منذ الحادي والثلاثين من يوليو المنصرم يعيش مئات الآلاف من المواطنين السودانيين أوضاعا كارثية بمعنى الكلمة بسبب الأمطار الغزيرة والسيول، أرواح أزهقت لم يحصى منها سوى العشرات وكل المؤشرات تدل على ان عدد الضحايا أكبر من ذلك، آلاف المنازل انهارت تماما أو أصابتها أضرار بالغة،

أطفال ونساء منهن الحوامل ومنهن من تكابد المخاض، ومرضى وعجزة، كل هؤلاء وجدوا أنفسهم بلا مأوى وبلا طعام أو شراب أو دواء أو كساء أو أوراق ثبوتية يهيمون على وجوههم مذعورين بعد ان فقدوا كل ما يملكون بين عشية وضحاها، إزاء هذه المأساة الكبيرة فإن الواجب المقدس على كل السودانيين هو الانخراط في إغاثة المنكوبين كل حسب إمكاناته ومقدراته، ولمجابهة مثل هذه الكوارث واحتواء آثارها لا بد من تنظيم وتنسيق العمل الطوعي وإعلاء روح العمل الجماعي  للاستفادة القصوى من كل ما هو متاح من موارد مالية وطاقات بشرية، وبالفعل فإن هناك مبادرات شبابية تصدت لإغاثة المنكوبين منذ وقوع الكارثة(مبادرة نفير) وسبقت الحكومة في الوصول الى المنكوبين وبهذا أثبت هؤلاء الشباب ان المجتمع السوداني ما زال قادرا على التحرك ذاتيا لانجاز مهام كبيرة والتضحية في سبيل ذلك بالمال والجهد والوقت، ولكن عند حلول مثل هذه الكوارث فإن مسئولية إغاثة المنكوبين واحتواء آثار الكارثة هي في المقام الأول مسئولية الحكومة التي تمتلئ خزائنها من أموال الضرائب والجبايات التي يدفعها المواطن السوداني سواء كان غنيا أو فقيرا، وبالتالي فإن من حق هذا المواطن في مواسم نكباته ان يجد الدعم والمساندة والنجدة العاجلة من الحكومة، وإن كانت الاحتياجات أكبر من إمكاناتها فعليها ان تعلن للعالم رسميا ان البلاد في حالة كارثة وتستقطب الدعم الدولي على وجه السرعة، وتوظف اجهزة الإعلام “القومية” لاستنفار كل قطاعات المجتمع للانخراط في جهود الإغاثة، وتسهيل عمل كل المنظمات والمبادرات الشعبية، ولكن الذي حدث بالفعل هو ان الحكومة تقاعست وسجلت غيابا ملحوظا ولا سيما في الأيام الأولى للكارثة،   وكل يوم تتفاقم الأزمة ويزداد شعور الغبن والغضب بسبب الفشل الحكومي الذريع في التصدي لإدارة الأزمة واحتواء الكارثة، ليس هذا فقط بل إن هناك تصريحات مستفزة لشعور المواطنين تصدر عن مسئولين”كبار” في الدولة من قبيل ان ما حدث ليس كارثة ! وان الاوضاع تحت السيطرة! فضلا عن تقديم المواعظ الدينية من قبل مسؤولين “كبار” أيضا  بشأن عدم وصف الأمطار بالكارثة  لان الامطار خير وبركة! إن آخر ما يحتاجه  المواطنون المنكوبون في كل ولايات السودان هو المواعظ، والجدل الأكاديمي حول تعريف”الكارثة”، هؤلاء يحتاجون لبرنامج عاجل للإغاثة يوفر لهم خيام الإيواء، والمياه الصالحة للشرب، والغذاء والملابس والأغطية والأدوية، وآليات رش البعوض والحشرات الضارة، والأمصال المضادة للدغات العقارب والثعابين التي اخرجتها المياه من جحورها، وعربات لشفط المياه، وفرق للإنقاذ وانتشال الجثث من تحت الانقاض وفرق صحية لدرء الاوبئة المترتبة على الكارثة البيئية، وهذه ضرورات حياتية لا تحتمل أي تباطؤ او تثاقل، على الحكومة ان تسارع في  الاستجابة لها بذات السرعة التي تقمع بها المظاهرات وتفض بها الاعتصامات، فالحكومة لم تفشل ولو لمرة واحدة في  توفير الغاز المسيل للدموع والعصي الكهربائية والهراوات لقمع المتظاهرين وبسرعة البرق! فلماذا هذا التباطؤ في إغاثة المنكوبين؟!

 وهناك شيء في غاية الأهمية لابد من أخذه مأخذ الجد، وهو ان درء آثار هذه الكارثة يستوجب عملا منظما ومثابرا يمكن ان يمتد لأعوام بعد انقضاء فصل الخريف، إذ ان آلاف الأسر التي أضحت بلا مأوى وفقدت كل شيء تحتاج إلى تعويضات كبيرة كي تستأنف حياتها الطبيعية، كما ان هذه الكارثة التي تنذر بالتكرار في كل خريف تستوجب مراجعات جذرية للخطط الإسكانية، فلا يعقل ان تبنى المساكن في مجرى السيول، كما تستوجب معالجة شاملة وجذرية للأخطاء الهندسية في تخطيط المدن ونظم تصريف المياه، ووضع خطط متوسطة وبعيدة المدى لتعمميم الصرف الصحي الحديث والاستغناء بشكل نهائي عن المراحيض البلدية التي تنهار في مواسم الامطار الغزيرة مسببة أضرارا بيئية وخسائر بشرية، ومثل هذه الخطط والبرامج تحتاج الى نظام حكم راشد يوظف موارد البلاد للتنمية بمعناها الشامل، وهذا أهم ما يفتقر إليه السودان المنكوب بخريف الطبيعة وخريف السياسة معا.