د. جمعه كنده كومى  في الحلقة الماضية استعرضنا العوامل والدوافع التي ادت الي الغاء ولاية غرب كردفان اثناء مفاوضات اتفاقية السلام السامل الموقع في يناير 2005م. ونتيجة لهذا الالغاء تم ضم المناطق التي يقطنها كل من المسيرية والنوبة الي جنوب كردفان بينما ضمت مناطق الحمر الي ولاية شمال كردفان.

وقلنا ان الهدف الاساسي من وراء ذلك كانت تتعلق بمحاولة طرفي النزاع فى السيطرة علي المخرجات السياسية النهائية والمضمنة في بروتكول ولايتي جنوب كردفان والنيل الازرق، خاصة عملية فوز بالانتخابات بالولاية وبالتالي التحكم في مخرجات المشورة الشعبية باعتبارها الالية السياسية لتسوية النزاع فى الولايتين بشكل نهائىاثناء الفترة الانتقالية سعي الطرفان لتهيئة قواعدهما سياسياً لكسب جولة الانتخابات والمشورة الشعبية، ومما زاد الامر حدة وجود تباين واضح في ماهية المشورة الشعبية. اذ تراها قيادات الحركة الشعبية وقواعدها بانها خطوة من شأنها ان تقود الي حق تقرير المصير، بينما يراها المؤتمر الوطني بأنها مجرد مشورة لاهل الولاية،  لكنها غير ملزمة للحكومة فى المركز، وان اعلي سقف فيها هي مطالبة اهل الولاية بتحسين الاداء التنموي في الولاية اذا لم يتم يتحقق ذلك خلال الفترة الانتقالية. وبالرغم من اتفاق شريكى الحكم حول نصيب كل طرف الإ انهما اختلفا حول كيفية توزيع المناصب الدستورية غير الموصوفة وبشكل دقيق في البروتكول. وكان اهم نقاط الخلاف تتمحور حول منصب رئيس المجلس التشريعي الذي هو من نصيب المؤتمر الوطني حسب البروتوكول. ولقد طالبت الحركة ان يتم التناوب في هذا المنصب كما هو الحال في منصب الوالي الامر الذي رفضه المؤتمر الوطني لعدم وجود ذلك في البروتكول. نتيجة لهذا الخلاف وغيرها من خلافات تأخر تشكيل الحكومة لحوالى سنتين، فقدت خلالها الولاية العديد من الفرص التنموية واستحقاقات السلام.

بعد تشكيل الحكومة  تحول الخلاف الي أمور اخرى، متعلقة ببنود البرتوكول اهمها دمج اعضاء من الحركة الشعبية المؤهلين للخدمة المدنية والشرطية والقضاء. كما امتد الخلاف الي كيفية اجراء التعدد السكاني والذي سيبنى علي اساسه تأسيس المحليات وتكوين الدوائر الجغرافية للانتخابات حسب الثقل السكاني لكل منطقة. كان واضحاً عدم اندماج المناطق التي كانت تسيطر عليها الحكومة اثناء الحرب مع بقية اجزاء الولاية، حيث استمرت الاوضاع السائدة انذاك طيلة الاربعة السنوات الاولى من عمر الفترة الانتقالية من 2005-2009. وعند تحول قيادة حكومة الولاية الي مولانا احمد هرون ونائبه عبد العزيز الحلو حدث انفراج نسبى في عدة جبهات اهمها:

1/ بدء مشروعات  تنموية طموحة خاصة في الطرق والاتصالات وانشاء رئاسات الوزارات والمحليات وبعض الخدمات مثل مستشفي كادقلي.

2/ انفتاح مناطق الحركة حيث بدأت في استقبال والي الولاية ولاحقاً استقبلت قيادات نافذة من المركز وعلي رأسهم النائب الاول علي عثمان عندما زار مدينة كاودة في اوائل 2011 علي شرف انعقاد مجلس الحكماء فيها.

3/ استيعاب اعداد محدودة من ابناء الولاية في الحركة الشعبية في الخدمة المدنية والشرطية والقضاء .

4/   حدث تناغم واضح بين الوالي ونائبه مما ادي الي وجود انسجام في اداء حكومة الولاية فانعكس ذلك ايجاباً علي الاستقرار والامن قبل ان تتدهور العلاقات اثناء حملة الانتخابات وانفجارها عند اعلان النتيجة.

عودة الي مشلكة تعداد السكان لعام 2008- 2009، فقد اختلف الشريكان في كيفية ادارة عملية التعداد مما ادي الي انسحاب الحركة الشعبية واعلانها بعدم الاعتراف بنتيجة تعداد السكان لطالما هي لم تشارك فيها. وبالفعل ظهرت نتيجة الانتخابات فرفضتها الحركة الشعبية، وبعد مفاوضات بين الطرفين تم الاتفاق علي الغائها واعادتها مرة ثانية في عام 2010. ويلاحظ الفرق الكبير بين التعدادين اذ بلغ التعداد عام 2009 حوالي 1,406,404 نسمة بينما ارتفع الي 2,508,000 نسمة عند اعادتها في عام 2010 م. كان هذا الصراع المحتدم حول تعداد السكان يعكس حقيقة اساسية في السياسة السودانية والتي ظلت تتعامل مع تعداد السكان لا على اساس انها عملية فنية احصائية بحتة بل علي اساس الثقل السياسي للاحزاب في اواسط الاثنيات المختلفة.

في حالة جنوب كردفان كانت العلاقة واضحة بين التعداد السكاني وانشاء المحليات ومن ثم التوزيع للدوائر الجغرافية للانتخابات المرتقبة حينذاك. ولظهور نتيجة الانتخابات انتقل الصراع الي تأسيس المحليات، وهنا ظهرت الاهمية السياسية لاضافة ولاية غرب كردفان الي جنوب كرفان بالنسبة لمؤتمر الوطني. استطاع المؤتمر الوطني بحكم اغلبيته في مجلس الوزراء والمجلس التشريعي في الولاية في التحكم في انشاء المحليات الجديدة فانشأ محليات اكثر فى المناطق التى تقع جغرافياً في حيز ثقلها السياسي خاصة في المناطق الغريبة والمنطقة الشمالية من ولاية جنوب كردفان. ولقد انعكس هذا الوضع علي تقسيم الدوائر الانتخابية فى المرحلة الاحقة وبالتالي علي نتيجة الانتخابات والتي فازت فيها المؤتمر الوطني. فاز المؤتمر الوطني بالرغم من حصول الحركة الشعبية علي اعلي نسبة في اجمالي اصوات الناجحين علي مستوى الولاية. وحسب النتيجة الرسمية للانتخابات فقد حصلت الحركة الشعبية علي 191.582 صوت بنسبة 47%من اجمالي الناخبين ومع ذلك فازت في عشرة دوائر جغرافية فقط. وفى المقابل حصل المؤتمر الوطني علي 182.751 فقط من اجمالي الناخبين بنسبة 45% ومع ذالك فاز بعدد 22 مقعد. هذة الحقيقة لاتفسرها فقط قله اوعزوف الناخبين في مناطق الثقل السياسي للمؤتمر الوطني خاصة في غرب الولاية بل يفسرها ايضا قلة كثافة السكانية المكونه للدوائر ذات الثقل السياسى للمؤتمر الوطني. 

توضح نتيجة الانتخابات ان ما كان بمقدور المؤتمر الوطنى الفوز فى هذه الانتخابات دون اضافة مناطق ولاية غرب كردفان، حيث فازت فى جميع الدوئر فى هذه المناطق وهى 1. لقاوة و2. السنوط و3. كدام و4. كيلك و5. بابنوسة و6. بابنوسة التبون 7. وكجيرة و8. المجلد و9. الميرم والستيت و10. الدبب وشمال ابيى. كما يلاحظ ان معظم الفائزين من مرشحى المؤتمر الوطنى قد فازوا باصوات ضعيفة جدا مقارنة بمرشحى الحركة الشعبية. فمثلا نجد ان اجمالى عدد الاصوات (وهى 53,958 صوتا) والتى فازت بها مرشحى الموئمر الوطنى فى 10 دائرة اقل من اجمالى الاصوات لعدد ثلاث مرشحين فقط  من الحركة الشعبية، اذ بلغ اجمالى اصوات الناخبين فى ثلاث دوئر وهى 1. ام دورين و2. هيبان الجنوبية و3. هيبان الوسطى حوالى 55,595 صوت. باختصار بغض النظر عن الجدل الذى صاحب الانتخابات فلقد حقق المؤتمر الوطنى ما اراده باعلان فوز مرشحه لمنصب الوالى وحصوله على اغلبية فى المجلس التشريعى والمنوط به قيادة تنفيذ عملية المشورة الشعبية.

ان رهان المؤتمر الوطنى المبكر على الناخبين فى المنطقة الغربية لكسب الانتخابات بالولاية كان واضحا خلال الحملة الانتخابية حيث طاف مسئولى المركز هذه المناطق اثناء الجولة الانتخابية دون زيارة بقية اجزاء الولاية. ويتضح اهمية الامر عند قيام السيد رئيس الجمهورية بنفسه بجولة للمجلد والفولة وببانوسة  لدعم مرشحى الحزب خاصة الوالى. ولقد وعد المؤتمر الوطنى اهل غرب كردفان اثناء الانتخابات بعودة ولايتهم مباشرة بعد الانتهاء من المشورة الشعبية المتوقع حينها اجراءها فى النصف الثانى من عام 2011. ولكن باندلاع الحرب واستمرارها حتى الان، تغيرت الاوضاع السياسية وتبدلت معها الاجندة السياسية لطرفى النزاع، بما فيها تراجع خيار المشورة الشعبية الذى يكاد ان يختفى تماما فى الوقت الحاضر كألية لتسوية النزاع السياسى فى الولايتين. واخيرا وبعد الحاح  وضغط  مواطنى الولاية الموعودة استجابت حكومة المركز واعلنت اعادة انشاء ولاية غرب كردفان دون اجراء المشورة الشعبية. اذن ما هى مألات ذالك على فرص السلام والاستقرار فى الولايتين بل فى كردفان الكبرى فى ضوء هذه التحولات؟ هذا هو موضوع حلقتنا الاخيرة القادمة باذن الله.