محمّد جلال أحمد هاشم مقدّمة: ليس هدفُنا هنا تقديم مناقشة مكتملة عن العلاقات النوعيّة أو الأنثويّة، إذ لا يسع المجال لهذا. ما نهدف إليه هو تقديم مناقشة أوّليّة مبنيّة على تعرية وكشف مصادر السّلوك النّوعي في الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة بالسّودان.

كما نُريد، بدءاً، أن نسلّط الضّوء على أنّ هذه المناقشات، التي تكاد تكون غائبة في أدبيّاتنا الفكرية، ظلّت تشغل جنبات الفكر الإنساني منذ أمدٍ بعيد وإلى يومنا هذا. وربّما هذا هو السّبب في انكفائنا على بعض المصادر الكلاسيكيّة في مناقشاتنا أدناه. لقد سُكب الكثير من الحبر في كون العلاقة النّوعيّة بين الرّجل والمرأة غير متكافئة، بل وتبلغ حدّ ظلم الأوّل للأخيرة. وأصل افتراق النّوع هو التّكوين البيولوجي وما تبع من خصائص فارقة. ولكن كلّ هذا لا يقف مبرّراً كافياً لحالة عدم التّكافؤ الذي يبلغ درجة الظّلم المبين. فما هو يا ترى منبع عدم التّكافؤ أو النّزعة للظّلم، ظلم الرّجل للمرأة؟ ثمّ إلى أين يقودنا كلّ هذا الظّلم والعلاقة غير المتكافئة؟ هل تجلب مثل هذه الحالات أيّ درجة من السّعادة؟ ثمّ ما هو تعريف السّعادة؟ أولا يشعر المجرم الذي يقوم باغتصاب النّساء بدرجة من السّعادة فيما يقوم به؟ ولكن، هل هذه سعادة أم شقاء؟

السّعادة وتحقيق الذّات

يمكن النّظر إلى السّعادة من زاويتين: الأولى ذاتيّة والأخرى موضوعيّة. فالزّاوية الذّاتيّة هي إحساس المرء بأيّ نوع من الانتشاء والرّضا كيفما كان السّبب وراء ذلك، حتّى لو كان عملاً غير أخلاقي. أمّا الزّاوية الموضوعيّة فهي أن يكون الإحساس بالسّعادة ناجماً عن تحقيق الذّات. ولكن أين الموضوعيّة في تحقيق الذّات؟ فالمجرم الذي يقوم بعمل خسيس قد يشعر بأنّه حقّق ذاته فيما قام به! تكمن موضوعيّة تحقيق الذّات في الفعل البنّاء، غير الهدّام، ولا يمكن لفعل فيه أذى الآخرين أن يكون بنّاءً. هذا القول فيه اختزال كبير؛ ذلك لأنّ الفعل البنّاء نفسه يتجاذبه الذّاتي والموضوعي. فالفعل البنّاء قد يكون سلوكاً نفسيّاً غير مرئي، وقد يكون سلوكاً خارجيّاً يمكن لمسه؛ كما يمكن أن يكون فرديّاً أو جماعيّاً. فالإخلاص والتّفاني في المهنة من قبل ربّ/ـة أسرة، وتربيّة الأبناء بحيث يصبحون مواطنين مفيدين لأسرتهم ولمجتمعهم، ثمّ للبشريّة جمعاء، قد يكون فيه تحقيق ذات ما بعده تحقيق. هذا بينما يكون النّهوض بالأمّة وبلوغ مراميها في الحرّيّة والعدل والسّلام، ثمّ في الرّفاهيّة، قد يكون تحقيقاً للذّات ما بعده تحقيق. ولكن، أولا يفضي الأوّل، أو ينبغي أن يُفضي، إلى الثّاني؟ فكلاهما يعملان من أجل إنتاج الحياة؛ الأوّل على المستوى الذّاتي، والآخر على المستوى الموضوعي. فوفق منهج التّحليل الثّقافي، ليست حياة الأفراد إلاّ مدخلات حياة الجماعات؛ وما الهدف من جميع هذا إلاّ تحقيق الذّات على المستوى الفردي الذي سيفضي بالضّرورة إلى تحقيق الذّات على المستوى الجمعي، في عمليّة معقّدة مرتبطة بتداول وإنتاج السّلطة. ولهذا يمكن النّظر إلى السّعادة، بوصفها ناجمة عن تحقيق الذّات، من زاوية الفرد كما من زاوية المجتمع. فالسّعادة التي يحقّقها الفرد ليست سوى سعادة بسيطة؛ هذا بينما السّعادة التي يحقّقها المجتمع عبارة عن سعادة مركّبة ـ هذا حتّى لو استضمنت في داخلها شقاءً ذاتيّاً لبعض الأفراد، أو القطاعات حتّى.

في تناولنا للعلاقات النّوعيّة أدناه، سوف نرصد العديد من المؤسّسات الاجتماعيّة الثّقافيّة، مثل الحبّ، الزّواج، الجنس، إلخ، لنرى إلى أيّ مدى يمكنها أن تحقّق السّعادة لأهلها، أكان ذلك على المستوى الشّخصي، البسيط، أم على المستوى المجتمعي، المركّب. فالموضوع في جملته يعمل على اختبار الحالة الاجتماعيّة، الاقتصاديّة، السّياسيّة، والدّينيّة، أي الثّقافيّة بمفهوم منهج التّحليل الثّقافي، بالنّظر إلى علاقتها في صنع الحياة وإنتاجها بما يحقّ الذّات، ويجلب السّعادة.

اختلال العلاقات النّوعيّة في السّودان الإسلاموعروبي

في السّودان، من الصّعب أن يُشير المرء إلى سياق ثقافي بعينه بوصفه لازماً للجميع. فالسّودان متعدّد الثّقافات والإثنيّات، متعدّد الدّيانات والمعتقدات. إلاّ أنّ هناك ثقافة قياسيّة على ضوء التّواؤم معها والانسجام يُحكم على المرء إن سلباً أو إيجاباً. هذه هي الثّقافة العربيّة الإسلاميّة المسيطرة على وسط السّودان المستعرب. وهي نفسها الثّقافة التي ولّدت لنا الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، عصب الدّولة السّودانيّة خلال الخمسة قرون الماضية. عليه، تعتبر هذه الثّقافة حديثة ووافدة على السّودان باعتبار أنّ خمسة قرون ليست بالشّيء الخطير في عمر الشّعوب؛ فقد سلخ العرب مثلها في الأندلس وهم في أوج مجدهم وحضارتهم، ثمّ بارحوها وكأن لم يكن شيء. على هذا، يفترض في حرائك هذه الثّقافة أن تعمل بحيث تجترح لنا الحداثة عبر صيغة تجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ وبالتّالي تصلح هذه الثّقافة كمقياس لحالة التّقليديّة والأصالة والحداثة بدالّة اعتلاقها بمؤسّسة الدّولة. وهذا ما يجعلنا نقوم باستعراض إشكاليّة النّموّ العاطفي في هذه الثّقافة فيما يتعلّق بمسألة الحبّ والجنس والزّواج، في سياق تأرجحها بين التّقليديّة والحداثة. ومعلوم أنّ الحبّ (وما قد يتبعه من سلوك جنسي أو زواج) لا ينهض في الفراغ، بل لا بدّ له من فضاء ثقافي. ذلك أنّ الحبّ يحتاج إلى نموّ عاطفي Emotional Development به يتمكّن الإنسان (ذكراً كان أم أنثى) من مقاربة الآخر بطريقة بنّاءة من شأنها أن تحقّق الذّات وتجلب السّعادة. يبدأ النّموّ العاطفي في مرحلة مبكّرة من عمر الإنسان لا تتعدّى السّنتين الأوائل، فيها تتشكّل جرثومة وعيه بنفسه، وبالتّالي وعيه بالمحيط الذي يعيش فيه بما في ذلك الآخرين. على هذا، لا يتبلور النّموّ العاطفي إلاّ في سياق اجتماعي، أي ثقافي.

قام المجتمع المستعرب بوسط السّودان النّيلي على فصل تامّ بين الجنسين بوصفه مجتمعاً ذكوريّاً متشدّداً تسيطر عليه قيم العيب والعار. فالولد عليه أن ينضمّ إلى معسكر الرّجال منذ أن يبلغ الخامسة، فيقوم بخدمة الرّجال الكبار الذين عادةً ما يجتمعون في تعريشة خارج المنزل، أو في المسيد الذي يبنى بالقرب من المنازل. يقوم الالتزام القيمي الذي يضبط سلوك الولد على أخذه بالشّدّة في كلّ شيء، إن زجراً أو ضرباً، متى ما خالف قواعد السّلوك العامّة في مجتمع ذكوري. كما يكون هذا هو الحال عند اختلافه إلى الخلوة مع باقي الصّبيان. والعيب كلّ العيب هنا أن يظهر أيّاً من مظاهر اللين أو الرّقّة. وفي بعض الحالات يشتطّ الموقف ليشمل الانشغال بالعلم والدّين بما في ذلك قراءة القرآن والجلوس للدّرس والتّحنّث. فقد هجت أمٌّ (اسمها شُغْبة، وكانت شاعرة متفرسنة) ولدَها (اسمه حسين) كان يقضي وقته في الخلوة يقرأ في اللوح ويدرّس، فقالت فيه:

يا حسين أنا ما امك وانت ماك ولدي

بطنك كرّشت غي البنات ناسي [ناسيه]

دقنك حمّست، جلدك خرِش ما في [ما فيه]

لاك مضروب بسيفاً نكمّد في [فيه]

***

متين يا حسين أشوف لوحك معلّق

لا حسين كتّفوا [كتّفوه]، لا حسين مفلّق

قاعد للزكي [للزّكاة] ولقط المحلّق

فهي هنا تعيّره بارتخاء بطنه، كنايةً عن إدامة الجلوس، كما تشير إلى أنّه قد طوى صفحاً عن غواية البنات، وأنّ ملمس جلده قد أصبح ناعماً، لا خدش فيه. بعد هذا تتمنّى أن ترى لوح قرآنه قد تمّ تعليقه على جدار الحائط، كنايةً عن الانصراف عنه، ناعيةً عليه أنّها لم يطرق سمعها خبر من قبيل أنّ حسيناً قد وقع في الأسر، أو قد أصيب في رأسه (مُفَلَّق)، وكيف يحدث هذا وهو لا شغل له غير أن يتعيّش على ما ينفحه له النّاس من صدقات (الزّكاة). وهكذا ظلّت والدته تستفزّه حتّى هاجت نخوته، فقذف بالدواة واللوح، واعتلى ظهر الفرس والسّيف في يد والمجنُّ في الأخرى، ففرحت والدته وأنشدت:

جدعنا اللوح كسرناكِ يا دواية

وهّط سرجُه فوق فرس الجنايا

حديس [حديث] الموت ولا لَغَوْة [لغة] القِراية

أمّا إذا جئنا إلى البنت، فنجدها في وضع جدّ مختلف. فهناك تفريق كبير بين البنت الحرّة من جانب، وتلك الخاضعة للرّقّ من جانب آخر؛ كما هناك فرق بين البنت المنتمية للمجموعات المستعربة من جانب، وتلك المنتمية إلى المجموعات الأفريقيّة من جانب آخر. ولا يذهبنّ الظّنّ في قولها “غيّ البنات”، أنّ المعني هنا بنات القبيلة، أو باستخدام الأسلوب السّوداني المستعرب “بنات القبائل”، أي بنات النّاس، بما يعني بنات الأسر المستعربة، أي الشّريفة. ففي تلك الثّقافة، يجوز للولد، متى ما بلغ، أن يعبث مع من شاء من البنات المنتميات إلى القبائل الأفريقيّة بعامّةٍ، والبنات اللائي ينتمين إلى مؤسّسة الرّق بخاصّةٍ، وهؤلاء لا شكّ ينتمين إلى الفئة الأولى. في تربية البنت في المجموعات المستعربة، تتمّ مراعاة أن تكون زوجة وسيّدة بيت، بالإضافة إلى تحميس رجالات القبيلة في الحروب. فإذا مات أخوها أو أبوها، أنشدت غناءً وشعراً مشبوباً بالحبّ والحسرة والفخر في رثائهما. بخلاف ذلك لا يحقّ لها أن تصدح عقيرتُها بالغناء طرباً عامّاً أم عشقاً، فهو عيب لا ينبغي أن يأتي به أبناء وبنات القبائل الشّريفة (تُقرأ المستعربة)؛ فالغناء كان للعبيد يقومون به في حضرة أسيادهم. ولهذا كان كلّ من يصدح مشبّباً بالغناء العاطفيّ، رجلاً كان أم امرأةً (غالباً رجال)، يُنبذ من القبيلة ويُطلق عليهم “الصُّيّاع” منذ عهد دولة الفونج إلى بدايات القرن العشرين (لمزيد من التّفاصيل، انظر محمد جلال هاشم، 9/9/2009م: www.mjhashim.blogspot.com). فيما بعد القرن التّاسع عشر، اندثرت ظاهرة شعر الحماسة الأنثويّ بانتهاء عصر حروب القبائل، حتّى إذا انتصف القرن العشرين بلغ الأمر أن أصبح الفنّانون الرّجال يتغنّون بهذه الأغاني الحماسيّة التّراثيّة، فيرقص عليها الفتيان والفتيات لما فيها من شعر وإيقاعات حماسيّة، فضلاً عن بقايا survival لتلك الثّقافة الآبدة التي لا تزال راكزة في وعيهم الجمعي.

لهذا لم يكن من الممكن لأيّ فتاةٍ أن تسمح لأيّ فتىً من القبيلة بمغازلتها أو إغوائها، بنفس المستوى الذي لم يكن يجرؤ معه الفتى على الإتيان بهذا السّلوك المشين. انظر إلى ما قالته بنونة بنت المك نِمِر (ملك الجعليّين الذي قتل إسماعيل باشا حرقاً بالنّار في عام 1821م) في رثاء أخيها عليّ المك، ذلك الفارس المغوار الذي شاء له سوء الطّالع أن توافيه المنيّة على فراش المرض، لا في حلبات الوغى:

ماهو الفافنوس [المايع] ماهو الغليد [السّميك] البوص

ود المك عريس خيلاً بِجَن عركوس

أَحَّيَّ عليه سيفه البِحِد الروس [يقطع الرّؤوس]

***

ما دايرالك [لا أريد لك] المِيتة أُم رماداً شَح

دايراك يوم لُقا بدميك [بدمك] تِتوشّح

الميِّت مُسولب [مستلب] والعجاج يكتح

أَحَّيَّ عليه سيفه البِسوِّي [يفعل] التّح

***

إن وَرَدَنْ [الخيل] بِجيك [يأتيك] في أوّل الواردات

مَرْناً مو نشيط إنْ قبّلن شاردات

أسد بيشة المُكَرْمِد [متحفّز] قمزاته [أكتافه] متطابقات

وبِرضَع [يرضع] في ضرايع العُنّز الفاردات

***

كوفيتك الخودة [الخوذة] أم عصاً بولاد [فولاذ]

ودِرعك في ام لهيب [الحرب] زيّ الشّمس وقّاد

وسيفك من سِقايْتُه استعجب الحدّاد

وقارحك [جروح الحرب] غير شِكال ما بقربه الشدّاد

***

يا جُرعة عَقود السِّم [السُّمّ]

يا مُقْنِع [حال كشفهنّ لرؤوسهنّ من العار] بنات جعل العُزاز ]العزيزات] من جَمْ ]أجمعين]

الخيل عَرْكَسَنْ [تواثبت] ما قال عِدادِهْنْ كم

فَرتاق [مفرِّق] حافلِهْنْ [جمعهم] ملاّي سُروجِهْنْ دم

هذه هي الخلفيّة الثّقافيّة للعلاقة بين الجنسين في وسط السّودان النّيلي المستعرب؛ لا مجال فيها لأيّ عواطف رقيقة من جانب الرّجال أوّ النّساء. ولهذا كانت صفقات الزّواج تتمّ بتدبير الآباء والأمّهات بأن يقوم الولد بالزّواج من بنت عمّه وفق القاعدة التي تقتضي بأن يغطّي الولد ماعونه، أي أن يقوم بتغطية ثغرة العار في عائلته ممثّلة في بنت عمّه حتّى يقوم ابن عمّه بنفس الدّور إزاء شقيقته. كلّ هذا في إطار ميثاق اجتماعي صارم للشّرف والأخلاق، ثمّ للفحولة والرّجولة الطّاغية مقابل الأنوثة المطياعة، الليّنة، الرّقيقة، مع القدرة على لعب الأدوار المسترجلة، المستفرسة، في حال وقع ما يمكن أن يجلب العار. حتّى في المجالات الجماليّة كالغناء، كان يتوجّب على الفتيان أن يظهروا رجولتهم وعدم جزعهم بأن يصطفّوا ليتبادلوا جلد بعضهم البعض بالسّياط بمنتهى القسوة والجدّيّة، وسط بهجة وزغاريد النّساء والحسان، بينما تغنّي مجموعة من النّساء الرّقيق، والعريس يهزّ بسوطه فوق الرّؤوس.

تعرّضت هذه الثّقافة إلى اهتزاز وزعزعة كبيرة جرّاء الانتقال النّسبي من تقليديّتها إلى الحداثة غير الرّاشدة التي اجترحتها طبقة الأفنديّة. مع بداية القرن العشرين، تبلورت طبقة الأفنديّة، فتمكّنت من تحرير نفسها من حنبليّة هذه الثّقافة المتزمّتة مع التّمسّك النّظري بمجمل تأسيساتها الأخلاقيّة السّلوكيّة، أي دون تنظير يبرّر تأرجحهم بين بين. عند هذا حدث شرخ في بنيان هذه الثّقافة تمثّلت في الانفصال بين الرّيف من جانب والمدينة من جانب آخر. فقد حافظ الرّيف كعادته على مجمل هذه السّلوكيّات، في الوقت الذي تنصّلت المدينة من كلّ هذا بطريقة انهزاميّة. فإلى وقتها كانت المرأة في الرّيف تخرج إلى الحقل والرّعي، بل للاستحمام في النّيل، سواء بسواء مع الرّجل، إذ كان هناك ما يحكم العلاقة بينهما. بينما في المدينة، حُبست المرأة في البيت، لا تخرج منه حتّى لا تتعرّض للأذى بنابي الكلام أو بخائنة الأعين، إذ غاب ذلك القانون الذي يحكم العلاقة بين الجنسين في غابر تلك الثّقافة. لهذا كان عليها إذا خرجت أن تتحمّل تبعات ذلك الخروج من تحرّش لفظي وعمليّ بمثلما تتعرّض له بنات القبائل غير الشّريفة (تُقرأ الأفريقيّة غير المستعربة). في هذا السّياق، افتُتِحت بيوت الدّعارة الرّسميّة، فكان على الفتيان أن يؤمّوها، لا ينوبهم أيّ تعيير. فالعار كلّ العار يكمن في أن يتحرّش ابن القبائل بأخرى من بنات القبائل. فالمرأة التي تسير في الشّارع هي مومس بالمظنّة ما لم تثبت عكس ذلك بالتّمنّع السّلبي، أي أن تمضي في سبيلها وكأنّ شيئاً لم يحدث، وربّما سُمح لها بإضفاء تعبير استنكاري صامت على وجهها. أمّا تلك التي تتصدّى للتّحرّش، فقد أثبتت أنّها بنت شوارع. ولا يجوز للمرأة أن تشتكي لاحقاً ممّا نابها من سلوك حتّى لو كانت تعرف الشّخص الذي قام بذلك؛ فالإجابة جاهزة: تستاهلي! لماذا خرجتِ في المقام الأوّل؟ ذلك لأنّ أباها أو شقيقها الذي يجبهُها بهذا القول هو نفسه ربّما كان يمارس التّحرّش متى واتته الفرصة، أو ينظر إليه على أنّه من لوازم حياة الشّارع الذّكوريّة. وهكذا، مع مرور الأيّام، تطوّرت أوضاع المرأة في السّودان وتوسّعت في تعليمها، في ظلّ ثقافة شارع غير صديقة لها بالمرّة، كونها تقوم على سلوك انحباس المرأة في بيتها إذا كانت لا تريد الأذى. وقد أفضى هذا الوضع المتحيّز ضدّ المرأة إلى تفشّي ثقافة التّطلّع في المرأة، أيّ مرأة، والتّمنظر فيها (بجعلها منظراً يستحقّ أن يتملاّه النّاس في الشّارع)، حيث يسمّر السّابلةُ عيونهم على المرأة، يتفرّسون في جسمها وتقاطيعه بنهم وشبق، تكريساً لإحساسهم بأنّهم ذكور مستعدّون للمجامعة، فقط لو مكّنتهم المرأةُ من نفسها (لاحظ لغة “تمكّنهم من نفسها”). وهذا سلوك منحطّ سوف يبلغ السّودانيّون الخاضعون للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة فيه الغاية بانعطافة القرن الحادي والعشرين.

المرأةُ وقوّة الضّعف

مع نهاية القرن العشرين، انتهى الوضع في السّودان النّيلي بثقافة ذكوريّة مؤدّاها استعداد فطري عند الرّجل لاهتبال أيّ فرصة تواتيه لإقامة علاقة مع المرأة، عابرةً كانت أم مستقرّة كالزّواج. فمع ازدياد تعليم المرأة، ومع الزّيادة النّسبيّة في عدد النّساء في مختلف مرافق العمل، اصطحب الرّجال معهم ذات السّلوك الذي جُبلوا عليه. فالرّجل يُظهر ما في جُعبته من أدب وتهذيب إزاء المرأة لا عن أصالةٍ، بل بسبب أنّ المرأة، أو البنت، المعنيّة مهذّبة ولها أخلاق و”بنت ناس”. ولذا، إذا ما بدر من هذه المرأة، أو البنت، ما ينبي عن غير ذلك، فليس على الرّجل من حرجٍ في أن يقيم معها أيّ نوع من العلاقة يسمح به الوضع. وبالتّالي أصبح لدى أيّ بنت مهدّدة بالعنوسة خيار مضمون في الظّفر بزوج، حتّى لو كان متزوّجاً؛ كلّ ما عليها أن تفعله هو التّحلّي بالجسارة في إرسال نظرات موحية للرّجل ــــ مطلق رجل سوداني ــــ بها ترمقه بين الحين والحين، بانكسار وضعف، ثمّ بقليل من الخوف والخشية. فإن هي إلاّ مسألة وقت، فيصيب الرّجل ما يصيبه من جنون العظمة الدّونجوانيّة، فيُقبل عليها، مخترقاً الحواجز، منساقاً بغريزته كما ينساق الذّئبَ، لا يُخطئ الهدف ولا يضيّع في ذلك وقتاً: إنّه يريد أن يتلهّى بها باتّخاذها عشيقةً له؛ ولم لا، وقد كانت هي البادئة، والبادئ أظلم. فإذا كانت المرأة، أو البنت، بدرجة من الأهليّة التي نُسبت إلى أخوات يوسف، فتأرجحت ما بين التّمنّع المشبوب بالخوف والخجل، وما بين الرّغبة المكبوتة، شافعةً هذا برجاء طفولي بريئ في حبّ صادق (ولات حينة صدق!)، وقع الرّجل الصّيّاد في ذات شباكه التي نصبها، وتحوّل الصّيّاد إلى طريدة فيقع في المصيدة، وينتهى الأمر بالزّواج، ولو كان بالسّرّ ريثما يطفو إلى العلن لا محالة؛ فالبنت الصّيّادة هي أوّل من يُفشي سرّ الزّواج السّريّ، إذ ماذا يفيدها كتمان نصرها المؤزّر على الرّجل أوّلاً، ثمّ على زوجته الأولى (ربّة المنزل) ثانياً.

تجلّت هذه الحيل الدّراميّة المتعلّقة بالزّواج واعتلال العلاقات النّوعيّة على مسرح السّلطة في السّودان. ففي أخريات تسعينات القرن العشرين وبدايات الألفيّة الثّانية شاعت بين الإخوان المسلمين القابضين بالحكم في السّودان ظاهرة تعدّد الزّوجات مثنّىً وثلاث ورباع، ثم بالتّخميس والتّسديس باتّباع تكتيك التّطليق. نظر الكثير من المراقبين إلى هذه الظّاهرة على أنّها من دلايل البطر بالحكم، وهذا صحيح ما في ذلك شكّ. لكن، كان هناك عامل آخر ربّما لم يلحظوه وهو ما كتبنا عنه أعلاه. فهؤلاء الإخوان المسلمون صدروا من ثقافة دينيّة متزمّتة، حنبليّة التّقشّف، لا يخشون شيئاً كما يخشون المرأة، فهي في نظرهم إبليس بنفسه يمشي على الأرض. ولكن، في رحلة إعادة تأهيلهم الاجتماعي الذي خضعوا له عبر الطّريق الصّعبة المتمثّلة في حكم أناسٍ لا يوافقونهم ما يؤمنون به، برزوا وهم في أجهل حالاتهم بالمرأة وأوضاع الهشاشة vulnerability التي نشأت فيها، وبالتّالي ما يمكن أن تفعله للتّعويض عن هذه الهشاشة. وهو واقع يُلجؤها إلى أن تتّبع الحيلة بمثل ما يفعل الضّبع العجوز عندما يفقد قوّته الجسمانيّة وأنيابه، فلا يصطاد إلاّ بالحيلة كالثّعلب. فالملاحظ أنّ أغلب الزّيجات الإخوانيّة تمّت مع السّكرتيرات، أي مع أوّل امرأة صادفها المسئول الحكومي.

نجم عن هذا الوضع غير المتوازن، القائم على التّحايل والمراوغة، ازدياد معاناة المرأة، خاصّةً بعد الزّواج وإنجاب الأطفال. فالرّجل (الطّفل البالغ) يمكن اصطياده بسهولة، لكن يصعب ترويضه، إن لم يكن ذلك مستحيلاً. فالرّجل تنجاب عنه سُدَف الغفلة بمجرّد أن يقع في الفخّ؛ كما إنّ اللعبة لا تنتهي بنهاية هذه الجولة مع هذه المرأة بالتّحديد، فهناك نساء أخريات في الخطّ، وليس “أشطر” من المرأة في قراءة أفكار الرّجال من هذا النّوع. لكلّ هذا تدخل المرأة في حياة الرّجل، تكتنفها المخاوف من حالة عدم الاستقرار التي تبدو ظاهرة، جليّة، عليه بحكم كونه رجلاً. ويكون الدّين أحد أقوى الأسلحة التي تتقوّى بها المرأة في سبيل ضبط وكبح جماح الفحولة والذّكورة في الرّجل بما يجعله يقنع بعيشةٍ هادئة في كنف أسرتها الصّغيرة التي تسعى لتأسيسها بكلّ ما ملكت. فالرّجل الذي يشرب الخمر يشكّل وضعه هذا تهديداً مباشرةً، كونها غير قادرة على السّيطرة على مجالس الشّراب، خاصّةً وأنّ هذه المجالس كانت في امتداداتها التّاريخيّة عامرة بالمومسات والعاهرات. وكذلك الرّجل الذي يلعب الورق، فهذا يمكن أن يؤدّي إلى موائد الميسر الخضراء، وهذه أيضاً ذات تاريخ مشتبك مع المومسات والعاهرات. وكذلك الوضع مع الرّجل الذي لا همّ له غير الرّياضة، أو ذلك المشتغل بالهمّ العام … إلخ. بجانب كلّ هذا، تأمل المرأة في أن تحقّق عبر زيجتها هذه عدداً كبيراً من المشاريع التي بدونها لا يمكن لها أن تزعم بأنّ لها بيتاً. من ذلك أن يكون لها بيت مملوك لأسرتها (حتّى لو كان باسم زوجها، بينما المنى، كلّ المنى، أن يكون مسجّلاً باسمها). هذا بجانب الأثاث والفرش والرّياش، دع عنك لوازم الرّفاهيّة من عربة، ويا حبّذا لو كانت عربتين، واحدة لها وأخرى لزوجها. ثمّ أكبر عدد من الخدم والحشم … إلخ ممّا عُرف عن طبقة الأفنديّة في تنافساتها على سقط المتاع. ثمّ أوّلاً وأخيراً المال الكافي لتنشئة الأطفال بأفضل سبيل، كما لو كانوا أبناء طبقة أرستقراطيّة … إلخ. عليه، تدخل المرأة إلى مؤسّسة الزّواج ولا همّ لها غير تدبير الكيفيّة النّاجعة لإدارة زوجها بحيث تحافظ على بيتها وعليه هو نفسه باعتباره حجر الرّحى وعمدة البيت.

من جانبه يأتي الرّجل إلى الحياة الزّوجيّة وهو منتفخ الأوداج، منفوش الرّيش كالدّيك، تصحبه خُيلاء حفل العرس واحتفاء الجميع به. وهو في هذا يكون مطمئنّاً لمكانته كونه ينطلق من إرث ثابت في المكانة بحكم أنّه رجل. فهو يعلم في قرارة نفسه أنّ الكلمة الأولى والأخيرة سوف تكون له، وأنّه سوف يتحلّل ويتحرّر قليلاً قليلاً من رِبقة مرحلة الخطوبة والالتزامات التي أوقعها على نفسه إزاء سلوكه قبل مرحلة الزّواج. وفي غالب الأحايين لا يكون الرّجل واعياً بهذا السّلوك الذي تدلّ عليه جميع امتيازاته الذّكوريّة الموروثة. هذا في أحسن الأحوال، أي في حال كان قد ألزم نفسه بالحداثة من حيث التّعلّق بالفتاة والوقوع في حبّها، ومن ثمّ ربط نجاحه في مستقبله كلّه بالزّواج منها كخطوة لازمة لإنفاذ جميع طموحاته. أمّا في حال أن يكون الرّجل منتمياً إلى الفئة التّقليديّة ولا يهمّه من البنت غير أخلاقها، على غرار “تغلبك بالعيال وتغلبها بالمال”، كأن تختارها له أخته أو أمّه، فهذا وضع يختلف عن الذي نحن بصدده. هذا ولو كان أغلب الحداثويّين إنّما يستبطنون هذا الواقع دون أن يعلموا به، إذ وهِموا الحداثة.

خطّة إدخال البرميل في الجردل

هناك عدّة عوامل موضوعيّة تلعب دوراً أساسيّاً في أن تنجح الزّوجة أو لا تنجح في ضبط حركة زوجها. أهمّ هذه العوامل هو تباين الأبعاد الاجتماعيّة social dimensions لكليهما. فالرّجل غالباً ما يكون دائريّ الأبعاد، واسعها ومتعدّدها، بينما المرأة، بحكم التّنشئة التّقليديّة، تكون خطّيّة الأبعاد، ضيّقها وأحاديّها. فالرّجل منذ تنشئته كولد وصبي شاب يكون حرّاً بنسبة عالية في أن يرتاد العديد من المجالات، من معارف، ولعب بالكرة من حيّ إلى حيّ آخر، ثمّ الذّهاب إلى النّهر للاستحمام أو أيّ منشط شبابي آخر. فالولد، منذ أن تصبح الشّمس، قد يخرج من المنزل فلا يعود إلاّ بعد المغيب. وبما أنّ جميع هذا يدور في سياق المجتمع الذّكوري، تتفتّح أمام الولد آفاق غير متاحة لرصيفته البنت، مثل حلم أن يقود لجنة النّادي بالحيّ، وربّما يقود البلاد لاحقاً. وكلّما كبُر، انداحت هذه الأبعاد الدّائريّة لتنفتح أمامه آفاق أكبر وأوسع. يخلص الولد من هذه الخبرات بقدرات فكرانيّة intellectual capacities كبيرة نسبيّاً، واتته ضربة لازمٍ by default لمجرّد كونه ولداً ذكيّاً وطموحاً. من جانبها تنشأ البنت وهي في غالب حالاتها محرومة من هذه الخصيصة الدّئريّة لأبعادها الاجتماعيّة، وبالتّالي تجد نفسها تناضل في عدّة جبهات: لتقوم بواجباتها المنزليّة كبنت، لتقوم بواجباتها المنزليّة كطالبة، لتهتمّ بنفسها كفتاة من حيث الملبس والمظهر مهما كانت ظروف أسرتها المادّيّة، لتهتمّ بما يكفي لتوسيع مداركها كشابّة طموحة ولكن دونما أيّ خبرة عمليّة. وبما أنّها غالباً ما تكون حبيسة المنزل إلاّ إذا كان هناك ما يبرّر خروجها، فإنّها تنشأ وقد تكرّس فيها إحساسها بالهشاشة vunerability لمجرّد كونها بنتاً. وحتّى في حال خروجها، إلى الجامعة مثلاً، لا تفارقها حالة الانحباس، كونها تعيش تحت مراقبة دائمة (ثقافة التّطلّع والتّمنظر). لكلّ هذا تنتهي البنت عادةً بأبعاد اجتماعيّة أضيق من تلك التي يتمتّع بها الرّجل.

بمجرّد الزّواج، تنشب مشكلة حقيقيّة ناجمة عن خطط الزّوجة في ضبط حركة الزّوج، سببُها صعوبة، بل ربّما استحالة حشر شخصيّة صاحب الأبعاد الدّائريّة المتعدّدة داخل شخصيّة صاحبة الأبعاد الخطّيّة الأحاديّة. فأنت يمكنك أن تُدخل الجردل داخل البرميل، لكنّك لن تستطيع أن تفعل العكس إلاّ بإعادة تشكيل البرميل بحيث لا يصبح برميلاً، أي بمسخه. وليس أكثر من أن يلتقي المرء بصديق قديم بعد زواجه بمدّة ليكتشف أنّ ذلك الصّديق الجميل لم يعد له وجود في هذه الدّنيا؛ وربّما تقرأ نظرات الحرج في عينيه إذ تكون على إدراك بما يجول في ذهن صديقك. وهذه حالة أفضل، إذ لا يزال يتذكّر بهاء شخصيّته القديمة. ففي بعض الأحيان يكون الزّوج قد تمّ مسخه، أو إعادة تشكيله، إلى درجة أنّه يشعر بالعزوف عن ملاقاة أصحاب الأمس إذ لا غرض له فيهم ــــ دعك من الذي قد لا يتذكّرهم. وليس “أشطر” من المرأة في لعب هذه الأدوار بحسبما ذهبنا إليه في تحليلنا لإنسان أمدرمان (الفصل السّادس). ولكن، ما إن يبدأ الرّجل في مقاومة مشروع إعادة التّشكيل (أو التّجميل بحسب رؤية المرأة)، حتّى تنشب المشاكل وتتفاقم باضطراد إلى أن تصل إلى الطّلاق في أحسن الأحوال، إذ ليس أتعس من سقف بيت تدور في صحنه هذه المعركة، بخاصّةٍ إذا كان هناك أطفال، وهو واقع الحال في أغلب الأحيان. فالصّراع الذي يدور عادةً بين الرّجل والمرأة المتزوّجين بحيث يتمّ تمليس مواضع الاحتكاك بينهما تعتبر واحدة من أقسى وأصعب أوضاع الصّراع حول السّلطة في تاريخ الأسرة والبشريّة.

ما إن انسلخ العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين حتّى بدا واضحاً للعيان في السّودان النّيلي انتشار حالات الطّلاق في الزّيجات الحديثة. وقد استشرت هذه الحالات حتّى أصبحت أشبه بظاهرة. فالشّباب من الجنسين يبدو كم لو لم يكن مستعدّاً نفسيّاً واجتماعيّاً، ثمّ اقتصاديّاً، لمسئوليّات الزّواج. وقد فاقم من هذه المشكلة أنّهم بقدر ما كانوا متعجّلين للزّواج بقدر ما كانوا متعجّلين أيضاً للإنجاب. فما إن يقع الطّلاق حتّى يطلّ وجه طفل برئ من بين ثنايا المشكلة ليزيدها تعقيداً على تعقيد. وقد لعب النّظام الحاكم دوراً سلبيّاً عندما زيّنت له عقليّته الدّينيّة في أنّ خير ما يفعله للشّباب هو توريطهم في زيجات جماعيّة دون أن يرد في ذهنه أنّ بقاء الولد والبنت منفصلين في حالة عدم زواج أفضل من أن يبقيا منفصلين في حالة طلاق، بخاصّةٍ إذا كان بينهما طفل. كما لم يرد في ذهن الحاكمين أنّ دفع تكاليف الزّواج شيء، والمقدرة على تدبير نفقات الحياة الزّوجيّة شيء آخر تماماً. على أيٍّ، برزت ظاهرة الطلاقات بين الشّباب حديثي الزّواج بنفس القدر بين المتزوّجين من جيل منتصف التّسعينات وربّما المتزوّجين منذ الثّمانينات. باختصار يمكن الزّعم بأنّ مؤسّسة الزّواج لم تعد قادرة على أن تمنح أهلها السّعادة ولا الاستقرار المنشودين فيها. في رأينا أنّ السّبب وراء هذا يعود لجملة أسباب لا مجال لشرحها وتعقّبها بالرّصد والتّحليل في هذا المجال. لكنّا سوف نقوم بتتبّع عامل بعينه نعتقد أنّ له دوراً كبيراً وغير منظور في اصطناع هذه المشكلة. هذا العامل هو اعتلال العلاقات النّوعيّة في مجتمع يتأرجح بين الحداثة والأصالة دون أن تثبت له قدم، وبالتّالي تتأثّر سلباً عمليّة النّضج العاطفي في الجنسين. وهذا ما سوف نحاول استجلاءه في هذا الفصل.

مجتزء من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان