فائز السليك ليس أمامك سوى البكاء، أو ربما الضحك، أو الاثنان معاً ( على طريقة ( المضحك المبكي)، أو التراجوكوميديا)، أو قل الملهاة المأساوية حين يقع على ناظريك بيان إدانة، وتدرك مَن المدين، وما سبب الإدانة، لكن قد تجتهد  لمعرفة الجهة المدينة لو تم حذف اسم الجهة المدينة، و قد تبحث في سبب الإدانة،  لوجدت البيان هكذا،   ( أدان  .................، أعمال العنف التي صاحبت .......................، من قبل السلطات ال................... يوم الأربعاء، مما أدى إلى إزهاق العشرات من الأرواح، وإصابة الآلاف من ........... داعياً جميع الأطراف للعودة إلى طاولة الحوار)..

وقصدت حذف بعض الكلمات هنا ، من هذا البيان ، هذا البيان. المحشود في ظاهره  بمواقف مبدئية من قضية الديمقراطية،  ومنحاز لقيم حقوق الإنسان ، لأنه يدين مسألة  استخدام العنف  في فض التظاهرات ( السلمية)، والتعرض للمواكب، أو (التجمعات)، ويعكس  (ديمقراطية) من أصدره، وإيمانه بالحوار ،  وقبول الآخر ، والعقللانية في التعامل مع القضايا الخلافية, ولو طلب من أي شخص عاقل في الدنيا، لوضع الكلمات المناسبة في  الفراغات التي تركتها أنا هنا، لأعتبر أن الجهة التي أصدرت البيان هي  الأمين العام للأمم المتحدة، مثلاً،  أو هو مفوض المفوضية السامية لحقوق الإنسان، و لا يستبعد أن يكون سبب الإدانة مثلاً هو؛ استخدام العنف لتفريق مظاهرات طلابية في جامعة الخرطوم، أو جامعة الجزيرة، أو قل تفريق المتظاهرين في أمري أو كجبار، أو بورتسودان.

وبالطبع هنا ؛ لم أشر إلى دارفور أو جنوب كردفان أو النيل الأزرق، لأن هناك لم يستخدم النظام السوداني عنفاً لفض تظاهرة سلمية، بل استخدم طيراناً أرسلت القنابل المحشوة بحمم الموت، والدمار؛ لحرق آلاف القرى الآمنة في دارفور خلال عامين، وقتل حوالى (300 ) ألف من المدنيين في أكبر جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهي التي جعلت طائرة المشير عمر البشير تطير برعب لو قطعت مسافة كيلو متر واحد خارج المجال الجوي السوداني.

لكن أن يكون المدين هو السودان، ممثلاً في وزارة خارجيته، لهو أمرُ  يدعو إلى الدهشة، مع أن زمان الدهشة قد ولي في أزمنة المشروع الحضاري الأكذوبة، وأزمنة النفاق واللامبدئية والعنصرية.، وهي أزمنة تجعل  المسؤول الثاني في البلاد ، يتذمر من وصف السيول والأمطار بالكارثة، لأن ذلك  وفق معايير تفكيره المختل، وفقهه البئيس  أمر من الله سبحانه وتعالى، وبالتالي ليس ثمة استغراب موقف والي ولاية الخرطوم حين يقول (ما حصل ليس كارثة لأن الكارثة تعني موت نصف السكان)!!.

ويا لفجيعتنا من تفكير ومسلك نظامنا الدموي !..فموت ( 300 ) ألف في دارفور ليس بكارثة، وموت العشرات في الشرق ليس بكارثة، واصطياد رصاص باشمرقة النظام وجنجويده لأطفال مثل فقيري في كجبار ليس بعتف مفرط ولا كارثة، وكذلك ما نشهده من موت مئات، وانهيار  آلاف المنازل في السودان ليس بكارثة!!.

ولذلك لا علينا سوى أن نضحك حتى نسقط على الأرض من الضحك، أو أن نبكي حتى تنتهي الدموع، حين نكمل الكلمات الناقصة في البيان المذكور ليكون هو كالآتي (أدان السودان، أعمال العنف التي صاحبت فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، من قبل السلطات المصرية يوم الأربعاء، مما أدى إلى إزهاق العشرات من الأرواح، وإصابة الآلاف من المصريين، داعياً جميع الأطراف للعودة إلى طاولة الحوار.)!!!

حقاً ( إنهم يفوقون سوء الظن العريض)!.