فيصل محمد صالح  أعود للحوار مع مقال الكاتب غسان علي عثمان الذي نشره تحت عنوان "شيطنة الإسلام السياسي.. ؟"، الصحافة، الثلاثاء 23-30 يوليو 2013 القضية الأساسية ليست في أن تكون للأحزاب والحركات مرجعية فكرية إسلامية، أو أنها تستند للقيم والتقاليد الإسلامية، فليس هناك شك أو نقاش في مشروعية هذا الأمر، بل وضرورته، لكن في كون هذه الحركات والأحزاب تعتقد في قدسية طرحها، وفي أن لديها مشروعية دينية تقف فوق المشروعية الدستورية والقانونية.

مؤكد أنهم قد يدخلون الانتخابات ببرنامج سياسي، لكن تأتي كثير من المواقف التي تكشف بعد ذلك تكتيكية موقفهم من الانتخابات والدستور والشرعية الانتخابية، فهو وسيلة للوصول إلى السلطة، فقط، ثم بعد ذلك لا يساوي الخرقة التي يمسحون بها الأرض، على قول أحد خطبائهم.

يشير الكاتب إلى الأساس التاريخي الماضوي، المفارق للواقع، لموقف هذه المجموعات من تجربة الحركات الإسلامية، ويجعل من التاريخ، وحده، ركيزة موقفهم، وهو أمر يتماشى مع ما ذكرناه حول صناعة الخصم الضعيف. ويقول في إحدة فقرات مقاله: (لاحظ التماهي بين الإسلام والحركات الإسلامية)

“فالذي يخشى من الإسلام يستخدم ذاكرة حرجة لتعاقبات سياسية جرت في تاريخنا العربي الإسلامي، ويستشهد لك بالفتنة الكبرى وملك معاوية ومقتل الحسين وانقسام الأمة والمعتزلة وقضية خلق القرآن، والحروب الثقافية بين الفرس والعرب في الدولة العباسية وفي الأندلس وحرب الطوائف وفي الحروب الصليبية،!!  يفعلون ذلك دون أن يمنحوا المتهم فرصة الدفاع عن نفسه، بأن تجرب بضاعته ولو لـ(4) سنين.

يا له من اغتراب يتهم به غسان عثمان خصومه ويمارسه هو نفسه. هو يكتب ما يكتب وعينه على التاريخ القديم الذي يعشعش في ذهنه، صارفا النظر عن الواقع الحاضر، وحتى  إن عاد للحاضر، فعينه على تجربة الأخوان في مصر وتونس، من منطلق اقليمي أو عالمي، يفعل ذلك وكأنه كائن فضائي خارجي لاعلاقة له بتجربة السودان.

لماذا يريدنا أن نمد أعيننا للخارج وننظر هناك بعيدا، ونغمض أعيننا عن ما نعيشه، وهو الذي نزل في الناس لوما وتقريعا لأنهم يمدون أنظارهم وأفكارهم لتجارب المجتمعات الإنسانية الأخرى، ويصف ذلك بالتقليد والمحاكاة والوعي الزائف. حتى في الخارج فهو يتحدث عن تجارب التاريخ الماضي، ويغمض عينيه عن تجارب حالية ومعاشة، من حروب القاعدة وعملياتها، والجماعات الإسلامية في الجزائر والمغرب العربي واليمن، والجماعات الإسلامية في مصر في الثمانينات والتسعينيات. كل هذا خارج الحسابات، لا يجب الخوف منه واتخاذ العظة من نتائجه، ولأنه لا يراه، ولا يريد أن يراه، وبنفس طريقة صناعة حجج الآخر على مقاسه، فإنه يفترض أن المجموعات الليبرالية والعلمانية وغيرها من روافض مشروع الإسلام السياسي، تبني حججها على التاريخ الماضي، ولا تنظر لتجارب الحاضر، فهي إذن ماضوية، هكذا بجرة قلم واحدة، وكان الله يحب المحسنين.

يطالبنا بالصبر على الإسلاميين لمدة أربع سنوات فقط، وأمام عينيه وناظريه وتحت أقدامه تجربة 24 عاما، عشناها معهم/معه، لا يتعرض لها ولا يناقشها، بل ولا يشير إليها. لماذا لا يستخدمها في هذا النقاش كدليل على قدرة الإسلاميين على تفنبد حجج الليبراليين والعلمانيين والقوميين ومن لف لفهم، وإثبات أنهم قادرون على صناعة تجربة محلية ناجحة، لا تمد يدها لتسرق من بضاعة الفكر الغربي الملعون. الإجابة معروفة، وهو كاتب ذكي، ولا داعي للتذاكي على الأذكياء.

تثير تجارب ومواقف الحركات الإسلامية، سمها ما شئت من التسميات، مخاوف حقيقية لدى قطاعات واسعة من المجتمع العربي المسلم، وليس بالضرورة عند الليبراليين والعلمانيين وحدهم. هذه المجموعات تشكل تحالفا مدنيا في مواجهة ما يعتقدون أنه هجوم منظم وخطير على مكتسباتهم الأساسية، وعلى نمط حياة مدني ارتضوه لأنفسهم باشكال شتى، ولهذا ستجد في قلب هذا التحالف مجموعات لا علاقة مباشرة لها بالفكر والسياسة، وليس لديهم تأسيس نظري لمواقفهم، بل هم غير معنيين به، بقدر اعتنائهم بنمط حياتهم، ومن بين هؤلاء أناس كثر يصلون ويصومون ويتعبدون ويتهجدون، ويقفون ضد حركات الإسلام السياسي.

ولهذا لم يكن غريبا أن تجد المثقفين والفنانين والكتاب والأدباء والإعلاميين ورجال البيزنس والعاملين بقطاع السياحة والحركات الشبابية والنسوية (وفيهن كثير من المحجبات) والأفندية وأبناء الطبقة الوسطى، بجانب الأقباط والمجموعات غير المسلمة وغير المتدينة، إن شئت، يقفون مع الحركات السياسية والشبابية التي اصطفت في 30 يونيو الماضي لتخلع الرئيس السابق محمد مرسي. هذه المجموعات تصطف هي نفسها الآن في تونس لتخلع حكومة حزب النهضة.

هناك مواقف ومخاوف ومعتقدات حقيقية لهذه المجموعات ضد حركات الإسلام السياسي، وإن وعى المثقفون والمفكرون من المنتمين للحركات الإسلامية بهذه المخاوف والمواقف، باعتبار أنها مواقف مجموعات مقدرة من المجتمع الذين يريدون ممارسة العمل السياسي الديمقراطي فيه، وحاوروها وتدارسوها كما تدارسوا وراجعوا منطلقاتهم وأفكارهم، فربما يؤسس هذا الأمر لحوار حقيقي يقود لنقاط تفاهم.

أما لو استمروا في محاورة أنفسهم وظلالهم، وخلق أعداء وهميين من صنع خيالهم، وانتصروا عليهم بالضربة القاضية، فسوف تذهب السكرة وتأتي الفكرة، ويفتحوا أعينهم من جدبد على واقع لا يعرفونه ولا يفهمونه، والأخطر من كل ذلك، لا يعترفون به، وعندها لا مفر من الصدام، الذي قد يكون نتائجه مرتبطة بعدم وجود الآخر، ايا كان هذا الآخر.