البرّاق النّذير الورّاق تابع السودانييون التغيير الذي تم في مصر منذ الوهلة الأولى، أكثر من متابعتهم للتغييرات التي حدثت في بقية بلدان الربيع العربي، وظنّ الظانون أن بالامكان نقل التجربة الثورية حذو النعل، اقتداءً بهذه البلدان- والنموذج المصري على وجه الخصوص-

بل وشرعت بعض المجموعات الشبابية في تقليد اسماء المجموعات في البلدان الأخرى تفاؤلاً وربما اعتقاداً في أن الاسم هو سبب النجاح؛ومع وجود مجموعات باسماء سودانية خالصة، إلا أن أسلوب العمل لم يكن فيه أي مفاجآت تُذكر، وجاءت الجمعة تلو الجمعة وبنفس النسق، وظهرت (تمرُّد) السودانية كجسم لم يأخذ الاهتمام الذي نالته حركة قرفنا أو التغيير الآن أو شرارة، ولم تُبدِ الحكومة أي انزعاج بوجود جماعة بهذا الاسم على الرغم من أن نظيرتها المصرية حققت اختراقاً ملحوظاً ونوعياً في مفهوم التغيير، وتحركت جماعات على الفيسبوك تثوّر بعضها البعض وتدعو للخروج إلى الشارع، وتبنت بعض الأحزاب هذه التحركات لنقلها من حيز الاحتجاجات الهوجاء، إلى رحاب التنسيق والتنظيم الموجّه، ولعل المانع خير!

لم يدرك المنظرون والمثقفون السودانيون بعد، أن الحالة المصرية، حالة خاصة بالتكوين الجيوبولوتيكي والثقافي/الحضاري لهذه الدولة، على الرغم من أوجه الشبه العديدة مع الحالة السودانية والارتباطات التاريخية والحدودية وحتى المصالح الاستراتيجية، لذلك طفق العديد من أهل الرأي والحكمة في السودان، يجترون التحليل  وضده في الحالة المصرية، آخذين وجهها السياسي/الاجرائي الجاري فحسب، دون التعمُّق في محتواها الفكري والنظري وكيفية الاستفادة منه في حالتنا الراهنة والمستقبلية، وقد امتشق بعض الكُتّاب أقلامهم في مواجهة أصدقاء لهم يرمونهم بالاتهامات التي وصلت حدّ المجازفة بوصفهم أعداء للديمقراطية وأصحاب أقوال ينكصون عند الأفعال، ومن هؤلاء الأستاذ عادل الباز الذي دبّج الكلمات في مواجهة الأستاذ فيصل محمد صالح، وذهب به الأمر أن ألصق به- جزافاً- الذنوب السياسية/العملية والتاريخية، لاخوته في الفكر والنظرية، ناسياً أو متناسياً أن الأمر ليس سيان.

إن الحالة المصرية في وبعد 3 يوليو 2013، لم تكن حالة تغيير سياسي مجرّد، أو انقلاباً على الديمقراطية كما يحلو للبعض أن يسمونه، تسلّم بموجبه العسكر وبجبروت السلاح، السلطة من المدنيين المنتخبين، بل كانت حالة نوعية خالصة رجّت مفهوم الديمقراطية التقليدي، ووضعته في اختبار عملي جسيم، وقد كان الأمريكان أول من انتبه لهذا الأمر فاشاروا لهوية الديمقراطية ومعناها، وللشرعية ومبناها، وبأنها لا تعني حيازة العدد الأكبر من الأصوات من خلال الصندوق الانتخابي، وبالرغم من هذا توقّف الأمريكان كثيراً ولا يزالون، في منطقة سموها “مراجعة” لعلاقتهم بالنظام الجديد ودعمهم له. لقد اكتفى المثقفون والكُتّاب والمفكرون في السودان في اليمين واليسار والوسط، بلعب المُرجيحة في هذا الموضوع، ولم يسعفوا أنفسهم بسبر غور مفهوم الديمقراطية، فراحوا وجاءوا وبأيديهم النموذج الغربي التقليدي للديمقراطية يحاججون به بعضهم البعض ويقلبونه على وجوهٍ عدّة، ليروا فيه الوجه الذي يريح عصبهم الفكري ومبتغاهم السياسي.

لقد جاءت الحالة المصرية كما قلنا وهي تحمل في طياتها نموذج مختلف ونوعي، فقد حدثت اشكالية بين أنصار لرئيس منتخب من جانب، وعدد كبير من الشعب مسنود بالجيش في الجانب الآخر، وأُقيم استفتاء شعبي بتوجيه من الجيش لينال تفويضاً يتم بموجبه الاطاحة بديمقراطية الصندوق وابدالها عبر خارطة طريق موضوعة مسبقاً، بديمقراطية الميادين، وصاحب هذا الفعل عنف وعنف مضاد، ودماء واغتيالات، واتهامات بالعمالة والخيانة ومحاكمات قادمة في الطريق! لقد كانت ولا زالت الحالة المصرية، مصدر جدل سياسي وصراع سرّي وعلني بين دول العالم يدعو للتندُّر والسخرية، فقد ألمحت بعض الرسائل الساخرة إلى موضوع تضارب المصالح وكأنه”غلوتية” تحتاج للحل، بين علاقة الأخوان المسلمين مع أمريكا وموقف الخليجيين المعادي للأخوان مع احتفاظهم بعلاقة جيدة مع أمريكا، وتركيا التي قلبها مع الأخوان وعدم ضرب المحتجين –الأخونجية طبعاً!- وأوربا ذات المواقف المرتبكة، وقطر سند الأخوان المتين بالرغم من خليجيتها، وهلمّ جرّا. وإن كانت هذه الحالة مصدر جدل سياسي كما قلنا، لا ناقة لنا فيه ولا جمل، فواجب المثقفين والكُتّاب السودانيين اجتراح جدل فكري حقيقي، يفيد مستقبل بلادنا، فليس واجب المثقف والكاتب في مثل هذه الحالات، أخذ المواقف السياسية على علاّتها والدفاع عنها أو مهاجمتها، خصوصاً وأن حُكّام دولتنا المصونة، اكتفوا بترديد محفوظات عن عدم التدُّخل في شؤون الدول الأخرى، وكأن العالم لا يعرف (البير وغطاها)! وكأن المصريون ليسوا أخوانهم في الانسانية، ناهيك عن أن يكون أخوان مصر، أخوانهم في الفكر، أو أن حدودنا الشمالية ليست مع كندا.