خالد فضل الفشل الذى يلد الفشل، غض النظر عن توصيف ما حدث فى أحياء شرق النيل وبعض أحياء مدن الخرطوم الثلاثة من أهوال, ان كان أزمة طارئة اثر حدث طبيعى مفاجىء , أم كارثة حقيقية خربت ودمرت ترتيبات عشرات الآف من الأسر السودانية , سواء فى العاصمة أو الولايات الأخرى , تلك الأسر التى صدف أنها كانت تقيم فى المناطق المنكوبة, ناهيك عن تدميرها لمنازلهم وأثاثاتهم أيا كانت تلك المنازل , من الجالوص والطوب الأخضر وسقوف الزنك أو السقف البلدى (حطب وقش) أو كانت بيوتا مشيدة بالطوب الأحمر أو البلوكات الأسمنتية  .

ومهما يكن حجم الأثاثات أو قيمتها المادية (عناقريب منسوجة بالجلد البقرى أو حبال السعف والبلاستيك ) أو كان الأثاث عفش فخم مما تتداوله اعلانات القنوات الفضائية المحلية , فانه وفى المحصلة الأخيرة قد وقع ما وقع , وهاهى الآف الأسر التى كانت قبل يوم السبت 25 رمضان الفائت تخرج وتؤوب الى ظل تسميه منزلها, عادت هذه الأسر الآن الى نقطة متخلفة عما كانت عليه حتى صبيحة ذلك السبت , اذ هى فى هذه اللحظات تستظل بظل غير ذلك الذى رتبت حياتها عليه لسنوات أو شهور خلت , فمن حظى منهم بخيمة من خيام الاغاثة التى لم تتسرب الى السوق أو لم تستبدل لدى جهة رسمية قاهرة – حسبما يشاع عن أن خيام الاغاثة الدولية الجيدة الصنع قد استأثرت بها تلك الجهة الرسمية النافذة وتم استبدالها بخيام مما كانت تستخدمه تلك الجهة فى عملها , وهى ليست فى جودة ما جاد به المغيثون من الخارج ـ المهم تلك رواية سمعتها من بعض المواطنين ولا أستطيع الجزم بصحتها من عدمها اذ كل الاحتمالات واردة فى بلد مستباحة بالفساد والمفسدين, لكن الواقع أن من يقيم فى خيمة تراه واطفاله ينظرون الى سقف قماشى وجدران خفيفة تهزها الرياح , وهى بعد مضروبة الى الأرض بأوتاد, أما من لم يحظ بخيمة  فهو يستظل بالهجير فوق أنقاض داره المنكوبة , ومنهم من تبعثرت أوراقه المالية لاضطراره دفع ايجار منزل بديل بمئات الجنيهات أو ما يفوق المليون والمليونين لمن أووا الى الشقق فى الأحياء المجاورة, كل هذا حدث خلال فترة وجيزة لا تتعدى الشهر , وفى غضونه تدافعت الوقائع على مدار الساعة وكر الأيام, فمن جهود الاغاثة وروح النجدة  الحقيقية ذات النفس الانسانى الباذخ التى افترعتها المجموعات الشبابية غير المرتبطة بالسلطة وأجهزتها كجماعة (نفير) الموسومة فى بعض أدبيات السلطة بـ(الشيوعية) الى الجهات الرسمية  المتهمة لدى المواطن بالفساد وسوء النية  , وصولا لجهود بعض أجهزة الاعلام الحكومية  والخاصة الموالية للسلطة أو المأمورة والخاضعة لسطوتها على الأقل, نجد فى تواتر الاحداث تأنيب للسلطات ونقد لها على التقصير والتقاعس عن أداء مهامها بصورة طيبة وقصورها فى مواجهة الكارثة (الأزمة), وهناك من يدافع عنها ويؤيدها ويحمل المسؤولية للمواطنين المتضررين بأنهم قد جلبوا المأساة لأنفسهم بابتنائهم للمنازل فى مجارى السيول التى لا تغيرها وان طال الزمان, أو لأنهم لم يبنوا بيوتهم مسلحة بالأسمنت والسيخ , أو أنهم أغلقوا مجارى السيول باهمالهم  وبالردميات التى صبوها والأنقاض, والحمد لله أن ستات الشاى لم يرد لهن ذكر ضمن أسباب الكارثة  هذه المرة ففى ذات عام مضى من أعوام الكوارث المعتادة فى الخرطوم أشار بعض المسؤولين الحكوميين الى أن ستات الشاى قد تسببن فى اغلاق مصارف المياه بـ (التفل) فانظر عزيزى القارىء الى مصرف يغلقه تفل شاى أو بقية قهوة, وتأمل فى حجم المأساة عندما يصرح وزير البنى التحتية بولاية الخرطوم عشية تأسيسها من ضلع وزارة التخطيط العمرانى  قبل حوالى العامين قال حينذاك أمام مجلس ولايته التشريعى أنه قد وجد فى وزارته نحو 240 مهندسا عدد المؤهلين منهم لا يتجاوز الـ 25مهندسا فقط, فهل المسؤول عن الفشل المواطن فى مرابيع الشريف والكرياب وحى المصطفى أو حى النصر (ذى الأعمدة الخرصانية) فى الواجهة بينما تحولت بيوت أسر  عديدة الى حطام , هل المسؤول هو ستات الشاى بمصافى القهوة وتفل الشاى؟  أم المسؤول الفعلى والحقيقى هو الفشل الملازم والمزرى فى دولاب السلطة ومرافق الحكومة  , لأنها أى الدولة , مؤسساتها وأجهزتها  , تلك التى سادها واستولى عليها وتحكر فيها بل صارت نهبا مشاعا للعناصر الموالية  للسلطة وأجهزة قمعها , من غير تأهيل مهنى وفنى وأخلاقى . اذ أن الفشل لا يلد الا فشلا  وفشل مخرجات التعليم  من الاساس الى الجامعة وما فوقها  لا يعود الى خمول فى عقول ناشئة الشباب  , انما يعود بصورة اساسية الى خطل وبوار  الاستراتيجيات والخطط والبرامج والخلفية الفكرية والاطار الفلسفى والآيدولوجى للطغمة الحاكمة, والى فشل مشروع انقلاب 30يونيو الاسلامى ليس فى بناء وطن ولو على اساس رؤية اربابه  على قصورها أنما تعدى الفشل ذلك الى الفشل حتى فى الحفاظ على ما ورثه الانقلاب من ممسكات الوطن. فمعظم الناس يتحدثون عن الانهيار وليس النماء أو التقدم والازدهار, والكل يعرف حقيقة انهيار التعليم ومخرجاته وقطاع الصحة والعلاج  وأساسياتها والاقتصاد ومقوماته البشرية والمادية والمؤسسية التى أقلها ولاية وزارة المالية على كل المال العام , فلا يخفى على أحد شكوى وزارة المالية المستمرة من ضعف ولايتها على كل مصادر  المال العام ومن ممارسة التجنيب التى تمارسها جهات وأجهزة قاهرة وجبارة, الكل يعلم علم اليقين انهيار قطاعات الزراعة والرعى  والصناعة  وانهيار الأخلاق والقيم الفاضلة فى السوق والمؤسسات والدواوين الحكومية . يتحدث الناس عن سيادة  الفهلوة والشيطنة والاستغلال البشع للموارد العامة وعن استغلال الكوارث للمصلحة الذاتية أو الحزبية لدرجة بيع مواد الاغاثة فى الاسواق دون وازع من ضمير أو رادع من سلطة. هذه هى الكوارث الماحقة التى لحقت بالبلاد طيلة ربع القرن من الزمان الأردأ  فى التاريخ السودانى , وتحت حكم المشير عمر البشير وزمرته المعروفة من من يتداولون المناصب والامتيازات السلطوية كأنها أملاك خاصة بهم اسسوها بكدحهم وعرق جبينهم أو ورثوها عن آبائهم وأجدادهم,  مواقع الدولة والحكم عندهم دولة بينهم  كأنها المزارع فى مشروع السليت , أو المولات وصالات الافراح والكليات الجامعية التى يمتلكها نفر منهم , لا فرق بين مؤسسات الدولة والاستثمارات التى يمطون بها الشفاه مطا (كما كتب د. التجانى عبدالقادر2006 في جريدة الصحافة). انه الفشل الداوى لمشروع أسلمة أو اسلامية الحكم والمجتمع بعد أن تعرى من أى شعار (توت) كان يتدثر به , مصورا الذات الاسلاموية  على هيئة الملائكة  ومنسوبي التنظيم كصحابة رسول الله (ص), ذاما الآخرين وقادحا فيهم كأنهم أبالسة وشياطين . فنجد صفات الطهر والصدق والعفة والقوة الاخلاقية  والقدرة العملية وكأنها قد صارت حكرا عليهم ونزعت من الآخرين. بينما صفات الخيانة والعمالة والارتزاق والكفر والفجور تنطبق على كل الآخرين . هكذا ظل الاسلامويون يبثون أدبياتهم ويبشرون بأوهامهم للتعمية عن ممارساتهم  وفشلهم . ولعله لم يعد من السودانيين من يغالط حول واقع الفشل ووقائع الفساد والافساد وبوار المشروع الاسلامى بعد كشف الغطاء  وازاحة الغشاوة عن أعين المغرر بهم لسنوات, لقد بات فى حكم المؤكد قصر أجل السلطة المستبدة فقد استنفدت كل الحيل والاكاذيب والالاعيب ولم يعد أمامها من أفق, والوطن بابنائه ملىء وبشبابه قادر على تجاوز الكارثة الاكثر عُتواً؛ كارثة الحكم الاستبدادى والفشل الداوي.