فائز السليك حين يظن البعض أن  الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان في السودان، و أن البحث عن أجوبة لتساؤلات مهمة حول علاقة الإسلاميين بالديمقراطية، هو  استدعاء لمعارك انصرافية ، فعلينا إعادة تفكيرنا من جديد لكيفية التعامل معهم، ومن يرى أن تناول هذه القضايا ، وفي هذا التوقيت ، هو  حالة فصام حاد لصرف الأنظار عن ما يجري في مصر، عليه ان يتحسس وطنيته، وقبل ذلك عقله وقلبه.

ومخطئون هم،  من يريدون صرفنا عن الاهتمام بقضايانا،  بذر الرماد على العيون، وتحويل مركز اهتماماتنا إلى قضايا أخرى، وإن كنا نحترمها، ونقدرها، ولا نرفض التعاطي معها،    ومن يريدون لنا تحديد أجندتنا ، ماذا نكتب،؟ ومتى نكتب  فإن ظنهم سيخيب، وأن من يحاولون ابتزازنا بتحديد مواقفنا من الديمقراطية، ومن ( الشرعية) المبكي عليها، فإنهم لا يخيفوننا   بسبنا أو بتخويننا ، أو حتى تكفيرنا، أو تصنفيننا بأننا نقف خارج دائرة ( الديمقراطيين)،  لأن مواقفنا ( كديمقراطيين وعلمانيين ) من الديمقراطية في بلادنا لا تخضع لمساومات، ولا نتعامل معها باعتبارها ( تكتيكات)، أو أنها  ( اختراع جديد ) بعد الثلاثين من يونيو، بعد أن اعتبرتها مناهجهم ( شركاً، وكفراً، لأن طاعة الوالي هي طاعة الله )، وهي ليست مواقف للمزايدة ، لأننا دفعنا ثمنها، غالياً، ولا نزال ندفع، وسنظل ندفع، حتى ولو كان ثمن ذلك هو أرواحنا، أو تشريدنا في أرض الله الواسعة .

يا أصدقائي وصديقاتي،  واحد من أسباب هذا العمود أن أحد ( الأصدقاء ) الإسلاميين، وأحد قدامى (الدبابين)؛  حين طرحت تساؤلات حول الحالة السودانية، على حائطي (بالفيسبوك)،  قبل يومين،  رد علي قائلاً  ( مثل هذا البوست   شأنه شأن كثير من بوستات اليساريين يعكس حالة انفصام حاد ومزري يعيشها كثير من اليساريين كمحاولة للهروب من إدانة ما يحدث بمصر ..فيحاولون استدعاء معارك إنصرافية وهمية ).

  ولا يقف الموضوع هنا؛ فهناك آخرون، وللمفارقة أن  من كان يحمل ” السيخ في جامعة الخرطوم، أو جامعة الجزيرة حين كان طالباً ليصادر صحيفة حائطية لتنظيم معارض، يحاضرنا اليوم عن ( الديمقراطية)  في موقع آخر، ومن كان  يحمل ” مدية ” في يده ليطعن بها أحد كوادر التنظيمات المعارضة، يقدم لنا اليوم أجمل الدروس في احترام الآخر وحقوق الإنسان، و من كان يحمل بندقية كلاشنكوف ليذهب بها إلى الجنوب أملاً في ” نيل شهادة أو الزواج من ( إحدى حوريات الجنة ، وحسناواتها الأنيقات)، يذكرنا بضرورة التداول السلمي للسلطة واحترام صناديق الاقتراع لا صناديق الذخيرة!.

ومن أيد نظاماً عسكرياً شمولياً عنصرياً مستبداً، أنقلب على نظام ( منتخب ) عبر ذات الصناديق، يصفنا بعدم الديمقراطية!، مع أن ذات النظام الذي لم يؤيدوه فحسب، بل وطدوا أركان طغيانه،  ولا يزال ذات  النظام يستمر في سفك الدماء في دارفور، ويلاحق أهل  جنوب كردفان والنيل الأزرق داخل كهوف الجبال ، ولا يزال يقيم بيوت الأشباح لكي يسجن فيها كل من يصدح بكلمة حق  ( في وجه سلطان جائر)، ويصادر حريات التعبير والتجمع والتنظيم والرأي والعمل، أو ليست هذه من المضحكات المبكيات ؟! مثلما أشرت في عامود سابق ( هل نضحك  حتى نسقط على الأرض، أم نبك حتى ينضب الدمع )؟.

كيف يفكر هؤلاء ؟!. وهل لهم عقول ؟؟  أم هي تلك العقول التي هي بلا ذاكرة مضيئة، ومعروف أن العقل الذي بلا ذاكرة مضيئة ، سيكون مصاب باضطراب منهج التفكير، وهو عقل معياري، يتعامل مع القطعيات والحتميات بلا تفكير، لأنه غير جدلي، ولا نقدي، ومستسلم ، ويتجلى قصور التفكير الجدلي في تعامل الفرد مع الحقائق بالإطلاق؛  الحقيقة المطلقة هي التي يمتلكها هو، ولا مكان لشيء اسمه النسبية، وبذلك يقع ضحيةً للتضليل، باستقاء معلوماته من مصدر واحد، أو مصدر له أجندته السياسية، وله مصلحته في الصراع، مثل ” قناة الجزيرة”،  مثلما يسعى هو إلى تضليل الآخرين، وذلك من خلال التبسيطات المخلة للقضايا والتعميمات المضرة بها، أو تلك التي تأخذ الأمور معممةً تعميماً بلا منطق.

 وفقدان الذاكرة يتمثل في نسيان ما يقترفه نظامهم من أكبر الجرائم ضد الإنسانية، وما يرتكبه من جرائم في حق السودانيين، و هي كلها تعكس اضطراب مناهج التفكير ، وهو ما ينسيهم  بديهيات مثل ( أن اللص حين يتحدث عن الأمانة فالأمر مضحك)، وحين يتحدث الجلاد عن العدالة فهو أمر غريب، وحين يتحدث سافك الدماء عن الرحمة ففي الأمر عجب، وحين يتحدث من يغدر بزملائه الطلاب عن الاستقامة ففي الأمر ( نفاق )، وما أكثره من نفاق ذاك الذي يضرب كل تيار الإسلام السياسي!. ويتجلى التعامل بالقطعيات والحتميات بلا تفكير في انفعال بعض من هؤلاء حين تسألهم عن موقف حركتهم الإسلامية من الديمقراطية، أو رأيهم في مجزرة ارتكبها النظام، وبدلاً من الرد عليك، وعلى تساؤلاتك، ينهالون بالهجوم على شخصك، وسبك بكلمات،  وبأوصاف لا يعرفون كنهها، بل أن بعضهم مثل الببغاء يردد كلمات لا يفهمها.

 إن تيارات الإسلام السياسي السوداني ، باختلاف أطرها ومواعينها السياسية، تعاني من اغتراب نفسي،  واضطراب عقلي ، أو فلنقل ( حالة شيزفرينيا)، تتجلى في انفصالهم عن الواقع، ومزجهم ما بين الحقيقة والوهم، فهي تتباكى على ( الشرعية ) في مصر – ( لأجندة  سوف أتحدث عنها مرةً أخرى إن شاء الله) –  لكنها تدهسها بدبابتها في بلادنا، وتزرف الدمع السخين على قتلى ( رابعة العدوية والنهضة)، نسأل الله لهم الرحمة، ونؤكد رفضنا التام لمصادرة التعبير والتظاهر  السلمي  في كل الدنيا، ونحيي الثوار أينما كانوا؛    مع التشديد  على أن بلادنا هي أولى لنا فأولى.

 لكن  (ناشطي) هذه الجماعات، على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وعبر الصحف المكبلة في الخرطوم،  ترى أن الحديث عن ( كجبار، أو أمري، أو بورتسودان، أو مصادرة الحريات الصحفية) هو (استدعاء لمعارك انصرافية)، وهي بالفعل بالنسبة لهم ( معارك انصرافية) ، لأن كرسي مرسي أهم لهم من (  الشرعية في السودان)، وأن الخروج في مظاهرات تتوجه إلى السفارة المصرية أهم من إغاثة منكوبي السيول والأمطار، وأن دم (أخوان مصر)  أغلى بالنسبة لهم  من دم مهمشي دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق!. مع أن الإنسان هو الإنسان، وأن لون الدم أحمر بغض النظر عن لون البشرة، والإيديولوجيات.