(حول جثتي يوسف وعلي بحي طراوة - جوبا) استيلا قايتانو لا اعرفهما ولاول مرة ادخل حي طراوة لاعزي اناس لا اعرفهم ولا يعرفوني ولكن الم فقد اثنين من الشباب اعمارهم اقل من الثلاثين ومن اسرة واحدة هو الذي ساقني مع احدى الصديقات لتقديم واجب العزاء .

فتمزقنا ما بين حزن على  الاخوة الذين غدر بهما لصوص الليل وغضب الاهل

والجيران والاصدقاء والذين ابت دموعهم ان تتوقف فجرت مدرارا . يوسف وعلي

هما الاخوة اللذين تم قتلهما من قبل عصابة مسلحة في تمام الساعة الثانية

عشرة والنصف من مساء يوم الاحد الماضي بحي طراوة بجوبا وهو وقت نشاط اي

مدينة في العالم وغالباً يكون للترفيه والزيارات والمتعة والسمر ، ولكنها

في جوبا يعد وقتاً متجاوزاً وينشط فيه اللصوص الذين يقتلون الناس لحفنة من

الجنيهات من فقراء القوم  ، لم يكد العثور على البيت الذي فاجأتهم

فيه الفجيعة ، فكانت الكارثة بحجم العنوان الذي يدل على المكان ، حشد من

الناس شباب وشيب ، نساء وفتيات كلهم يتجهون في اتجاه واحد لتصبح جثتا (

يوسف وعلي ) كالبؤرة المقدسة التي اراد الكل رؤيتها والتحقق من ما حدث ،

بكاء  وعويل ، ترانيم وصلاة ، رقص وزغاريد اعلان لبكائية الجسد  والروح .

بكت الامهات المكلومات حد السكات فانشغلن عن العالم بهش الذباب عن

الجثتين بالمناديل البيضاء ، ولولت الفتيات حد الاغماء ، كتم الرجال

نشيجا حد التشنج   ، لم يكن بكاء على فقيدين من اسرة واحدة وانما كان

بكاء على حال كل الوطن وكان السؤال الذي اخذ يتردد على لسان كل انسان ،

لماذا نموت الآن وبهذه الطرق البشعة ؟ لماذا نقتل بعضنا البعض بعد نيل

الحرية والكرامة ؟ حتى ايام الحرب لم يكن الناس تموت بهذه الطريقة ؟ ما

الذي يحدث ؟ هل اصابتنا لعنة الموت الى الابد ؟ .

ياليت كان هناك ممثل من الحكومة حاضراً ليسمع ويشاهد حجم الفجيعة ،

ليسمع باذنيه الكلام الذي قيل قبل الدفن ، فهو كلام يجعل المسؤول يفكر في

الانتحار وليس مجرد ان يفكر في الاستقالة ، كان الغضب اعمى في ذاك اليوم

وكان الحزن في كامل ابهته يتبختر بين الحزانى بهزء وشعور الانتقام يداعب

الافئدة .

لقد كان الحديث مؤلماً ومفعما بالغضب واليأس وفقدان البوصلة وعدم الثقة

في اي احد، تخيل ان يتعامل المجتمع ككل على صياغة الكل خائن حتى يثبت العكس

، اي انعدام التعامل بعفوية في علاقات الصداقة والزمالة والجيرة ؟ ، كان

الكل متهماً بدون استثناء من اعلى رأس الدولة وحتى آخر جندي فيه بل حتى

اصدقاء القتيلين كما قالت ماما تابيتا ، فاطلق الناس سهام كلمات غاضبة في

الاجواء المسمومة بالغضب وسيطرة شعور الانتقام عسى ان تصيب كما اصابت

طلقات نارية غادرة فلذة اكباد تلك الاسرة المكلومة .

تحدث ممثل الاسرة  :  كان يتمتع برباطة جأش يحسد عليه في وقت كان الكل

منهاراً ، ولم يكن انانياً حيث انه لم يركز على فجيعته الاسرية ولكنه خلط

وجيعته الخاصة بآلام الناس عامة ودق ناقوس الخطر بان هذه البلاد لن تكون

بخير ما لم تتوقف هذه الانتهاكات ، تحدث عن مأساة البلد ككل وفقدان

الشباب بطريقة محزنة في وقت الوطن بحاجة اليهم ، سأل عن من المسؤول عن

هذه المآسي ومن المستفيد منها ؟ فكان  كلامه احراجاً حيث انه عكس رقي هذا

الشعب وصبره ، اذا اصابته مصيبة يحاول تعميم الحل حتى لا يتجرع اخرون من

ذاك الكأس في حين نجد ان البعض انشغل في حلحلة اموره الشخصية والذاتية

بحقوق العامة .في النهاية شكر كل الحضور بدون استثناء على مشاركتهم

ووقفتهم معهم اثناء هذه الفترة العصيبة  .

تحدثت ( ماما تابيتا ) وهي ام بالكنسية بلغة ( المورو ) وكان هناك مترجم

جيد يعكس لنا قولها بعربي جوبا ، قالت كلاما تجعل شعرة اي شجاع تقف مثل

المسامير ،  تناولت حديثاً جعلت الجمهور يبكي بشكل جماعي حيناً ويهتف

حينا او تزغرد النساء في احايين اخرى ، الغريبة ان الرقص والزغرودة ليست

دلالة على الفرح دوما ولكن للحزن رقصته وزغرودته الجارحة .

تحدثت ماما تابيتا عن السياسة والدين وتحدثت عن الحرب والسلام ، تحدثت عن

الامومة والطفولة وتحدثت عن الموت باستفاضة تحدثت عن المعاناة والتقشف

وعدم صرف المرتبات تحدثت عن عدم الامان وتحدثت عن وضع النساء، نساء جنوب

السودان ، من اشهر مقولاتها عن السياسة هو سؤالها عن من هم البشر

الذين يحكمون هذه الدولة ؟ وكيف استطاعوا تحويل جوبا من مدينة كانت تتمتع

ببعض الامان اثناء الحرب الى مدينة ترعى فيها الذئاب البشرية اثناء

السلام الدائم ؟ .

قالت نحن الامهات من نتعب لننجب هؤلاء الابناء ، وقد مات اغلب ابائهم

ايام النضال فهم يتامى ، تمت تربيتهم بطريقة صعبة ، حتى صاروا رجالاً

وهاهم يتركون يتامى خلفهم والغريبة ليست هناك حرباً دائرة ، فهل سوف تنصف

الدولة ابناءهم بعد ان اهملت اباءهم من قبل ؟

قالت عندما نرى جثث اطفالنا حتى انا كام للكنيسة استطيع ان اقتل انتقاماً

! وما يجعلني لا نفعل ذلك هو لان لدي قناعة بان الله يختار المؤمنين

ليكونوا قربه والان يجب ان نؤمن بان هذين الشابين عريسان اليوم .

ومن اكثر قولها خطورة : يجب الا تثقوا في احد ، لان حتى اصدقاء هذه

الايام هم عبارة عن اعداء خفيين ، يتم ارسالهم للاستكشاف وهم من يدلون

المجرمين على الضحايا ، في هذه الاثناء بكيت بحرقة عند هذه الجملة وعلمت

انهم لا يقتلون الناس فقط بل تتم اغتيال القيم بكل معانيها انهم يقتلون

اسمى العلاقات على الاطلاق وهى الصداقة ، يتم تغذية الناس بالجبن والعزلة

، يتم اغتيال المروءة والشهامة ، يتم قتل علاقات الصداقة والزمالة ، يتم

دفن التكافل الاجتماعي ، كانوا يريدون ليوسف وعلي الا يخرجوا وهم يسمعون

والدهم يستغيث خوفا من القتل !  ويا سادتنا ماذا ستفعلون بمجتمع بدون قيم

؟ .

ثم جاء الاتهام المباشر للاجهزة النظامية ، لان المجرمين كانوا يرتدون زي

الشرطة ويحملون ادواتهم ، مع وجود معروضات من ادوات الشرطة ، من عصا

وسونكي وبطاقة وهاتف جوال ، كل هذه الادلة حملت مع الجثث للبرلمان من قبل

الجمهور الغاضب والذين صبوا جام غضبهم في البرلمان وافراد الشرطة المارين

حيث تم رشقهم بالحجارة والسباب ، ليستمعوا للحكومة في شخص رئيس البرلمان

السيد واني ايقا والذي تأسفت بشدة لوقوع ذاك الحادث البشع وكان يتحدث

بصعوبة ليوصل عزاءه ولكن كان الحزن والغضب قد اعمى واصم الكثيرين ،

فكانوا يتحدثون في ثورة ويبكون صارخين وياليت يفيد الاسف بعد ان تهتكت

الصلة بين الشعب والدولة ، بين الشرطة والمواطنين ، وايضا بين الناس

والناس فالمواطنون ينشدون الامان هل هذا مطلب يستحق كل هذه الدماء  .

ولكن كدولة من دول العالم الثالث يتحرك الناس بعد الكارثة ويصبح الضحايا

كبش فداء ليسلم البقية ، وكان اعتراف المفتش العام للشرطة السيد فيانق

بارتفاع معدل الجريمة هذه الايام وقال بان الشرطة مخترقة وغير منضبطة لان

قوام الشرطة هو خليط من المليشيات والمقاتلين واشخاص ذوي سوابق اجرامية لم

يتم فحصهم واختبارهم بالاضافة للشرطة الاساسية الموجودة في الجنوب او

العائدين من الشمال ، بالاضافة انه تم اطلاق صراح المجرمين الذين تم

استلامهم من السجون السودانية بشئ من المجاملة الزائدة عن الحد بسذاجة

انهم ابناؤنا وربما تم سجنهم اعتباطياً من قبل الخرطوم ، بالاضافة لعدم

ضبط الوجود الاجنبي ولهؤلاء الباع الطويل في ارتكاب الجرائم المنظمة

ليكونوا شبكات من العصابات خليط بين جنوبيين واجانب عنيفين لا

يترددون في قتل الناس حتى بعد الحصول على ما يريدون سرقته من اشياء .

بعد هذه التصريحات بدأنا نسمع بانه تم القبض على قتلة الشابيين وايضاً

تم القبض على شبكة اختطفت ثلاثة صوماليين وكانوا يطالبون بفدية ، وتم

القبض ايضاً على لصوص كانو يحاولون سرقة دكان في سوق (مليشيا) فتم تبادل

اطلاق النار بينهم والشرطة وهذا في تمام الساعة العاشرة مساء تخيلوا حتى

الاطفال لم يناموا بعد ، ووجد بحوزتهم اسلحة صغيرة ورشاش ، نهنئ الشرطة

لهذه الصحوة ونشجعها لمواصلة الضغط والرقابة ، حتى يعيدو للناس الثقة

بانهم قادرون على حماية الناس وممتلكاتهم ويمسحوا السمعة السيئة التي

تلاحقهم وتتهمهم بانهم ضالعون بشكل او آخر في هذه الجرائم .

المواطنون في قلق دائم ويحس اي واحد منهم بان دوره آت لا محالة ، لذا

ليطمئنوا فهم في حاجة لسماع انه يتم القبض على هذه الشبكات لان ذلك

يشعرهم بالاطمئنان بعض الشئ .

في رأيي ان هناك جهة تحاول بكامل الاصرار والترصد تشويه صورة الشرطة

لدى المواطن ، لقطع تلك العلاقة المعروفة عالمياً بين المواطن والشرطة ،

لان حتى اغبي مجرم في العالم لا يحاول ترك ادلة في مسرح الجريمة ، ولكن

نجد المجرمين عندما يحاولون دائما ترك بصمة واضحة ومفضوحة ويجتهدون في ان

تكون تلك الادلة تشير الى الشرطة دائما ، الازياء – الاسلحة – السونكي –

العصا الكهربائية – وبطاقة وربما السيارات ايضاً ، قالت لي احدى القريبات

عندما كان يتم نهبهم في حي (لوكويليلي ) الجبل  عندما حاولو الاتصال

بالشرطة قالوا : بمن تريدون الاتصال بالشرطة ؟ نحن الشرطة ونحن ( اس بي

ال آ )  عديل كدا لذا عليكم اخراج النقود والموبايلات دون كلمة .

هذا منحى خطير لنوع الجرام وتشويه السمعة عندما يكون هناك تحدي سافر من

المجرمين تجاه الدولة وانه لخلل ان يكون المجرمون في وضع قوة . لذا

لطالما اعجبتني الطريقة التي يتم فيها تأمين البلاد اثناء احتفالات اعياد

الاستقلال ، اي انخراط كل القوات النظامية من امن وجيش وشرطة عسكرية وحرس

الصيد والدفاع المدني في مسألة التأمين وكان عدد هؤلاء قرابة 12 الف جندي

مرابطين ليل ونهار للتأمين فكان الامن بنسبة 100% حتى نمنا في الحيشان في

تلك الايام نوما هنيئاً ، ان جوبا وهى مدينة صغيرة يسهل السيطرة عليها

تحتاج الى ثلث هذا العدد للانتشار ليلاً لضبط العمل الاجرامي  ولو لفترة

مؤقتة لحين اشعار آخر فلتكن الشرطة في خدمة الشعب حتى لا يغضب منها الشعب لان

ليس للشعب احد غير الشرطة للحماية حتى لو تشوهت هذه العلاقة في الوقت

الراهن فالزمن كفيل باصلاح كل شئ واخيراً ومن هم الذين في الشرطة ؟  اذا

جاوبت على هذا السؤال ووجدت انك لا تعرف احداً بصورة شخصية في الشرطة

حينها على الدنيا السلام ولكن اذا وجدت بان لديك اخاً او اختاً او اباص او اماً

او قريباً من بعيد او قريباص فرداً من الشرطة فانهم بالطبع من اسرنا ولا بد

انهم يشعرون بمخاوفنا وسوف يوصلونها ويبذلون الكثير ليعيدوا لنا الثقة

والهدوء وكما قالت ماما تابيتا للنساء في يوم عزاء يوسف وعلي لماذا تلزمن

الصمت في تلك المكاتب تحدثن بشجاعة لتحدثن التغيير لانكن امهات .

يارب ارحم يوسف وعلي وانزل الصبر والسلوان على تلك الاسرة .