاشوا داخل مجتمعاتهم ببلادهم على ما فيها من مشاكل تربويّة، أي المجتمع السّوداني الذي نقوم بتحليله هنا. فمجتمع المغتربين يعاني من أزمة مركّبة، كونها قد خضعت لجميع علل طبقة الأفنديّة، ثمّ أضافت إليها تعقيدات التّربية في الفراغ الثّقافي، أي “ترباية الشّقق”.

هناك فصل تامّ بين الجنسين في المجتمع السّوداني التّقليدي فيما يتعلّق بالتّربية. فمجتمع الرّجال تحكمه قيم تختلف عن تلك التي تحكم مجتمع النّساء. وعلى هذا تتمّ تنشئة الأجيال الوليدة من الجنسين. هناك جزء مخصّص من المنزل بالنسّبة للرّجال، كما هناك جزء مخصّص للنّساء. على الولد بمجرّد أن يتجاوز الخامسة أو السّادسة بقليل أن ينتقل إلى العيش طيلة آناء النّهار في الجزء المخصّص للرّجال، بينما تختفي البنت داخل الجزء المخصّص للنّساء منذ أن تتجاوز الخامسة أيضاً. وتختلف هندسة الجزئين، الرّجالي عن ذلك النّسائي؛ فبينما قد يكون الأوّل تعريشة خارج المنزل، أو ديواناً مشرعةً أبوابه، يكون الثّاني منكفئاً داخل المنزل، ومغلقاً بحيث لا يسمح لأيّ غريب بإجالة النّظر، دع عنك دخوله. في الدّاخل تعمل البنت كخادمة تحت إشراف أمّها أو أخواتها الأكبر منها سنّاً، وذلك كيما تتعلّم كيف تكون زوجةً صالحة حال زواجها، تسمع وتطيع زوجها، وتحفظه في ماله وعرضه. من جانبه، على الولد أن يعكف على خدمة والده، وزمرة الرّجال الذين عادةً ما يكونون من الأسرة الممتدّة، كخادم مجّاني، فيجلب لهم الطّعام ويدلق لهم الماء لغسل أيديهم، وكذلك إحضار الإبريق للوضوء. في هذا عليه أن يأتمر في مسكنة، ثمّ يسمع دون أن يشارك بالكلام.

في كلا الحالين، للبنت والولد، تكون مخالفة هذه القواعد، أو حتّى الإخلال بها بأدنى درجة، سبباً كافياً لإلحاق أقسى أنواع العقوبة، التي أقلُّها التّوبيخ والتّقريع، وأكثرُها شيوعاً هو الضّرب المبرح لاذي لا كما لو كان لا يعرف الرّحمة، ونصيب الولد في هذا يفوق ما يلي البنت. فبينما يكون عالم البنت محدوداً ومغلقاً، ذلك كونه منحصراً داخل أسوار بيت الحريم، يكون عالم الولد منفتحاً على العالم الخارجي، فتكثر تجاربه وبالتّالي تزيد فرصه في أن يرتكب من الأخطاء ما يجلب له المزيد من العقوبات البدنيّة. وغاية المراد في تربية البنت أن تكون خجولة ومطواعة، وتعمل بهمّة لا تعرف الكلل أو الملل. وغاية المراد في تربية الولد أن يكون قاسياً قسوة الحياة، بما يجعله قادراً على أن يشقّ طريقه ليبني بعد ذلك أسرته.

مع هذا كانت تأتي جملة من القواعد المنظّمة للسّلوك، ذلك في سبيل تحقيق تثاقف اجتماعي بعينه قد تواضع عليه المجتمع، وعبره يحقّق توافقيّاتِه. فالمجتمع تحكمه قواعد الأسرة الممتدّة، بما يقتضيه هذا الوضع من علاقات غاية في التّعقيد، ينبغي للولد والبنت أن ينشآ وهما يعيان دورَهما وواجبَهما إزاءها. باختصار، كان لذلك المجتمع التّقليدي هدفُه من تنشئة أبنائه وبناته، كما كانت له آليّاتُه فيما يتعلّق بالعقاب والثّواب لبلوغ تلك الغاية. إذن فقد كان هناك نظام اجتماعي متكامل، وإن كان قاسياً، إلاّ أنّه كان يفي بالغرض في إطار ذلك الجتمع التّقليدي. أي أنّه نظام كان يعمل وفق ديناميكيّات تستهدف مصلحة المجموعة، أي المجتمع ككلّ، وليس الفرد.

هذا ما كان من أمر التّربية في المجتمعات التي صدرت عنها الصّفوة المتعلّمة، وهي نفسها المجتمعات التي تحامتها تلك الصّفوة، وبالتّالي تحامت أساليبها، نسبيّاً، في كلّ شيء من ملبس ومأكل وسلوك اجتماعي عام. فقد كانت الصّفوة تتمثّل أساليب الغرب التي أثِروها عن المستعمر الذي تأهّلوا في سلك الوظيفة عبر خدمته بغية أن يرثوا عنه الدّولة. وعلى هذا باشروا تربية البنت والولد على حدٍّ سواء باطّراح مناهج التّربية التّقليديّة التي أُنشئوا عليها؛ فتلك أساليب بالية ومتخلّفة ولا تليق بهم، هم الذين ترقّوا درجات في سلّم الحضارة، وبالتّالي فارقوا سبل الحياة التّقليديّة التي عليها أهلُهم البسطاء.

تتملّك الوالدين، أو أحدهما، من قبيل طبقة الأفنديّة، نزعة غير واعية لتنصيب طفلهما كطاغية عليهما، ومن ثمّ على غيرهما، ناضجين وأطفالاً. تأخذ هذه النّزعة طابع الحبّ الشّديد للطّفل (والأطفال بحكم طفولتهم أثيرون)، وبالتّالي ترك الحبل على الغارب ليفعل الطّفل ما يشاء بدون حساب، وهو يخطو سنواته الأولى، بل قل وهو يحبو. وفي الحقيقة قد يتورّط الوالدان، جرّاء حبِّهما الجارف، غير التّربويّ، في هذا السّلوك من غير وعيٍ، إذ يدفعهما الطّفل إلى ذلك بحكم استغلاقه في ذاته إذ لمّا يتطوّر وعيه بذاته بعد كإنسان في سياق اجتماعي فيه آخرون. وبالتّالي ما إن يرتكب خطأً يوجب التّوجيه والتّحذير من تكراره ثمّ الكبح، حتّى ينفجر الوالدان في الضّحك المشبوب بالمحبّة الأبويّة ـ الأموميّة الطّاغية، أو الابتسام، أو التّوجيه بالتّوقّف كخدمة شفاهيّة تعني أن استمرّ فيما أنت فيه. وأياً كان، فجميع هذه الرّدود لا تشكّل لديه شيئاً سوى الإشادة والإعجاب، ومن ثمّ تحفيز الطّفل للاستمرار فيما يفعله وتحويله إلى قالب سلوكي.

يعرف عن الأطفال، حتّى في سنّهم المبكّرة، قدرتهم الفائفة على التقاط الرّسائل المستبطنة في مثل ردود الأفعال التي تبدو كما لو كانت كابحة، بينما هي على عكس ذلك. والطّفل معروف عنه قدرته الفائقة في استغلال الأوضاع وتجييرها manipulation  لصالح تلبية رغباته الذّاتيّة؛ فالطّفل من أذكى المسخّرين للآخرين بغية خدمة أغراضهم manipulator . في كلّ هذا يعزّي الوالدان نفسيهما بمجموعة من التّبريرات الواهية من قبيل أنّ الطّفل لا يزال صغيراً، وسوف يتعلّم عندما يكبر؛ والنّظر إلى سلوكه باعتباره مجرّد “شيطنة” طفولة، هي أجمل وأحلى ما فيه، وحتماً سوف يتجاوزها في مقبل أيّامه. وهكذا رويداً رويدا، يتحوّل الطّفل إلى طاغية صغير داخل المنزل، يتسلّط على والديه، وعلى من حوله ما قدِر على ذلك. وتكمن المشكلة في أنّه كلّما كبُر في السّنّ، تمكّنت هذه السّمات السّالبة من شخصيّته وأفرط فيها. من جانب آخر، تنحو اللعبة إلى أن تنعكس، حيث يعمد الوالدان إلى أن يطغَوا عليه بدورهم، بغية كبح جماحه وضبطه، وبالتّالي تتجاذبه تيّارات متناقضة ما بين القبول والرّفض.

يبدأ الطّفل حياته من ذاته الأنّانيّة ريثما يشرع في تعلّم القيم التي تجعله يعي ذاته موضوعيّاً، أي في واقع فيه ذوات أخرى لها ما عليه. ولكن الطّفل المدّلل لا يتعلّم هذا، ذلك لأنّه يكون مشغولاً تماماً بتطوير رغباته الأنّانيّة الذّاتيّة إلى وعي بأحقّيّته بالاستئثار بكلّ شيء، وذلك لتميّزه الذي يشعر به من الطّريقة التي يربّيانه بها والداه. ثمّ قليلاً، قليلاً، يبدأ في تعلّم شيء آخر، وهو عصيان الأوامر والاستهوان بالقواعد المنظّمة للسّلوك، وذلك وفق نظر والديه إلى أنّ هذا جميعُه من شقاوته، وهي عين ما تجعله محبوباً ومشوّقاً للآخرين (يفوِّر البطن). بعد هذا يتقدّم الطّفل خطوة أخرى في بلورة طبيعته الاجتماعيّة المضادّة قيد التّشكّل. إذ يبدأ في إلحاق الضّرر بالأشياء التي حوله التي، طبعاً، تخصّ الآخرين؛ ثم بعدها يبدأ بإلحاق الأذى بالآخرين أنفسهم. في كلّ هذا يتسامح معه والداه، ولم لا وهو مجرّد طفل لا يعرف الفرق بين الحلوى وبين الجمر المحمرّ. ولكن ما إن يبدأ في التّقدّم في السّنّ حيث تزاوله غرارة الطّفولة الشّيّقة، حتّى تصبح أفعالُه غير محتملة، ذلك لتجاوزها الحدود، من جانب، ولأنّه لم يعد ذاك الطّفل الغرّير. عندها تنزل عليه العقوبات والتّوبيخات الغاضبة من كلّ جانب كما ينزل المطر. ولكن من أين له أن يفهم مغزى كلّ هذا وقد فاته أوان تعلّمها! لهذا قد ينحو إلى تبنّي أنماط سلوكيّة عبيطة ناجمة عن تحايله وإصراره على التّظاهر بأنّه لا يزال ذلك الطّفل الغرّير، ولكن هيهات.

عادة ما ينكسر الطّفل الصّبي أمام هذه الهجمات التي تبدو كما لو أنّ النّاس يكرهونه بلا سبب، بدءاً من والديه انتهاءً بباقي الأهل. ولذا قد يدخل سلوكُه الاجتماعي المضاد anti-social مرحلة كمون، ريثما تظهر لاحقاً في المراهقة، أو بعد أن يحقّق استقلاليّته النّسبيّة عن أسرته، ويبحر في خضمّ بحر الحياة اللاجب. فهو قد يتحوّل إلى مجرم، ذلك عندما يقرّر أنّه لا فائدة من مطاوعة المجتمع والتّظاهر بأنّه يتصرّف وفق الطّريقة المطلوبة منه. عندها، وغالباً في المراهقة، قد يقرّر أن يكون نفسه to be himself، ذلك بأن يعيش وفق الطّريقة التي تروق له، أي أن يطلق العنان لأنانيّته الكامنة وحبّه لنفسه على حساب الآخرين. وقد يكتشف عندها نقطة ضعف أهله، وكيف أنّهم سوف يتنازلون في حال شعروا أنّه يتحدّاهم. بالطّبع، ستبقى، في هذه الحالة، قوّة أخيرة يمكنها ردعه: البوليس والقضاء. في حالة أفضل [كذا!] من هذا، قد ينمو هذا الطّفل وهو غير واثق من نفسه، وذلك إزاء ردود الأفعال المتناقضة التي باشرها به والداه ومجتمعُه الصّغير.

 

أبناء الأفنديّة ما بين “ترباية” السّحاسيح والتّماسيخ

عُرف عن الأفنديّة، في غالبيّتهم، تربيتهم للأولاد والبنات بدرجة كبيرة من اللين والتّدليل. وقد كان أوّل ما باشروا به هذا تسمية الأبناء والبنات بأسماء تبادعوا فيها، جميعُها ينحو إلى التّدليل من حيث تأوّلوا أصوات تلك المسمّيّات في جرسِها ووقعها في مجتمع مستعرب. وقد انتشرت بينهم صرعة أن تبدأ أسماء أبنائهم وبناتهم بحرف بعينه؛ ويا حبّذا لو كان ذلك هو نفسه الحرف الذي يبدأ به اسم الزّوجين. كما باشروا أبناءهم الذّكور بسلوك مشتطّ من الحماية المبالغ فيها  over protection، كما لو كانوا يهيّئون إناثاً لا ذكوراً لحياةٍ قاسية (بالاحتكام إلى تقليديّتهم المستبطنة). وقد بلغ الفهم الاجتماعي العام لهذا الأمر الذي نُظر إليه باعتباره من الليونة والأنثويّة في تربية هؤلاء الصّبيان أن أصبحت المجتمعات التّقليديّة تنظر إلى أبناء الصّفوة (أبناء الموظّفين) كما لو كانوا كالبنات، وما هم ببنات.

وقد جعل كلّ هذا من أبناء الموظّفين هدفاً لثقافة البيدوفيليا وصقور المثليّة الذّكوريّة التي فشت في مجتمع الأفنديّة (ومن بعده في ثقافة الشّارع السّوداني الإسلاموعروبي) منذ بدايات القرن العشرين إلى أخرياته. وقد تبلور هذا الفهم في ابتداع شخصيّات كاريكتوريّة في بعض صفحات الجرائد المخصّصة للأولاد والصّبيان؛ وقد ذاع واشتُهر منها شخصيّتان، قام باصطناعهما الفنّان التّشكيلي عمر الأمين شِبْر، الأولى تحمل اسم “سحسوح” عليها سيماء الرّجل المخنّث وترمز للأفنديّة وتنشئتهم النّازعة للأنثويّة مقابل شخصيّة كاريكتوريّة أخرى تحمل اسم “إستيف” Steve عليها سيماء الرّجولة والفحولة، حيث تظهر مفتولة العضلات (عبدالله علي إبراهيم، “شبر سحسوح”، جريدة الصّحافة، 4/6/2009). كما كان عمّال السّكّة الحديديّة، أشهر النّقابات في تاريخ السّودان، تصوّر مظاهرات الأفنديّة وهم يلوّحون بالمناديل (مناديل الحبّ)، في تصوير مطابق للصّورة النّمطيّة للبنات آنذاك، ذلك مقابل تحامي طبقة الأفنديّة للسّياسة في ترفّع طبقي زائف (عبدالله علي إبراهيم، “أنحنا ما سحاسيح”، جريدة الرّأي العام، 4/1/2004).

ولكن السّؤال هو: هل فعلاً استبدلت طبقة الأفنديّة النّظام الاجتماعي التّقليدي بنظام آخر ــــ هنا تحديداً النّظام الغربي للتّربية والمثاقفة الاجتماعيّة؟ الحقيقة أنّهم أصبحوا كالمنبتّ لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع. فلا هم مكثوا على ما وجدوا عليه آباءهم الأوّلين، ولا هم أمسكوا بزمام النّظام الغربي الذي انجذبت إليه أنفسُهم في غلواء حداثويّتهم الزّائفة. فقد ترنّحوا تربويّاً في المرحلة بين المرحلتين، ولكن ليس بدون ثمنٍ غالٍ. ومن البدهي أنّ هذا الثّمن قد دفعه الأبناء والبنات. لم يكن هذا النّظام المنبتّ قد طوّر له غايات مجتمعيّة بخلاف الغاية الكبرى للأفنديّة، ألا وهي احتياز أفضل الأوضاع الممكنة عبر جاه الوظيفة التي نالوها عبر بوّابة التّعليم. ولهذا كانت الغاية الكبرى، وفق طبيعة الشّخصيّة التّنافسيّة هذي، أن ينجح أبناء وبنات الأفندي في التّعليم ـ وليس أفضل من أن يتفوّقوا على جميع أبناء وبنات الأفنديّة الآخرين، وكذلك على أبناء العمومة والخئولة الذين دخلوا في سلك الأفنديّة ـوأولئك الذين لمّا يزالون يقبعون تحت نير القرية المتخلّفة. وما هذا إلاّ ليتعلّموا، ثمّ يتخرّجوا، فيحصلوا على أوضاع أفضل من تلك التي حاز عليها والدهم الأفندي، الذي غالباً ما حال الحسّاد والمتآمرون دون أن ينال ما يستحقُّه.

لقد كانت نتيجة كلّ هذا حصاد التّباب، أي الخسران المبين. فهؤلاء الأبناء والبنات تمّت تربيتُهم، نسبيّاً، دون غاية جماليّة سامية عليهم أن يبلغوها؛ أي دون أي غاية تتعلّق بالمجتمع ككلّ. فالغاية، كلّ الغاية عندهم، هي احتياز أفضل الأوضاع على المستوى الفردي، وعلى حساب الآخرين، عبر جاه الوظيفة. فقد انحدرت الصّفوة التي كان من المفترض أن تنال قدراً عالياً من التّثقيف الاجتماعي، أي الانتماء للمجتمع، إلى درك غريزي موغل في البدائيّة، ألا وهي مرحلة الحيوان المنوي الذي يجري سابقاً الملايين من إخوته التّوائم ليفوز وحده بالحياة، فأنا وبعدي الطّوفان. وتكمن المفارقة في أنّ كلّ هذه الإنجازات والانتصارات الزّائفة تتمّ عبر المال العام، أي مال دافعي الضّرائب، أي نفس المال الذي يدفعه أهل القرية المتخلّفة التي صدر منها الأفندي أوّل عهده. لقد انتهى به المقام ليس متحامياً لقريته فحسب، بل أنشأ أبناءه وبناته وهم قلّما يعلمون شيئاً عن تلك القرية النّائية التي تنام على ضفاف النّيل، أو بين كثبان الرّمال، أو بين ثنايا الجبال ووديانها، أو بين أكَمَات الغابة وأجَمَاتها، في وداعة، تتحدّى كرّ الأيّام والسّنين والقرون. ليس هذا فحسب، بل قد ترى الأبناء والبنات يسخرون من أبناء وبنات القرابة القادمين من القرية إذا ما دفعت بهم ظروف الدّراسة بالأخيرين إلى السّكنى معهم.

من جانب آخر، فشلت طبقة الأفنديّة في إيهام نفسها وأبنائها وبناتها بهذه الحداثويّة الزّائفة. فهم ربّوا أبناءهم وبناتهم على أساس قيم المساواة والحرّيّة، لكن ليس وفق نظام تثاقفي متكامل، أي دون توافقيّة ثقافيّة. ففي جانب العلاقات النّوعيّة انكفأت هذه الطبقة على نفس السّلوكيّات التّقليديّة التي لا تساوي بين الجنسين. وليس أدلّ على ذلك من طبيعة العلاقة بين الأفندي وزوجته التي تحكمها جميع الآليّات التّقليديّة المتناقضة التي تقوم على سيادة الذّكر على الأنثى ظاهريّاً. فضلاً عن تمثّل الأب الأفندي لذات شخصيّة والده الأب التّقليدي من حيث النّظرة التّخويفيّة واتّباع تكتيك تخويف الزّوجة والسّيطرة عليها (أو العكس والحالة واحدة)، ومن بعدها الأبناء والبنات بغية ضبطهم وتوجيههم. فضلاً عن نفس مأزومة من حيث السّلطة والتّسلّط الوظيفي الذي يعاني منه الأب الأفندي في مكان العمل. إذن، كان هذا هو ما أنشأوا عليه أبناءهم وبناتهم، لكن مع فارق كبير وخطير. ذلك أنّه لم يتمّ تطوير آليّات ثوابيّة وعقابيّة تتماشى مع هذه التّربية ذات الحداثويّة السّطحيّة، ذلك في إطار تثاقفي ذي غاية اجتماعيّة. ولهذا ما إن يرتكب أحد الأبناء خطأً فادحاً، حتّى تثور ثائرة الوالد، فلا يجد غير الضّرب الذي قد يكون مبرحاً في أحيان كثيرة، أي على غرار ما عليه الحال في التّربية التّقليديّة (وكذلك الأمّ). وكما قلّما تُستثنى البنات من الضّرب، قلّما تجد حالات تخالف هذا الوضع العام، إذ ينظر إليها على أنّها استثناء، كما عليه مثل هذه الحالات الاستثنائيّة في التّربية التّقليديّة أيضاً.

بجانب تمثّل شخصيّة والده المتسلّط، يقوم الأفندي بتمثّل شخصيّة رؤسائه في العمل، ذلك في تعامله مع زوجته وأطفاله في المنزل. من صور التّماهي هذه علوّ صوته في المنزل، مقرّعاً ومؤنّباً، ثمّ منادياً بأعلى صوته لأيّ شخص من الأسرة، ولو كان هذا الشّخص في ركنٍ قصيٍّ بالبيت، متوقّعاً منه ترك ما يفعله والحضور فوراً. وغالباً ما يؤدّي هذا السّلوك المتعالي والمتسلّط إلى خلق جو من التّوتّر والتّرقّب المُمضّ، وبالتّالي خلق حالة من عدم الارتياح العام بالمنزل. ويحاول الأفندي في جائحة تماهيه في شخصيّة رؤسائه بالعمل أن يستعيد شخصيّة كبير العائلة في الأسرة الممتدّة التي صدر منها أوّل أمره ونشأ فيها إبّان طفولته وباكر شبابه.

ينشأ أبناء وبنات الصّفوة، في غالبيّتهم المطلقة، وهم أشدّ تحامياً لأهلهم وعشيرتهم من جيل الآباء والأمّهات. فربّما يكون هناك سُرادق عزاء لشخصيّة هامّة في الأسرة الممتدّة، فلا يسمع به الأبناء والبنات دع عنك أن يقوموا بواجب الذّهاب للتّعزية، بينما يذهب الأب والأم لتقديم واجب العزاء. وإذا ما سُئلا عن الأبناء والبنات، ردّا في امتعاض وخيبة أمل تخفي في داخلها إعجاباً مبطّناً بأن “الأولاد” [كذا] لا يعرفون هذه المواجبات ولا يعيرونها أيّ اهتمام؛ فهم في شغلٍ شاغل بقضاياهم التي لا قبل للمجتمع المحلّي بها. وهكذا أيضاً في مجال الزّيارات وصلة ذوي القربى، إذ ينشأ الأولاد والبنات ولا علاقة لهم بهذا الطّقس الاجتماعي الحيوي في مجتمع تقليدي يقوم على نظام الأسرة الممتدّة. وهذا جميعه ما عنينا بنحتنا لمصطلح “التّماسيخ”، من “المسخ” والتّشويه.

هذا ما كان من حال الصّفوة وطبقة الأفنديّة في الوسط النيلي الشّمالي، أي الوسط الذي تهيمن عليه حرائك الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة وتسود فيه الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، أي المجتمعت السّودانوعروبيّة. بالطّبع تتعقّد الأوضاع أكثر في حال قطاعات الصّفوة القادمة من الهوامش السّودانوأفريقيّة، أي تلك التي عليها أن تخضع لجميع ميكانيزمات إعادة إنتاجها من الهويّات الأفريقيّة إلى الهويّة المستعربة، من اللغات الأفريقيّة إلى اللغة العربيّة. فهؤلاء تحيط بهم تعقيدات التّعيير stigmatization  والتّشريفprestigmatization . ولكن ما يجمع مثل هذه الصّفوة من قواسم مشتركة كونها تنافسيّة احتيازيّة  rivlary Appropriational فيما يتعلّق بسعيها المحموم لاحتياز أفضل الأوضاع عبر جاه الوظيفة، ولو كان ذلك على حساب أيّ مشروع وطني أو خلافه، ذلك كونها تمتلك مشروعاً ذاتيّاً خاصّاً بها. وبما أنّ مثل هذا المشروع الخاسر لا يتجاوز عمر الأفندي، يتّصف الأفنديّة عموماً بقصر النّفس؛ إذ غاية التّفوّق عندهم هو كسب الجولة الرّاهنة دونما تبصّر راشد لكسب اللعبة كلّها، أي مجمل اللعبات، أي، هنا، صناعة التّاريخ. ولهذا يمكن للأفندي أن يعمل على تدمير اللعبة كلّها (أي المشروع الوطني)، في حال إحساسه بأنّه لن يحقّق حالة التّفوّق التي يتوق إليها، وهو تفوّق ذو سقفٍ دانٍ لا تستقيم فيه قامّة المرء القويم.

 

مقالة مجتزأة من كتابي بعنوان: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان

الفصل‎ ‎السّابع ‏