عمر القراي لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ *  قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ)  صدق الله العظيم

ولم يقبل الأخوان المسلمون أن يبعدوا عن السلطة التي اضحت غايتهم ومعبودهم، فملأوا الدنيا صياحاً، وبكاء على الديمقراطية، والشرعية. وكانت حجتهم ان نظام مرسي جاء عن طريق الإنتحابات، ويجب ألا يذهب إلا عن طريق صناديق الأقتراع .. وأن ما حدث ضدهم هو انقلاب عسكري، قام به الجيش، لإعادة النظام السابق. وأوشكت أكاذيبهم ان تجوز على الكثيرين، داخل وخارج مصر، خاصة وان التنظيم العالمي للاخوان المسلمين، قد وجه اعضاؤه في كل مكان، لاشاعة هذه الإكذوبة .. والحقيقة ان الديمقراطية لا تعني ان الحاكم المنتخب، يمكن ان ان يرتكب أخطاء فادحة، في حق وطنه، ثم يترك حتى يتم مدته، رغم ما يفعله بشعبه. بل ان من أهم صور تطبيق الديمقراطية، مسألة سحب الثقة عن الحكومة، واسقاطها قبل نهاية مدتها .. وهذا العمل تقوم به في الأوضاع الطبيعية، مؤسسات الدولة، مثل السلطة التشريعية، ودعوة السلطة القضائية للاحتكام للدستور. ولكن النظام الحاكم، قد يخرب الأجهزة، ويقضي على حياديتها، بإبعاد معارضيه عنها، فلا تعترض عليه، وهذا ما فعله مرسي وجماعته، حين خربوا الدستور، واهانوا السلطة القضائية، ومنعوها بالقوة، من ممارسة عملها، كما اوضحنا في الجزء الاول من هذا المقال. وهو ما فعله نظام مبارك، طوال السنين الماضية، فلم يعد هنالك سبيل لوضع حد لعبثهم إلا بالشرعية الثورية، وهي خروج الشعب مطالباً بتنحي الرئيس، وهذا ما حدث في ثورة 25 يناير فاطاح بنظام مبارك، وهو نفسه ما حدث في 30 يونيو فاطاح بنظام مرسي .. فلماذا قبل الاخوان المسلمون الشرعية الثورية، حين اطاحت بمبارك، ورفضوها حين اطاحت بمرسي ؟! إن اعداد المصريين التي نزلت للشارع، تطالب مرسي بالرحيل في 30 يونيو، كانت أكثر بكثير من مجموع الذين شاركوا في الانتخابات، التي اتت به !! فلماذا قبل رأي الجماهير حين اختارته عن طريق الصندوق ليكون رئيساً، ورفض السماع لصوتها حين طلبت منه التنحي ؟! أما الجيش المصري، فإنه لم يفعل اكثر من الاستجابة لنداء الجماهير، وتحقيق رغبتها، والمحافظة على أمن مصر اثناء ذلك .

ما فعله الأخوان المسلمون بعد ابعاد مرسي، هو سقوطهم الحقيقي، لأنه سقوط في ميزان الدين والخلق. فقد إنقسم عملهم الى قسمين : اولاً: تحريك التنظيم العالمي للاخوان المسلمين، واعضاءهم بالخارج، للاتصال بأمريكا، وأوربا، والكذب عليهم، وتصوير ما يحدث، وكأنه اعتداء من الجيش، على جماعة مسكينة، مسالمة، جاءت عن طريق الديمقراطية، وأبعدت دون سبب، وتطارد الآن لتعتقل بلا ذنب جنته، وهذا الكذب، والتضليل، لا يبقي ديناً ولا يذر !! وثانياً : تصعيد العنف، والإرهاب، والمواجهة مع الجيش والشرطة، حتى يفلت النظام، ويتحول الوضع الى حرب اهلية، تستدعي تدخل من الامم المتحدة، والمجتمع الدولي، يرجع الوضع الى ما كان عليه وبذلك يعود مرسي كرئيس مرة أخرى !!

وكان أول مابدأوا به، بعد إبعاد مرسي، الإعتصام بميدان رابعة العدوية بمدينة نصر، وبميدان النهضة قرب حديقة الحيوان، بوسط القاهرة .. ولقد أعلنوا ان كلا الإعتصامين سلميين، وهما مثل إعتصام مخالفيهم في ميدان التحرير، وأن غرضهم من الاعتصام هوالمطالبة بالشرعية، وإعادة مرسي، ولكن نصبت في وسط ميدان رابعة، منصة عالية، بدأ الخطباء والزعماء يتبادلون فيها خطب الإثارة، والتحريض، والدعوة الى الجهاد، ووصف خصومهم من السياسيين والاعلاميين والفنانين، بالكفرة والمارقين، وإهدار دمهم، وتوزيع صور لاعلاميين وقد علقت على رقابهم حبال المشنقة، والهجوم على الجيش، وعلى الفريق السيسي، ولم يتورعوا في هذه الخطب، من الكذب، والتضليل للبسطاء، والمغرر بهم، وإيهامهم بأن الملائكة ستقاتل معهم .. بل روى احد اشياخهم أنه رأى في المنام محمد مرسي وهو يصلي إماماً بالنبي صلى الله عليه وسلم !! وفرحوا وهللوا لهذه الرؤية، ولو كانوا يعرفون الدين، لعرفوا ان هذه الرؤية الكاذبة، من دلالات سوء أدبهم، فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، تأخر يوماً عن الصلاة لمرضه، فتقدم أبوبكر الصديق رضي الله عنه فأمّ الناس، وحين رفع يديه بالتكبيرة شعر بقدوم النبي، ووقوفه خلفه، فرجع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: مكانك يا أبابكر !! ولكنه أصر على موقفه، وتقدم النبي وصلى بالناس، وبعد ان فرغ من الصلاة، قال له: ما منعك ان تصلي إذ قلت لك مكانك؟! فقال الصديق الاكبر : لأني علمت ان مكاني خلف رسول الله لا امامه !!

وكان يمكن للإعتصام لو كان سلمياً، ان يؤدي الى التفاوض مع الحكومة الانتقالية، وقد يسوق الى حلول سياسية للأزمة .. ولكن الاخوان المسلمين اضاعوا هذه الفرصة أيضاً، كما اضاعوا فرصة فوزهم في الانتخابات. وبدلاً من الإلتزام بالاعتصام السلمي الذي اعلنوه، شاهد سكان رابعة العدوية توابيت تحمل الى داخل المسجد، وكأنها موتى يريد المعتصمون برابعة ان يصلوا عليها، وقد احضرت بعضها بعربات اسعاف، ثم اكتشفوا ان هذه التوابيت، قد كانت الوسيلة التي احضر بها الأخوان المسلمون الاسلحة الى اعتصام رابعة !!

ولعل من أول المآخذ على اعتصام الاخوان المسلمين، بميدان رابعة، استغلالهم للنساء والأطفال فى المظاهرات، وتصديرهم لهم في المقدمة، والاحتماء بهم، مما يعد تخويفاً، وتعذيباً نفسياً، لأطفال لم تتجاوز أعمارهم 10 سنوات، من خلال ما أطلقوا عليه «مشروع شهيد»، حيث تم تزويد الأطفال باللافتات، وجعلهم يطوفون حول المنصة الرئيسية لاعتصام «رابعة العدوية»، مرددين هتافات: «كلنا مشروع شهيد» و«زى ما ترسى ترسى.. وإحنا معاك يا مرسى». وليس في الإسلام جهاد يقوم به الاطفال، بل ان الرجال إنما يقومون بالجهاد، لحماية الاطفال والنساء، من عدوان الآخرين !! وهذه الحقيقة لا تغيب عن الاخوان المسلمين، ولكنهم قصدوا بإيجاد الاطفال، ودفعهم للمقدمة الاحتماء بهم من بطش الشرطة، ثم تصوير المشهد للعالم الخارجي، على إنه اعتداء غير انساني، يستهدف النساء والاطفال.

ولقد رصد تقرير ميداني أعدة مركز ابن خلدون، تعذيب الإخوان لأعضاء التنظيم المنشقين، الذين ينبذون العنف؛ حيث أوضحت حركة «إخوان بلا عنف»، المنشقة عن تنظيم الإخوان، فى بيان لها بتاريخ 23 يوليو 2013م، أن أعضاء التنظيم احتجزوا 670 شاباً من شباب الحركة، بميدان رابعة، العدوية ومنعوهم من الخروج، لتمردهم، ورفضهم المشاركة فى أحداث العنف الأخيرة، وجرت معاملة المحتجزين معاملة غير آدمية، علاوة على جلد شباب منهم 100 جلدة لعدم تنفيذ الأوامر.

وتم رصد بعض التصريحات من قادة الاخوان بممارسة العنف، وتزامنها مع أحداث عنف وقعت بالفعل فى بعض محافظات مصر، ورصدت الفقرة الأولى من التقرير 1359 حالة تعذيب، واعتداء، وإصابات لبعض الضحايا، مما تسبب فى سقوط 73 قتيلا. كما ارتفعت حالات التعذيب حتى الموت من صفر فى الأسبوع الأول إلى 18 حالة فى الأسبوع الأخير. ومما وجد استنكاراً كبيراً وسط الشعب المصري، أحداث مكتب الإرشاد بالمقطم فى 30 يونيو الماضى، حيث تظاهر العديد من المواطنين أمام مكتب الإرشاد، للمطالبة برحيل نظام الإخوان، مرددين هتافات «يسقط يسقط حكم المرشد» و«عبدالناصر قالها زمان الإخوان مالهمش أمان»، مما أثار غضب الإخوان فأطلقوا الخرطوش، والرصاص الحى، من فوق سطح مكتب الإرشاد، وأسفرت النتائج عن مقتل 12 شخصا وإصابة 48 آخرين بينهم 10 حالات خطرة. وهكذا قتل الاخوان المسلمون العزل بالرصاص، دون رحمة، ليس غضباً لله ورسوله، وإنما غضباً لأنفسهم .. ولقد كان تحريض قيادات الاخوان للبسطاء هو ما أدى لهذه الجرائم البشعة فقد قال صفوت حجازى فى 18 يونيو الماضى عبر برنامج «الحدث المصرى» على قناة العربية إن «اللى عايز ينزل يوم 30 يونيو لا بد أن يتحمل المسئولية الكاملة لنزوله إذا كانت سلمية أو غير سلمية، واللى هيرش الرئيس مرسى بالميه سنرشه بالنار». كما كانت تصريحات المهندس عاصم عبدالماجد، فى خطابه 25 يونيو الماضى، خلال مؤتمر «الشريعة خط أحمر» بمدينة أسيوط، «أقول لمن يظنون أننا سننزل يوم 30 يونيو باستراتيجية دفاعية إننا سنأتى باستراتيجية هجومية بمائة ألف شخص، كل شخص فيهم يعادل ألف شخص تأييدا لمرسى». وذكر بعض المراقبون أن محمد مرسى هو من حرّض على قتل المواطنين بميدان النهضة، عن طريق خطاباته، التى احتوت على ألفاظ تحريضية، قبل عزله من منصبه، مما أدى إلى نزول أنصاره للميادين والشوارع لإحداث الفوضى فى البلاد، وتكدير السلم العام. ومن ضمن رسائل العنف، والتحريض، ما نشره وجدى غنيم، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعى «تويتر»، فى الأول من يوليو الماضى، قائلاً: «لن ينعم المصريون بالأمن ساعة واحدة ولا الجيش إذا سقطت الشرعية والرئيس المنتخب بإرادتهم، هذه المرة الأمر أكثر خطورة وضراوة وبيننا الأيام».

 وبالاضافة للاشتباكات، والاعتداء على  العزل من المواطنين، أتخذ الاخوان من اعتصام رابعة الذي نصبوا فيه الخيم، ووضعوا المتاريس، مكاناً لتعذيب خصومهم فقد جاء : في 12 يوليو اعتدى الاخوان المسلمون على مستور الجبالى، عضو التيار الشعبى، حين كان يحتفل بسقوط الرئيس مرسى، حيث اعترضه عدد من مؤيدى «مرسى»، واختطفوه، واصطحبوه إلى مقر الاعتصام برابعة العدوية، وتم ضربه، وتعذيبه، حتى الإغماء. وفي 13 يوليو شهد الحاج «فتحى» بتعذيبه على أيدى معتصمى رابعة العدوية، وأكدت شهادات من تم تعذيبهم أن الإخوان يحتفظون بأدوات التعذيب، وبعض أفراد الشرطة فى مسجد رابعة العدوية، كما فقد أحمد زليفة حياته نتيجة التعذيب على أيدى معتصمى رابعة العدوية.  

وفي  29 يوليو أعلنت المنصة الرئيسية، بميدان نهضة مصر عن انضمام عناصر من «السلفية الجهادية»، وتنظيم القاعدة، وحزب النور السلفى إلى الاعتصام، رافعين أعلام «القاعدة»، وبعد يومين أعلن الإخوان من منصة اعتصام رابعة العدوية تشكيل مجلس حرب والتهديد بعصيان مدنى كامل فى سيناء وترديد هتافات «لا سلمية بعد اليوم».( راجع تقرير مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية 1/8/2013م).

وبالاضافة لكل اعمال العنف، والتقتيل، والتعذيب، حاصر الاخوان بواسطة اعتصامهم سكان المنطقة في بيوتهم .. واقفلوا الطرق، واشتكى هؤلاء السكان المرعوبين، وطلبوا بالهاتف عبر القنوات التلفزونية، ان تتدخل الدولة لحمايتهم. ولقد صبرت الحكومة المصرية الانتقالية على هذا الاعتداء السافر على سيادة الدولة، وهذا الأذى البليغ الذي لحق بالمواطنين، حوالي ثلاثين يوماً، قبل ان تقوم بفض اعتصامي رابعة والنهضة في يوم الأربعاء 14/8/2013م. ولم يستغرق فض الاعتصامات وقتاً طويلاً، وحين فتحت الشرطة ممرات آمنة، ودعت المعتصمين للخروج خرج قادة الاخوان المسلمين، في الربع ساعة الاولى، وتنكر بعضهم في زي نساء منقبات، ونسوا خطبهم، التي ذكروا فيها انهم لن يغادروا الميدان إلا وهم شهداء، إذ لم يقبض على أي من القادة في رابعة، وتركوا الشبان الذين صوروا لهم الأمر على انه جهاد، يقاومون الشرطة، ويتعرضون للموت !! ثم جرى المجاهدون من ميدان رابعة، وتركوا ارتالاً من مختلف الأسلحة تم القبض عليها .. كما تم استلام عربة تابعة للتلفزيون، كانوا قد نهبوها، واحتفظوا بها، داخل اعتصام رابعة. ووجدت جثث لقتلى تحت المنصة، التي كان قادة الاخوان يعتلونها، ويخطبون منها، وهم يعلمون انهم يقفون فوق جثث، مواطنين مسلمين قاموا بتعذيبهم حتى الموت !! كما وجدت جثث داخل مسجد رابعة، بعد ان اشعل فيه الاخوان النار، فأحرقوه، اثناء فض الاعتصام حتى يخفوا تلك الجرائم المنكرة . لقد أعلن الاخوان مراراً، بأن اعتصامهم جهاد، وأفتى مرشدوهم للمعتصمين أن يفطروا في رمضان، فإن كان ذلك جهاداً، فإن نصيبهم منه، هو التولي يوم الزحف!! ولقد كان صفوت حجازي من قادتهم، وخطبائهم في رابعة، وكان يرفع صوته بالتهديد والوعيد، ويدعو لممارسة العنف، ولما تم القبض عليه، اقسم انه ليس عضواً في جماعة الاخوان المسلمين، وانه لو كان يعلم ان في اعتصام رابعة سكيناً لخرج منه !! ولقد رصد له الاعلام المصري خطبه الحماسية في رابعة، ومقابلة تلفزيونية قديمة، ذكر فيها انه انضم لتنظيم الاخوان المسلمين منذ ان كان في المرحلة الثانوية !!

ولما كان غرض الاخوان المسلمين الدنيا وليس الدين، لم يشغلهم اعتصامهم عن الملذات، فرغم ان الاعتصام لم يتجاوز الشهر، وكان معظمه في رمضان، فقد ذكر ان بعضهم سعوا لممارسة الجنس، فأفتى لهم قادتهم بما سمي ( نكاح الجهاد). فقد ذكرت هناء محمد، أمينة المرأة بحركة إخوان بلا عنف، إنه تم رصد عدة حالات من نكاح الجهاد باعتصامي النهضة ورابعة العدوية، حيث وصل العدد إلى 76 حالة نكاح جهاد باعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر – على حد قولها – أوضحت أمينة المرأة بحركة إخوان بلا عنف، في حوارها لبرنامج “على مدار الساعة” المذاع على فضائية ‘صدى البلد ” الأثنين 12/8/2013م، أنهم سيتقدمون ببلاغ بالأسماء للنائب العام لكشف حالات نكاح الجهاد باعتصامي رابعة والنهضة(قناة صدى البلد 12/8/2013م). وجاء أيضاً (قالت السفيرة ميرفت التلاوى، رئيس المجلس القومى للمرأة، إن ‘ما يحدث فى اعتصام رابعة العدوية الآن شىء مخل بالسلام الاجتماعى، وانتهاك للمرأة وكرامتها، مطالبة الداخلية بوقف التعدى على كرامة المرأة المصرية وأمن الأسرة. وأكدت التلاوى، خلال مؤتمر صحفى، أن هذا اعتداء سافر على هيبة القانون والإنسان المصرى، وليس المرأة فقط أو القانون المحلى فقط، وإنما القانون الدولى أيضا، حيث يتم اختطاف النساء من السيارات والطرق لإجبارهنّ على البقاء فى رابعة، وممارسة جهاد النكاح، وهذا أمر مرفوض تماما لأنه امتهان لكرامة المرأة ومصر على حد سواء ).                            (Arabic. Arabia MSN 1/8/2013

لقد قام مرسي منذ توليه الحكم باطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين السياسيين، من الجماعات الاسلامية المختلفة، وأبدى تقارب معهم، وتفرقت هذه الجماعات في انحاء القطر، ولكن مجموعات منها استقرت بسيناء. وكانت أول ثمار اطلاق سراح المتطرفين، مقتل 16 ضابط وجندي في سيناء في أغسطس 2012م، في هجوم مسلح على دورية عسكرية. وقام مرسي- الذي كان الرئيس آنذاك- بإقالة المشير حسين طنطاوي، وزير الدفاع، وسامي عنان رئيس هيئة الأركان، بعد ان حملهم مسؤولية هذه الجريمة، التي ارتكبها اسلاميون متطرفون، أطلق الاخوان المسلمون أيديهم .. وفي 16 مايو 2013م اختطف متطرفون في سيناء 7 جنود من قوات حرس الحدود، وظهر المخطوفين في شريط فيديو، وهم يطلبون من الرئيس مرسي لاستجابة لشروط الخاطفين، حتى لا يقتلونهم، ولقد ذكروا أنهم يطالبون باطلاق سراح معتقلين من جماعتهم، لم يتم الافراج عنهم بعد .. وجاء عن هذا الحادث (وكشفت مصادر مسؤولة أن عملية الاختطاف واحتجاز الجنود نفذها 20 عنصرا ينتمون إلى تنظيمات جهادية تكفيرية، للمطالبة بالإفراج عن 24 من المحكوم عليهم بالإعدام والمؤبد فى قضايا إرهابية بسيناء، وأن هذه العناصر تحتجز الجنود فى منطقة تقع على الطريق بين الشيخ زويد ورفح. وعلمت «المصرى اليوم» أن وزارة الداخلية دفعت 30 مدرعة وقوة مسلحة من العمليات الخاصة بالأمن المركزى إلى سيناء، استعداداً لتنفيذ عملية عسكرية كبرى بالتعاون مع القوات المسلحة لتصفية البؤر الإرهابية فى شمال سيناء، التى يتمركز بها 400 عنصر من الجهاديين التكفيريين، وقالت مصادر مطلعة إن القوات جاهزة لتنفيذ العملية خلال ساعات إذا صدرت لها الأوامر)(المصري اليوم 19/5/2013م). ولم تنفذ العملية العسكرية التي استعد لها الجيش، ولكن في 22/5/2013م اعلن متحدث باسم القوات المسلحة المصرية، ان الجنود السبعة المختطفين في سيناء، تم الإفراج عنهم، وأنهم في طريقهم الى القاهرة. ولم يعلن عن الصفقة التي تم بموجبها هذا الافراج، ولكن الشاهد هو ان الاخوان المسلمين، نجحوا لعلاقتهم بهذه الجماعات الإرهابية، ان يخلصوا المخطوفين، ويسجلوا نصراً لحكومة مرسي، ويرسلوا رسالة للغرب، مفادها أنهم وحدهم القادرون على السيطرة على الجماعات الارهابية .. وأنهم إذا لم يكونوا في سدة الحكم، فإن هذه الجماعات سيستطير شرها، ويهدد الاقليم بل والعالم اجمع . ولقد تصاعدت بالفعل هذه العمليات الارهابية بعدم اقصاء مرسي عن الحكم، مما يؤكد ان هذه الجماعات، أذرع لتنظيم الاخوان المسلمين .. وفي أثناء إعتصام رابعة، قال محمد البلتاجي، ونقل على شاشات التلفزيون (كل هذا الذي يحدث في سيناء رداً على هذا الانقلاب العسكري سيتوقف في ثانية في اللحظة التي يعلن فيها الفريق عبد الفتاح السيسي تراجعه عن الانقلاب) !! فالاخوان المسلمون هم الذين اثاروا العنف والتقتيل والترويع في سيناء، وهم الذين سيوقفونه إذا عادت لهم السلطة التي فقدوها بإرادة الشعب. وبعد فض اعتصام رابعة، وتصعيد العنف الانتقامي، من جانب الاخوان المسلمين قاموا في 19/8/2013م بايقاف مجموعة من 25 من الشباب المجندين حديثاً، وهم راجعين بعد ان سلموا عهدتهم، ولم يكن معهم سلاح ، وربطوا ايديهم وراء ظهورهم، وارقدوهم على وجهوهم على الأرض، ثم ضربوهم بالرصاص، فقتلوهم جميعاً !! ولقد هزت هذه الجريمة النكراء، ضمير الشعب المصري، وأثار حنقه على جماعة الاخوان المسلمين، واصبحت الجماعة، ولأول مرة في تاريخها، لا تقف ضد الحكومات، وإنما تقف ضد الشعب بمختلف طبقاته وتوجهاته. وبعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، مارس الاخوان المسلمون ابشع انواع العنف العشوائي، فحرقوا الكنائس، واعتدوا على مراكز الشرطة، وضربوا المواطنين العزل من فوق الكباري، ومآذن المساجد .. ودخلوا قسم شرطة كرداسة، فقتلوا العساكر، ومثلوا بجثثهم. واحتلوا مسجد الفتح برمسيس، وصعدوا فوق المئذنة، وامطروا الناس بالرصاص !! وكذلك فعلوا من أعلى عمارات مختلفة، في عدة شوارع، في عدة محافظات.

 كيف يبرر الاخوان المسلمون افعالهم هذه من الإسلام ؟! هل فعلوا كل ذلك حرصاً على بقائهم في السلطة أم حرصاً على الإسلام ؟! وهل كان مرسي يحكم بالشريعة في السنة التي قضاها في الرئاسة ؟! هل قام بقفل البارات والكبريهات في شارع الهرم ؟! هل منع الخمور واخذ الضرائب للدولة من ريعها ؟! هل قطع السارق ورجم الزاني ؟! فإذا كان مرسي لم يقم الشريعة، فلماذا يعني زواله مخالفة الاسلام ؟! ثم هل ما فعل الاخوان المسلمون من عنف، يمكن ان يعتبر جهاد في سبيل الله ؟! هل يمكن ان يكون قتل العزل، والتعذيب، ورمي الرصاص، عشوائياً، هو الجهاد؟!

لقد اسقط الشعب المصري الاخوان المسلمين، وكشف زيفهم وتضليلهم، ورفض مشروعهم الذي يقوم على الدولة الدينية السلفية، وهو يسعى الآن لوضع دستور، ليقيم عليه دولة مدنية وديمقراطية.. وهذا العمل أصعب بكثير من القضاء على الاخوان المسلمين، ذلك انه يواجه اشكالية كبيرة، وتحدي عظيم، لا يواجه مصر وحدها، وإنما يواجه الفكر الإسلامي من حيث هو. التحدي هو كيف يتم التوفيق، بين إقامة الدولة الحديثة، التي تقوم على مفاهيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمساواة التامة بين الرجال والنساء، وبين الحفاظ على عقيدة الأمة، في التمسك بدينها، وثقافتها الإسلامية، التي يبدو تناقضها مع هذه المفاهيم واضحاً. هذا المأزق لا يخرج منه مصر، بأن تعتمد على الإسلام الذي يقدمه الأزهر، أو من يسمون المسلمين المعتدلين، ممن يحاول المثقفون المصريون، الآن، اتخاذهم بديل عن الاخوان المسلمين، وذلك لأن كل هؤلاء لا يختلفون مع الاخوان المسلمين، في ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية .. والشريعة الإسلامية وإن كانت صالحة وحكيمة، كل الحكمة، حين طبقت في القرن السابع الميلادي، إلا أنها لا يمكن ان تحقق اليوم ما تنشده الشعوب، من الديمقراطية، والمساواة وحقوق الإنسان. وحين تقصر قوانين الشريعة عن قامة العصر، فإن الإسلام في جوهره، يفي بها تماماً.. ولهذا فإن واجب المفكرين المسلمين، هو ان يفصلوا قوانينهم من روح الإسلام، لا من شريعته، التي طبقت في القرن السابع الميلادي. إن على المثقفين المصريين، أن يصروا الآن على الدولة المدنية، ليس من منطلق الفكر العلماني، الرافض للدين، حتى لا يفلح الاخوان المسلمون، وغيرهم من المهووسين، في اقصائهم، وتضليل البسطاء المحبين للدين من عامة الشعب، ولكن من منطلق الإيمان العميق بالدين، دون ان يترددوا في القول بأن الشريعة الإسلامية، التي تفرض قتال غير المسلمين، وتضع الجزية على النصارى، وتقوم على نظام الخلافة، وتعطي المرأة حقوقاً منقوصة بإزاء الرجل، وتقبل الرق، وما ملكت أيمانكم، لن تصلح لتحكم المجتمع الحاضر، ولابد من الإجتهاد في أحكامها، بناء على ما جاء في أصل الإسلام. ولما كانت الإجتهادات كثيرة، والمفاهيم الدينية مختلفة، ومتباينة، فإن الواجب الآن هو ان يبعد الدين عن الحكم، وتقوم دولة مدنية، يكون من مهامها فتح المنابر الحرة، للحوار حول مختلف الاجتهادات الدينية، وغير الدينية، ليسود الفكر الصحيح، الذي يقنع الجماهير في نهاية المطاف. وهذا العمل في اقامة دولة مدنية، تهيئ المناخ لحوار فكري عميق، هو عمل في حقيقته منسجم مع جوهر الدين، لأنه السبيل الوحيد لإظهار الفهم الصحيح وسيادته.