استيلا قايتانو نعلن وقفتنا مع اخوتنا الذين اضرت بهم السيول والامطار في السودان ، في الخرطوم اوالولايات الاخرى اذ نتأزر معكم في مصيبتكم ليس عن بعد بل لاننا كنا جزء من كل هذا ، `

 

عبث تحويل الرحمة الى نقمة والغيث الى كارثة وتفاجؤ المسؤليين بفصول الامطار . انها ليست ذنب السماء ، وانما ثمن يقبضه
البشر عندما يعترضون دروب المطر ويهملون شق مجاري تجمع المياه وتعيدها الى مجرى النيل  ، فالماء وفيَ لدروبه ولا يتركها ابداً الا اذا صنع له بديل يستوعبه ويقوده لمصباته ذاتها ولو بعدت المسافات قليلاً بحكم اننا كنا جزءا من ذاك الواقع المؤلم ، نعلم كم هو موجع ان تكون بيوتنا
هشة بهشاشة بسكويت العيد وليس هناك سبب لذلك  سوى أننا لا نملك المقدرة على البناء القوي المسلح الآمن الذي يقف في وجه الزمن والكوارث الطبيعية ،
وذلك لان الدولة لا تقدم لاي مواطن اي شئ ، تشقى للتحصل على قطعة سكنية وربما تضع فيها كل مدخرات حياتك فتكتشف بان حلتكم الجديدة هي في الاصل مجرى قديم للسيل والذي طال الزمن او قصر سوف يأتي وقت مروره من هنا  ،
ومن ثم تبنيها باضعف الايمان لان تكلفة البناء نفسه غير ميسرة نسبة لغلاء المواد الاساسية للبناء رغم ان معظمها يتم انتاجه محلياً في السودان سواء  كان الطوب الاحمر او الاسمنت ومؤخراً السراميك والسيخ ، يضطر معظم المواطنيين الفقراء الى اللجوء الى مواد رخيصة وضعيفة لتشييد بيوتهم
ويكثرون من الزخرفة وتلطيخ اوجه البيوت بالجير والدهانات التي يتم
تجديدها في الاعياد حتى تصبح بيوتنا ساترة وجميلة وربما نفعل ذلك كل عام حتى نخفي ضعف بيوتنا ولا نفضح قبح اساسها والذي في الغالب يكون من الطين رغم انها من الخارج تضاهي وتقلد البيوت التي اساسها اكثر متانة ، نحن فقط من نعرف تلك الاسرار في  اصل بيوتنا ،  فالبيوت كالبشر يجب الا تتظاهر بالقوة لان ذلك  سوف ينكشف في اقرب اختبار. .
ما اصاب بيوتنا هو جزء لا يتجزأ من المرض الذي اصابنا ، هكذا عندما
اصبنا بنوبة جنون اخفاء ما يراه الاخرون قبيحا فينا ، مجرد اخفاء وليس
استئصال او تغيير وحاولنا ان نجعل بيوتنا تنافق مثلنا ولكن البيوت دائما
اكثر صدقاً وانها تحدثنا في كل عام بطرق مختلفة للتنبيه الى ضعفها ، تارة بشقة هنا تدخل ( الورل ) او بسقوط طبقة سميكة من الاسمنت الذي يرفض التجانس مع الطين رغم  السلوك الشائكة التي نصلبها بالمسامير لتكون وسيطا للالتصاق والتلاحم بين مادتين لا يمكن عجنهما معاً ليصبحا شيئاً واحدا، فالاسمنت والطين لكل واحد منهما خصائص ومميزات مختلفة ولكننا نجبرهما ليتجانسا معاً ونفرح بعد ذلك  ولكن بعد مدة قصيرة يفتضح امرنا بانهيار تلك الطبقات الاسمنتية تاركة الطين لعريه الازلي،  

وتارة عندما تختصر مياه الاسقف الدروب المؤية الى السباليق بتعجل مما
يدعها تنسرب من ثقوب كثيرة موجودة سلفا في السقوف رغم محاولاتنا اليائسة
في كل عام ايضاً اغلاق تلك الشقوق بالزبالة حينا وبخلط الزفت بالرمل
والزيوت الراجعة احايين اخرى او باللبان بعد ان ننتهي من مضغ حلاتها ،
نعم انه لشئ مضحك ومؤلم ان نحاول سد ثغرات بيوتنا بالعلكة ، كل تلك
الاشياء قابلة للازالة والذوبان من اول رشة مطرة حينها  تشر مياه الامطارفوق رؤوسنا وملاحفنا ، فنجري حفاة ناحية المطبخ اوالحمام لجلب طشت او جردل او صينية لنتلقى المفاجاءات المبللة بعد ان نكون طوينا المراتب والالحفة في اتجاه آمن لا ينتهكها الخريف وبذلك نكون قد اعلنا السهر صباحي على نغمات خرير المياه وجلبة الاواني التي تتصيد المياه الهاربة وتعيدها الى الخارج لانها دخلت بطريقة غير شرعية على ضوء بطارية اليد او
ضوء موبايل تلتين عشرة او الشموع الخجولة .
ثم نسمع جلبة جيراننا وهم يحاولون منع مياه الشارع من الدخول الى حوشهم ،
بعد  ان على مستوى الشارع واصبحت ساحاتنا منخفضة ، بفعل عملية النظافة وقش
الحيشان صباح ومساء لنكون مستعدين لاستقبال الضيفان ، وفجاءة اصبحت ردمية
حوشنا في الشارع واصبح موية الشارع في حوشنا .
هكذا كانت بيوتنا تحدثنا في كل عام ونحن نجبرها بان تتظاهر بالقوة ..
بالقوًة ، لاننا نريدها الا تفضحنا ولان جل ما نتمناه هو سترة الحال
والتي عند نزول اول مطرة تتحول الى ( كشف حال ) .
ثم يأتي سوء التخطيط واللهث خلف بناء مدينة تحاكي رصيفاتها من المدن ، من
الناحية الكمية وليس الكيفية ، فاصبحت الخرطوم كل يوم تلفظ برجاً من جوفها
ناحية السماء ، وتزاحمت الابنية مع وجود اهمال غريب لمصارف المياه ،
والاكثر شراً من ذلك ان يتم تشييد المساكن على ممرات ودروب المياه ،
وعندما يأتي الخريف وتريد المياه سلك دروبها التي لا تنساها بالتقادم او
بكثرة الغياب بسبب ظلم الحكام وتلوث ايديهم بالدماء كما قال السيد الرئيس
عمر البشير  ، عندما تأتي الى دروبها وتجدها مغلقة بالبنايات ، خريفئذن
لا تجد حلاً الا ان تحفر لها دروباً جديدة اوتهدم كل ما امامها لتذهب في
اتجاهها المعتاد غير مكترثة بانها تزيد الطين بلة وتضاعف من معاناتنا
وتفضح عجزنا ، وهكذا فانها لا تحفر الا جدران بيوتنا ولا تهدم الا منازلنا
التي وقفت في طريقها وقد تنحبس في مسطحات مائية حائرة وتحيطنا من كل حدب
وصوب وتحولنا الى اسرى لا حول لنا وقوة بعد ان اذابت الطين الذي نخفيه
وجرفت اثاثنا وقتلت عددا مقدرا من احبائنا وسكنت بيوتنا وشردتنا.  .
في جوبا المدينة القرية ، مدينة في مرحلة البناء والنمو ، نتمنى الا تكرر
اخطاء الخرطوم ، وهي مدينة خريفية واستوائية اكثر من اي موسم آخر، الامطارهنا تنهمر لمدة تسعة اشهر اي سنة حكومية كاملة  ، ويجب ان يحرص القائمون
على امر التخطيط العمراني  على عدم اغلاق مجاري المياه والتي اغلبها
طبيعية حتى لا نغرق .  بيوت الفقراء هنا في جوبا ليست قوية ولا جميلة
ولكنها تتجمل بالطبيعة من حولها ، الخضرة الدائمة وانحدارات التضاريس كلها
تشتت التركيز على ماهية تلك البيوت الاضعف من بيوت العناكب ، ولكن يتم
حمياتها بطريقة التشييد ، فالاسقف مخروطية او هرمية حادة الانحدار سواء
كانت من القش او الزنك ، وتحيط البيوت الطينية كالاجنحة او الغطاء الاكبر
من ماعونها حتى لا تصلها الامطار او زخاتها ، محمية بمصطبة عاليا حول
الغرف داير ما يدور ، والحيشان مسورة بالبوص اوالقنا او الاعشاب المزروعة حول البيت او لا اسوار من اساسه ، فتجد البيوت على فقرها وضعفها تكون صامدة لسنين عدة لان صاحب المنزل يحرص دائما على عدم الوقوف امام دروب المياه حتى اذا كان ماراً بمنتصف بيته ، نسبة لطول فترة الخريف ،
فالمواسم هنا عصية على النفاق ، وتكون امام خيارين لا ثالث لهما ، اما
بيت متين ومبني بناءاً مسلحا وطبعاً سوف يكون جميلاً وهذا يبنيه في
الغالب المقتدرون مادياً ، او بناء قادر على الصمود فقط وحماية افراد
الاسرة من الشمس والخريف والجمال ليس شرطاً اساسيا فيه ، لان هنا يصعب
التحايل على الفقر ولا يمكن النفاق على موسم الخريف ولا يمكن ابدا خداع الظروف والسيطرة على دروب المياه لذا نجد هنا مهما كانت حدة الامطار وطول مدة هطولها ، بعد ساعة واحدة او اقل لا تجد اي مياه متسكعة في الشوارع او
تتحول الى ضيف ثقيل من البرك والمسطحات المائية وتحولنا الى اسرى ومن ثم
طعاما سائغاً للباعوض والاوبئة ، وبسبب الطبيعة الجبلية والتضاريس وقلة
العمران كل ذلك صب في صالح الا تقع البيوت في جوبا المدينة الخريفية
ولكنا نخشى ان يحدث ذلك بعد عدة سنين اذا اهمل القائمون على امر هذه
البلاد الطبيعة الجغرافية وشرعوا في بناء نموذج لمدينة كانوا مقيمين فيها وقد لا تتناسب مع طبيعة الارض والمواسم المطيرة  .
اخيراً :
    ( يجب ان نرفع اكفنا بالدعوات ، يا الله اعن اهلنا في السودان عامة
على تجاوز هذه المحنة باقل الخسائر.. ويا ترى ماهو حال الجنوبيين
العالقين في ميادين الانتظار حيث لم نسمع السيد السفير يعلق على حال
رعاياه في السودان كما يسرع في التعليق اذا كان هناك تحذير بتوقيف النفط عن الضخ شمالاً او حدثاً سياسياً ، ولم نسمع بان تم اعطاء اي معينات لهؤلاء العائدين ام انهم مجرد (رتانيز ) والمنظمات متكفلة بهم ؟  وحالهم
اسوأ من غيرهم لانهم يعيشون في الساحات من تحتهم الارض ومن فوقهم السماء
، ويا سيدي السفير نعزيك في موت بعض رعاياك اذا بلغك الخبر !  روزا
واطفالها الثلاثة الذين ماتوا ( سمبلة ساكت ) بمحلية امبدة  مهروسين تحت
احدى الجدران ، لقد ماتوا في دروب العودة الى الوطن ولم ولن يصلوا ابداً
، وقد يكون وصلوهم الى بارئهم ارحم عليهم من حالة اللا وطن واللا مواطنة
ولا احد يصرح عن احوالهم ولو كان كذباً في ظل انشغال الكل بحياكة
العلاقات الدبلوماسية ويصبح موت الناس مجرد حدث عادي وموت الجماعة عرس  )
 .  اللهم ارحمهم جميعاً