فائز السليك عاد أحد المهندسين من اغتراب طويل بدول الخليج ، دام سنوات، لم تمكنه من تشييد بيت معقول بعد أن اشترى الأرض، لكن ما لفت انتباههه هو امتلاك أحد أصدقائه وزملائه لعدد من الفيلل الأنيقة ،

وفي عدد من الأحياء الثرية، فقاده فضوله إلى سؤال صديقه عن ” هذا الثراء العريض، وليلة القدر التي طلت عليه وهو لم يخرج من السودان”، وبالطبع فإن صاحبنا رفع حاجب الدهشة حين سمع إجابة المهندس الثري، والذي لم يفكر يوماً في الهجرة ، أو حتى الاغتراب.أخذه صديقه الثري إلى أحد الجسور التي تم تشييدها في السنوات الأخيرة، و كان قد صاحب حدث افتتاحه ضجة إعلامية كبيرة، حول انجازات الإنقاذ، وبالطبع فإن؛ التلفزيون لم يتأخر في نقل ذلك الحدث الكبير، والذي افتتحه المشير عمر حسن البشير، ورقص عليه رقصته الشهيرة.

ولما اقترب الصديقان من الجسر ، قال الثري لصديقه العائد ” كل هذه البيوت شيدتها من هذا الجسر”، فرد المغترب ” يعني علي أنا  تكسير هذا الجسر لكي أصل إلى مستواك،  وأترك الاغتراب لأبني أنا بيوتي، ثم تأتي أنت لتشييده من جديد لتمتلك ما تبقى من بيوت ذلك الحي الكبير .. فضحكا .

وهذه ( الضحكة) هي إحدى رصاصات الإنقاذيين في جسد هذا الوطن المفجوع، حيث صار للسرقة فنونها، ومسمياتها، وللثراء طرقه السريعة ، وهي أسرع من طرق المرور السريع في ذات البلاد، لأنها طرق ضيقة، وكلها مطبات وحفر، وغير مطابقة للمواصفات العالمية .

والأسبوع الماضي ؛ اعترف مدير وحدة المشاريع الاستراتجية بولاية الخرطوم ،أحمد قاسم بفقدان الولاية 15% من طبقات الطرق، بما يعادل (300) كلم بسبب السيول ووصفها بالكارثة . هذا يحدث ، بكل هذه البساطة، ولن تسائل الحكومة أحداً لأن الجميع متهمون، من أصغر مهندس إلى رئيس العصابة الإنقاذية!. وغداً سوف تعود ذات السيرة، تشييد طرق غير مطابقة للمواصفات، بواسطة شركات الإسلاميين، وكل ما تفعله هو رش ( مساحيق تجميلية، زهيدة الثمن) لن تغطي دمامة الوجوه.

وشنّ رئيس الجمعية الهندسية ووزير الشؤون الهندسية الاسبق بولاية الخرطوم ، شرف الدين بانقا هجوماً عنيفاً على الحكومة واتهمها صراحةً بتعيين إداريين غير مؤهلين للإشراف على إنشاء المباني والسدود والمصارف وشدّد على ضرورة إجراء إصلاح مؤسسي عاجل .

إلا أن بانقا ، وهو وزير سابق ابتدر حملة الطرق والجسور، ولا ندري إن كان هو من من الذين عملوا بوصايا التمكين ( الإسلامية ) أم لا ؟ ، لكنه لم يحدد أيضاً، إن كان هؤلاء المهندسون غير ( مؤهلين فنياً فقط)، أم أنهم غير مؤهلين بالإضافة إلى ذلك ( أخلاقياً) ، شأنهم شأن كل الإنقاذيين ومطبليهم، الذين يجعلون من ( مشاريع التنمية ) مادةً للدعاية والترويج والكسب السياسي الرخيص، مع أن الطرق والبنى التحتية هي من صميم عمل أي حكومة، ولا تستحق في ذلك جزاءً ولا شكورا، بل لم نرى في كل الدنيا رئيس دولة يرقص لمجرد تشييد طريق بطول 20 كيلومتراً، مثلما يرقص البشير،  وإلا سيظل مثلاً الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك يرقص حتى مماته من كثرة جسور وطرق القاهرة!.

ليس غريباً، أن نرى الطرق تبنى، وتكسر،  والأنفاق بلا تصريف، وما حكاية ( عفراء قبل سنين) ببعيدة عن الأذهان، لأن الإنقاذيين لا يفكرون في الوطن بقدرما يفكرون في نفوسهم، ولذلك‘ فإن المال العام هو ضيعة خاصة، أو غنيمة من غنائم أزمنة التمكين واللزوجة،  تلك الأزمنة التي تعتبر أن المشروع الحضاري هو نهب وسلب وتقطيع أوصال الوطن وجلد للنساء، وأن العاصمة الحضارية هي التي( تغرق في شير موية)، وتفقد مئات الكيلومترات من طرقها الواهية،  هذا لا يحدث سوى في السودان، وإلا لكانت السيول والأمطار حملت كل طرق المدن الاستوائية، أو حتى الأوروبية.