محمد جلال احمد هاشم الصفوة ما بين الأسرة الممتدّة والأسرة النّوويّة ساد نظام الأسرة الممتدّة extended family system في المجتمع السّوداني التّقليدي الذي غالباً ما يتمركز في الرّيف. ويعني هذا أنّ هناك نظاماً قائماً على أسس راسخة لضبط حركة المجتمع بطريقة عبرها يتم إنتاج الحياة.

وبما أنّ الأفندي يخرج من هذا المجتمع التّقليدي مستشرفاً لوضعٍ حداثويٍّ لا يقوم بالضّرورة على نظام الأسرة الممتدّة، ينبثق السّؤال التّالي: إلى أيّ مدى تمكّنت طبقة الأفنديّة من تأسيس نظام أسري اجتماعي بخلاف ما عليه الوضع التّقليدي. ونعني بذلك إذا ما كانت هذه الطّبقة قد تمكّنت من ابتناء نظام اجتماعي لها، تحديداً إذا ما كانت قد تبنّت نظام الأسرة النّوويّة  nucleus family system، أم أنّها تأرجحت ما بين النّظامين في وضع أقرب إلى الفوضى؟ ثمّ ما علاقة الرّيف والمدينة بقضايا المركز والهامش؟

نبدأ بفكّ الاشتباك بين مفهومي المركز والهامش من جهة، وبين الرّيف والمدينة من جهةٍ أخرى. في الأصل لا علاقة بينهما، فالعلاقة بين الرّيف والمدينة هي علاقة جدليّة، أي صحّيّة ومتطوّرة. هذا بينما العلاقة بين المركز والهامش غير جدليّة، وبالتّالي لا بدّ من فصم العلاقة بينهما إمّا لصالح تفكيك التّهميش، وإلاّ زاد تكريس المركز على حساب المجموعات المهمّشة (لمزيد من التّفصيل، يرجى مراجعة الباب كتابنا منهج التحليل الثّقافي: صراع الهامش والمركز في السّودان ــــ قيد الطّبع). كما يمكن للرّيف أن يكون أكثر غنىً من المناطق الحضريّة (خذ حالة الرّيف في إنكلترا مثلاً). كما نلفت النّظر إلى أنّ طبقة الأفنديّة ارتبطت حياتُها بالرّيف ربّما بأكثر ممّا ارتبطت بالمدينة. فقد جرت التّجربة بتنقّل الأفندي من قرية إلى أخرى، ومن مدينة صغيرة إلى أخرى، ذلك في الرّيف البعيد عن المراكز الحضريّة الكبيرة. لكنّهم في ذلك دأبوا على أن تعيش أسرُهم داخل جزر صفويّة معزولة عن هدير التّفاعل اللصيق في الرّيف عامّةً.

ومكمن الاشتباك بين الرّيف والحضر من جهة وبين المركز والهامش من جهةٍ أخرى يعود إلى أنّ ظاهرة النّزوح من الرّيف إلى المدينة ذات صلة مباشرة بقضايا التّمركز والتّهميش. تنطوي هذه العمليّة على تناقض يكشف عدم جدليّة التّمركز والتّهميش، ألا وهي أنّ التّمركز غالباً ما يؤدّي إلى إفقار الرّيف. والمفارقة هنا تعود إلى أنّ الرّيف هو المنتج الأساسي، بينما تقف المدينة، في المقابل، كمستهلك في غالب أحوالها. ويرى الكثير من المراقبين أنّ هذا الوضع المقلوب عادةّ ما ينتهي بترييف المدينة، دون مدْيَنة الرّيف. وهذا قولٌ ملتبس في حدّ ذاته، هذا إذا قام على أنّ المدينة بطبعها وافرة الخدمات، بينما الرّيف بطبعه شحيحها. فهذا، لعمري، هو التّمركز والتّهميش بعينه. ففي هذه الحال تبدأ ظاهرة الهجرة من الرّيف المُفقَر إلى المدينة الأفضل نسبيّاً من حيث الخدمات. وهكذا يفقد أهل الرّيف، أي المنتجون الأساسيّون، صناعاتِهم الإنتاجيّة التي لا محلّ لها في المدينة. عندها يتحوّلون إلى عمالة غير ماهرة، تعيش على فتات دائرة الإنتاج المتضعضع ريثما يلفّ الانهيار المدينةَ نفسها، فهي تقتل الرّيف المنتج دون أن تكون قادرة على الإنتاج، وهكذا إلى أن تنهار مؤسّسة الدّولة نفسها في النّهاية. هذا في سياق التّمركز والتّهميش؛ لكن في سياق العلاقة الجدليّة بين الرّيف والمدينة، تنكفئ الفروقات على شبكة العلاقات الاجتماعيّة وفي إيقاع الحياة من حيث اختلافها عن المدينة، مع فرضيّة توفّر الخدمات في كليهما بقدر متوازن. وتشمل شبكة العلاقات الاجتماعيّة موضوعة الأسرة الممتدّة وفقما يشهد بذلك واقع الرّيف السّوداني.

إذن، بالعودة إلى نظام الأسرة الممتدّة نلاحظ أنّه يقوم على استطالة زمن الإعالة فيه، اجتماعيّاً أو اقتصاديّاً. ففي هذا النّظام يكون كبير الأسرة مسئولاً عن جميع أفراد أسرته الممتدّة؛ مسئولاً عنها بصورة مباشرة في سلوكها، ثمّ في معاشها غالباًفالأسرة عادةً ما تنشأ ولها صناعة تتعيّش منها، وعليها ينشأ باقي أفرادها. وتكون هذه الصّناعة إمّا مملوكة لكبير الأسرة، أو هو الذي يشرف عليها وله الكلمة العليا في إدارتها، بينما باقي أفراد الأسرة، بما في ذالك البالغون منهم، يُعاملون كما لو كانوا قُصّراً نسبيّاً. يخرج الأفندي من بين ظهراني هذه الأسرة عبر النّظام التّعليمي، فينال درجة كبيرة من الاستقلاليّة الاقتصاديّة، ثمّ الاجتماعيّة بدرجة أقلّ. إذ يبدأ، ليس بإعالة نفسه فحسب، بل ربّما بالمساعدة في سدّ ثغرات الصّرف داخل الأسرة الممتدّة التي تحرّر من ربقتها، ذلك عبر جاه الوظيفة. وعلى هذا يبدو الأفندي كما لو كان قد بدأ في تبنّي نظام الأسرة النّوويّة، ذلك عند ابتنائه بزوجته، ومن ثمّ ارتزاقهما بالبنين والبنات.

في هذا يعيش الأفندي في تناقض كبير ما بين هذين النّمطين الاجتماعيّين، النّظام الممتدّ والنّظام النّووي. فالأفندي في أعماقه مشرّب بتقاليد الأسرة الممتدّة، بينما يبدو كما لو كان ينشئ أسرته الصّغيرة وفق حرائك النّظام النّووي. وفي الحقِّ ليس أبعد منه عن النّظام النّووي. فكلّ ما يفعله الأفندي، في الواقع، ليس سوى تشغيل واحدة من آليّات إعادة الإنتاج لنفس النّظام الممتدّ، ولكن بصورة فصوصيّة، انقساميّةsegmentary  . فهو كمن يريد أن يُنشئ له أسرة ممتدّة خاصّة به، يكون هو رأسها وبدايتها، مع زوجته، باستقلاليّة تامّة عن أسرته الممتدّة التّقليديّة التي قدم منها أوّل أمره. ولهذا نرى الأفنديّة غالباً ما يحرصون الحرصَ كلّه على ألاّ يفارقهم أبناؤهم وبناتُهم في مقبل أيّامهم عندما يشبّون عن الطّوق. فالمنزل الذي يقوم على قطعة أرض كبيرة، وهو الذي مُنح له بوصفه موظّفاً حكوميّاً كبيراً، وقد بناه في منطقة درجة أولى وفق خريطة هندسيّة حديثة، مشتملاً على حديقة وفناء رحيب، غالباً ما ينتهي به الأمر إلى أن يتحوّل إلى ثكنة مكتظّة بجميع أفراد العائلة، الذين تزوّجوا وأنجبوا. وهكذا تغيب الحديقة الغنّاء و”الحوش” الفسيح، التي يبتلعها البنيان الممتد مع تمدّد الأسرة. وهكذا ينتهى الحال بالأفندي إلى أن يصطنع له أسرة ممتدّة بدوره، يقف فيها مع زوجته في أعلى الهرم، ويتوسّطها الأبناء والبنات، وفي قاعدته يعربد الأحفاد، مسبّبين ضجّة وإزعاجاً لا قبل للجدّ والحبّوبة بتحمّله. ولا غرو، فقد نشآ على هدوء الأسرة الصّغيرة، وانتهيا بأسرة ممتدّة ممتلئة بالأطفال؛ هؤلاء الأطفال الذين ينشأون دون أن تحكمهم إجراءات التّربيّة الصّارمة في الأسرة الممتدّة التّقليديّة، ودون أن تحكمهم إجراءات تنشئة حداثويّة رشيدة.

في خضّمّ هذه الفوضى ضاربة الأطناب، تدور صراعات حادّة بين البنت وأمّها، بين الأب وابنه، بين الأخ وأخته، بين الأخ وأخيه، بين الأخت وأختها، وهكذا إلى أدنى السلسلة انتهاءً بالأحفاد. تعود هذه الصّراعات في أساسها إلى التّناقض الكامن في الجمع غير الرّشيد بين نظامين اجتماعيّين يعملان وفق حرائك متضاربة. وبما أنّ أساس هذا كلّه كان سعي الأفندي الدّؤوب لاحتياز أكبر قدر من الخيرات المادّيّة، ولو على حساب زملائه، ولو على حساب شعبه، وفي حالة اغترابيّة عن تراثه وثقافته، لا بدّ أن ينعكس هذا بالضّرورة في ناتج تربيته لأبنائه وبناته الذين ربّاهم كما لو كانوا “عينة” من البشر لم يُخلق مثلُها في البلاد. ففي مضمار هذه التّنشئة الظّالعة تتحالف في نفوس هؤلاء الأطفال أنانيّة الطّفولة مع نزعة الوالدين لتدليلهم وتربيتهم باعتبارهم أفضل من غيرهم لا لشيء بخلاف كونهم أبناء أبيهم وأمّهم، ينحو الأطفال في مقبل أيّامهم إلى تطوير شخصيّات غير سويّة من ناحية اجتماعيّة ووطنيّة، أي شخصيّات مضادّة اجتماعيّاً  anti-social، سوف تتطوّر لاحقاً لتصبح شخصيّات سايكوباتيّة psychopath .

يظهر هذا أكثر ما يظهر في أبناء المغتربين الذين يتمّ إرسالُهم لإكمال دراساتهم في الوطن حيث يعيشون في كنف هذه الأسرة التي بدأت في منشئها كأسرة نوويّة والآن أصبحت تتطوّر إلى أسرة ممتدّة. بالطّبع تكون تلك المرّة الأولى لأولئك الأطفال البالغين في أن يعيشوا بعيداً عن أسرتهم الصّغيرة. وكما أسلفنا، فأسر المغتربين بالكاد يمكن وصفها بأنّها تعيش في سياق ثقافي اجتماعي معافى، ذلك لكونها تظلّ منغلقة مكانيّاً وزمانيّاً داخل شقّة صغيرة في مجتمع لا يقبل باستيعابهم واندماجهم فيه، دع عنك تكاملهم فيه. وهذا ما وصفناه بجملة “ترباية الشِّقق”. ينشأ هذا الولد أو البنت المرسل للوطن ليعيش مع جدّه وحبوبته (أو مع خاله أو عمّه، خالته أو عمّته) وهو يعتقد أنّه ينتمي لطبقة عليا بالقياس إلى ما عليه أبناء أهله الذين يعيشون بالوطن، ذلك بدالّة تفوّق والديه في مجال السّيولة، المنزل، السّيّارة ومختلف مناحي الحياة التي تعكسها إمكانات المغتربين. هؤلاء ينشأون وهم يعيشون في وهم أنّهم قد أصبحوا أرستقراطيّة. لكلّ هذا يُعتمل داخل هذا الولد/البنت غضب داخلي كون والديه قد تخلّيا عنه، ذلك بإرساله ليعيش مع آخرين غريبين عنه، ذلك حتّى لو كانوا من ذوي القرابة المباشرة. وبما أنّ هذا الولد/البنت قد نشأ وفق ميكانيزمات وقيم طبقة الأفنديّة وبدرجة أكثر تركيزاً، لذا نجد أنّ المنهج المتّبع لتطييب خاطره يتركّز بصورة أساسيّة على تعويضه عن حرمانه لوالديه بالمال والإغداق فيه عليه. وهذا ما يلتقطه الولد/ البنت بطريقة غرائزيّة، فيمتزج عنده الغضب الدّاخلي برغبته الأفندويّة لاحتياز أكبر قدر من الخيرات المادّيّة التي يمكن أن يُتيحها المال (بجانب ما يُتيحه من تفوّق نسبي إزاء أقرانه)، فيشرع في ابتزاز والديه في سبيل ايتحلاب أكبر قدر من المال منهما. ويكون تكتيكه في هذا قائماً على تحسيسهما بأنّه غير مرتاح، وأنّ الطّعام ليس بالمستوى الذي اعتاده. فهو سوف يفعل كلّ ما من شأنه أن يجد أذناً صاغية في والديه اللذين ربّياه على أنّ الوضع داخل أسرته الصّغيرة أفضل من كلّ الأوضاع قياساً بالأسرة الكبيرة (وهي نفسها الأسرة التي بدأت كنوويّة). وبما أنّ هذا الولد/البنت سيكون أصغر سنّاً بالقياس إلى الخالة والعمّة/ الخال والعم، وبما أنّه قد نشأ وهي في جهل تام، أو شبه تام (أو في تجاهل متعمّد أو غير مباشر) بتقاليد المجتمع السّوداني، لذا من المتوقّع أن يصطدم مع الجدّ أو الجدّة، مع العمّ أو الخال/ العمّة أو الخالة، بخصوص ما ينبغي أن يقوم به من مواجبات إزاء ذلك العزاء أو الزّواج، أو معايدة مريض/مريضة بعينه من الأسرة الممتدّة الكبيرة. هنا تبرز فرصة سانحة للولد/ البنت في أن يقوم باستغلال manipulation هذه التّوجيهات التّربويّة بطريقة تتّجه دالّتُها نحو السّايكوباتيّة المكتملةdeveloped psychopathy . إذ يتصرّف بطريقة تُنبي عن عدم رضاه الدّاخلي بما يُقال له، وهو الأمر الذي قطعاً سيلتقطه الكبار الذين يقومون بهذه التّوجيهات، وهم نفس الكبار الذين نشأوا وهم بين بين من حيث التّأرجح تقليديّاً وحداثويّاً. هنا يقع الاصطدام بين هؤلاء الكبار وهذا الصبي/ الصبية المترفّع الذي لا يضع أيّ اعتبار للتّقاليد والقيم. وهذا بالضّبط ما يسعى إليه الولد/ البنت، حيث يقوم بنقل مواقف الآخرين ضدّه لوالديه اللذين ليس في مقدورهما بحكم أسلوب التّربية الأفندويّة التي أنشآ بها أبناءهم أن يلحظا الاستغلال manipulation الذي ينطوي عليه الموقف. فالوالدان في أعماقهما يسيطر عليهما إحساس بتفوّق ابنهما على من عداه لا لشيء سوى أنّه ابنهم. كما يركبهم الوهم الأرستقراطي كونهم أكثر بسطةً من عداهم من أفراد القرابة المباشرة من ناحية مادّيّة، كما غالباً ما تكون لهم أيادي على الآخرين. فما هو المقابل لكلّ هذا؟ أن تكون المجازاة من نوع الفعل، أي التّسليم برفعة شأنهم داخل دائرة أهلهم، بالضّبط كما فعل والدهم الأفندي الذي أصبح جدّاً الآن. هنا تبدأ المشاكل، فالولد/ البنت سيحرص على أن يشيع توتّر في البيت الذي قد لا يزال يؤمن فيه الأعمام والأخوال (العمّات والخالات) بأن “قلّة الأدب” يلزمها السّوط والضّرب. عادةً ما يقوم الولد/ البنت باستهداف الشّخصيات التي يمكن أن تقع في الفخّ  soft targets، أي تلك التي تتّصف بالاندفاع والغضب السّريع. وهكذا إن هي إلاّ شهور، أو سنة، فإذا بالولد/ البنت الذي قدم إلى الوطن لإكمال دراسته وقد أصبح شخصيّة مضادّة اجتماعيّاً  anti social، ثمّ شخصيّة سايكوباتيّة  psychpatic، غير سويّة. وإن هي إلاّ أن تنقضي سنوات دراسة هذا الولد/ البنت الإبليس فإذا الأسرة قد تفكّكت وتقطّعت أواصرها العاطفيّة التي كانت تشدّ أعضاءها إلى بعضهم البعض كونهم أبناء الأفندي الذي أنشأهم على أنّهم أفضل خلق الله قاطبة لا لشيء إلاّ لكونهم أبناء أمّهم وأبيهم. فلننظر إلى هشاشة مثل هذه الأسرة عندنا، تلك التي يقوم صبي صغير في السّنّ (أو صبيّة صغيرة) بتفتيت عاطفة القرابة فيها وتفكيكها.

لهذا يمكن ملاحظة أنّ هذا مثل هذه الأنواع من الصّراع غير المنتِج غالباً ما يؤدّي إلى تفتّت الأسرة الممتدّة بسبب الخصائص الاختزاليّة التّربويّة في طبقة الأفنديّة. فهذه الطّبقة قد تحامت نظاماً اجتماعيّاً راسخاً، ألا وهو النّظام الاجتماعي للأسرة الممتدّة، لتستبدله بما ظنّت أنّه نظام الأسرة النّوويّة ضربة لازب. فالأسرة النّوويّة لها شروطها القيميّة التي لم تطلع شمسُها بالمرّة في سماء طبقة الأفنديّة. أفضى هذا الوضع غير المعافى وغير الصّحيّ إلى إفراز مجتمع مشحون بالطّموحات والأحلام الذّاتيّة التي أفضت بدورها إلى إنتاج حالة من الصّراع غير المنتج، بل الاستهلاكي الطّفيلي، اقتصاديّاً وإبداعيّاً. وأزمة هذا النّوع من الصّراع تعود إلى كونه ذا احتراق داخلي يجعل إنتاج الحياة ليس فقط صعباً، بل ربّما مستحيلاً.

هذه بعض أدواء طبقة الأفنديّة، وبعض أدواء المدنيّة التي حقّقوها. ولهذا يُلاحظ تواتر السّلوك المضاد اجتماعيّاً في المدينة السّودانيّة بأكثر ممّا عليه الحال في الرّيف. ولهذا لا غرو أن ينتهي الأمر بمؤسّسة الدّولة إلى الانهيار؛ فبحكم تعاقب الأجيال سوف يرث جيل كامل من الأفنديّة، وأبناء الأفنديّة، وأحفاد الأفنديّة، مسئوليّة إدارة البلاد، وكلٌّ منهم يحدوه الطّموح لاحتياز أكبر قدر من الخيرات المادّيّة التي يُتيحُها جاه الوظيفة أوّلاً، ثمّ بعد ذلك حلم حكم الشّعب عن طريق الالتحاق بأحد الأحزاب المرشّحة للحكم (الطّائفيّة منها غالباً)، أو عن طريق الانخراط في انقلاب عسكري، أو حتّى تدبيره. وإذا عُدم مثل هذا فلا بأس باستجلاب ملكة زائفة (الشّطارة) بها يمكن أن يقوم بالنّصب والاحتيال على النّاس. وليس أصدق من النّور حمد (2010) عندما وصف ذلك بقوله: “أسهم[ت] طلائع الخرّيجين، الذين اختاروا الطّائفيّة، في تكبيل انطلاقة البلاد نحو أفق الحداثة، ونحو معارك تجديد التّراث، وإحيائه وغربلته، وإعادة صياغته، وتوجيهه في الوجهة التي تخدم صورة المستقبل، لا في وجهة تركه على ما هو عليه. وهكذا تمّ حبس البلاد والعباد في دوّامة النّكوص والتّراجع التي وسمت عقود ما بعد الاستقلال”. ولا شكّ أنّ طبقة ما يُعرف بالخرّيجين هي نفسها طبقة الأفنديّة، إذ ما الذي يمكن أن يكونه الخرّيج سوى موظّف حكومي عالي الدّرجة. ولا تثريب عليه في حصره هذا الفشل في ذلك القطاع من الخرّيجين الذين مالأوا الطّائفيّة، فهذا القطاع يمثّل بحقّ الغالبيّة العظمى من طبقة الأفنديّة. هذا ولو كان تشخيصنا لظاهرة الفشل تتوسّع لتشمل قطاعات أخرى ربّما لم تظاهر الطّائفيّة.

يلتبس مأزق الحداثة في السّودان بالمشروع الحداثوي فيما يعرف بالعالم العربي والعالم الإسلامي من جهة عامّة، ثمّ بمشروع الحداثة في مصر باعتبارها الرّواق الذي ظلّت جميع التّيّارات الحداثويّة ترد إلى السّودان عبر تاريخه الطّويل. ولهذا يجب أن نلقى بنظرة، ولو عامّة، على وضع الحداثة في هذين الإطارين: العالم العربي الإسلامي ومصر.

 

 

 

مقالة مجتزأة من كتابي بعنوان: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان

الفصل‎ ‎السّابع ‏