خط الاستواء  عبد الله الشيخ أغمض المساء أجفانه عليَّ، وعلى ظهري حقيبةٌ لففت داخلها صورة محراث قديم..العصاري في الغربة تلقيحة  من الذكريات،  و الدرس الأول في الغربة غالباً ما يكون: "تمرُق من بيتك حزين..تلاقي الفرح وين"..؟ القاهرة مدينة لهلوبة، تحكمها غمزات الراقصات..أول ما رأيت شوارعها، رأيت سوسن بدر كأنها تغطي برموش طويلة بؤس البائسين في حي شبرا.. صور الراقصات هي السلوى في مدينة هي أكبر المدخنين فى هذا العالم.. 

تبدو القاهرة  متحجبةُ الآن، بما يذاع في جامع الفتح عن عذابات يوم القيامة..! ينبعث الآذان من كل مآذن القاهرة  فيغسل ما ران على قلبي مما صنعت يداي..فى ميدان التحرير صليت مع الجماعة السلفية جمعة واحدة..لن أزور هذا المسجد مرة أخرى.. كرهت إجهاشهم بالبكاء.. أكره توبيخاتهم كلها،، انهم يجعلون مني الحائط القصير دائماً..دخلت القاهرة بعشرة دنانير.. التأمت مع جمع الذين ينتظرون التحويلات..أراهم الآن أجساداً ترهلت بالبقوليات، و كنت بينهم استطعم النيكوتين لثلاث ليالٍ..

أبحث فى هذه المدينة عن ياقوت العرش فلا أجد غير كافور الإخشيدي..استحضر روح ذا النون المصري، فيخرج  خيرت الشاطر من خطيئة الاقتراع..! رمسيس يطل من كل الشوارع وأنا أبحث عن مصر عبد الناصر.. في عصر الانفتاح وجدت سودانياً في  العتبة عند مدخل 26 يوليو،، كان يقف مثل الكلمة الشاذة في وسط البلد.. من زائغة عينيه أعرف ما إذا كان إنساناً أم موالياً للترابي والبشير..! ما جدوى أن تغسل وجهك بالمرق وتمضي دون حياء مؤيداً لنظام لا حياء له..؟

عند مدخل فندق أبو الهول في وسط البلد نزع مني موظف الإستقبال جواز سفري كما ينزع الجزار كبد ماعز..! لن أسافر من هنا إلا إذا استرضيته فالجواز مثل الوضوء، لا يصح السفر والتجوال إلا به.. انهم لا يأبهون بي وأنا أترنم أو أبرطم..أنا هنا مثل فرد فى فرقة الهجانة يصلح  لتعذيب  خلايا الشيوعيين النائمة فى الليالي الظليمة ،، كائن اسود أو ازرق يُستخدم فى رفع الأثقال و يحتمل شتائم المتنبيء التي صفع بها وجه كافور في الزمان الخلي..!

لكنني أحب المتنبيء مع أنه يعنيني كثيراً بالكلام ، ولا استسيغ اكاذيب الانقاذيين..! قال المتنبئ لكافور :”ومثلك يؤتى به من بلادٍ بعيدة ..!”  وأنا، من أخرجني إلى هذه البلاد غير الاكاذيب وسفاسف التراب..؟

التقيته فى حمامات القبة و في طومان باي.. كان يستعذب شوارعاً أضيئت ساعة من الزمان بفوانيس المماليك والفاطميين والانكشارية، و،و، و..كان مظهره مضللاً،، وجدته كامل التعاسة مثلي، فمظهري كان كذلك ،ينبيء بأشياء اندثرت قديماً،،وأنا أيضاً نسيت.. قال لنا النادل: “وأنت تأكل الحواوشي، فإنك بسندوتش واحد تكون قد تناولت كل البروتين المعترف به دولياً”..! يا لها من صيغة مثلى في الدعاية،، و من قال أن المغرور يحتاج ضراعة الدعاء..؟

خرجت من المقهى إلى صقيع  يلفحني في  ميدان التحرير فى ذلك الليل.. أين أنام، متى أنام..؟ لا أنام..! تلك رواية قديمة قرأتها تحت شجرة ودلقاي فى نهار واحد..!التسكع في القاهرة موهبة أتحاشى بها طقطقة صاحب الميكروباص..وجدتهم في النزع الأخير من الليل يزهقون ما تبقى من أعناب طمرها الجند في المنصورة  قبل مائة سنة..أينعت أعناب الاغاريق في رؤوس هؤلاء الاغراب كصدر نشرة إخبارية..! أنا لن أتعاطى المنكر طمعاً في السرمد وحده،أنا لا أتعاطاها لأظل ساهراً على غربتي..احرسها وتحرسني،لا تغيب عني، ولا أغيب عنها..!

 دخلت مصر الجديدة ووجدتها قديمة جداً، كانت أحلامي نزقة لولا أن عدوى التصوف حاصرتني في كل شيء..! اقرأ مما تكتبه القاهرة في الليل والنهار،وأختار ما أرى أنه يبدد كدر الروح..أقف طويلاً أمام القبور فى ناحية من شارع صلاح سالم، أقرأ الآيات  المنقوشة على الجدران بأحكامها التجويدية..خرجت من هناك مفعماً بالتلاوة وبابن الفارض و كارهاً للنسخة التى يطرحها المرشد..!

تنفست القاهرة الصعداء وهي تعتقل اليوم المرشد محمد بديع..هذه المدينة اعشقها كانثى في الخيال..انثى وهيطة،، بدانتها تذكرني بمجلدات الاشتراكية العربية التي آمنت بها على ايام الصبا..! خرجت القاهرة من تجربة الاخوان مثقلة بالجراح، واخوان مرسي هنا فى الخرطوم يتحدثون عن خصوصية العلاقة بين الشعبين..فهل لنا من الحظ الطيِّب نصيب..؟