فائز السليك للتاريخ أذكر أنه في عام 2008، ومع بداية تأسيس صحيفتنا الموءودة "أجراس الحرية " كان اسم الأستاذ الصحفي فيصل محمد صالح قد ورد ضمن اسمين تم ترشيحهما  لرئاسة التحرير، وكان الاسم الثاني هو  الدكتور مرتضى الغالي،  وتداول بعضنا الحوار، وحين جاءت فرصتي قلت لهم  يجب علينا التركيز أكثر على  الدكتور مرتضى أولا، ولو فشلنا معه فلنبحث عن بديل آخر، فسألوني عن سبب موقفي؟

قلت لهم باختصار شديد ” فيصل ذو خلفية فكرية وسياسية تختلف مع فكرة صحفيتنا،  وقد تكون لديه تحفظات حول علاقة الصحيفة  بالحركة الشعبية،  ولذلك ، وحسب معرفتي بفيصل فإنه سوف يرفض ، ولن يوافق على الإطلاق للعمل في صحيفة قد لا تتواءم فكرياً  أو سياسياً مع ما يؤمن به،  إلا أن  فيصل سيكون من ضمن الصحفيين السعداء بميلاد صحيفة ” ديمقراطية “ولو اختلف معها في بعض التفاصيل، أو رفض رئاسة تحريرها.

وبالفعل ؛ مع أن هناك من لا يفهم معنى حديثي، ومن يذهب ” يمينا لو قلت له الصحيح هو في اتجاه الشمال، أو العكس، فقد نجحت مساعينا مع الدكتور مرتضى ،  إلا أنه سرعان ما قرر الهجرة ، فغادر أرض الوطن في أزمنة النزوح، وهجرة النوارس، فاتصل أحد مسئولي الصحيفة بالأستاذ فيصل ، فكان رده مثلما توقعت في السابق بالضبط،  فقد رفض منصب رئيس التحرير واعتذر  بكل لطف وأدب .

وهذا المثال دليل على تصالح فيصل مع نفسه، ومع ما يؤمن به، وما يراه صحيحاً، ولو اختلف معه أي شخص، أو حتى ولو فقد منصباً مهما، مثلما ترك دول الخليج التي يحلم بها الكثيرون، ليعود إلى الخرطوم، يلملم ” رزق اليوم باليوم والبال مرتاح “،  ولقد عرفت فيصل   منذ تسعينيات القرن الماضي حين كنت أعمل بمكتب صحيفة ” الخرطوم ” بالخرطوم  فيما كان  فيصل يشغل منصب  سكرتير الصحيفة،  التي كانت  تصدر من القاهرة  في تلك الفترة، قبل أن تقع في الوحل، وتغرق كل يوم أكثر من سابقه ، حتى سقوطها الأخير.

فهو رجل هادئ الطباع، يغلب عليه الجانب الأكاديمي أكثر من السياسي، والوفاق أكثر من الاختلاف، والمرونة أكثر من التشدد ، وهي سمات  منحته حب الكثيرين ، بما في ذلك خصومه، ويضاف إلى ذك دماثة خلقه، خفة دمه، روحه الوثابة نحو الفرح والنكتة، واحتفاظه الدائم بألق الشباب ، و سعادته بالتواصل  مع كل الأجيال، ابتداءً من أجيال سبقته بحقب زمنية طويلة، ثم  مع من تبقى من أبناء جيله، أو من تعرف عليهم من جيلنا، ثم الأجيال الحالية، الواعدة من شباب الصحفيين .

و ظل الأستاذ فيصل مدافعا شرساً عن الديمقراطية، و حرية التعبير بشكل عام، وحرية الصحافة على وجه التحديد، دون مجاملة أو التواء في المواقف، أو التفاف حول  مبادئه الداعمة لحرية  الصحافة، وقد لمست هذا الأمر  في كل المناسبات التي يشارك فيها ، سواءً أن كان ذاك؛  خلال ندوات، أو ورش عمل، أو مشاركات خارجية، وكثيرا ما شارك فيصل في احتفاليات الخارج، وظل خير سفير للصحفيين الديمقراطيين .

وهذه الصفات، هي التي أهلت صديقنا الجميل فيصل محمد صالح  للفوز  بجائزة  بيتر ماكلر، التي تكافئ الشجاعة والنزاهة في مهنة الصحافة، وحقاً فإن فيصل أحد الصحفيين السودانيين الشجعان، ومشهود له بالنزاهة والأمانة ، والمواقف المشرفة من قضايا الحريات الصحفية، وكثيرا ما دفع ثمن مواقفه تلك من حبس، أو تشريد.

إلا أن فيصل يظل مبتسماً، ومتصالحاً مع نفسه، ويظل مصراً على التمسك بمواقفه  من الحريات، والتي كان أشهرها انتقاده لخطاب المشير عمر البشير في أحدى القنوات الفضائية، مما سبب له كثيراً من المتاعب والملاحقات والمضايقات من قبل طيور الظلام، وحملة الأختام الوطنية من الفاسدين والعنصريين، والقمعيين الذين يرون أن البشير ليس بشراً ، بل أقل من معظم البشر، كثير الأخطاء، وليس هناك خطأ أكبر من حادثة تقسيم وطن، أو ارتكاب إبادة جماعية في حق مواطنين سودانيين !.  لكن فيصل يظل يركز على االاصلاح القانوني، وعلى ضرورة استقلال الصحافة، وحريتها، وعلى ضرورة تحسين  البيئة الصحفية، لكننا في نهاية الأمر متفقون حول  المبادئ العامة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعلى سوء الأوضاع الصحفية في الفترة الحالية،  الوضع السيئ، وضرورة تغييره، فنختلف حول الوسائل، أو طرق المعالجات .لكن يبقى بيننا الود، والاحترام والتقدير .

هذا هو فيصل محمد صالح، الذي شرفنا جميعاً ، كسودانيين أولاً، ثم كصحفيين ثانياً، وكصحفيين ديمقراطيين بصفة خاصة، فسعدت بتكريمه للجائزة بوضع اسمه ضمن من  فازوا بها،   لأنه مثال للصحفي المستقل، والشجاع والنزيه. شكراً لك فيصل، على نزاهتك وشجاعتك . .