فائز السليك  ( كل واحد فينا برقص بطريقتو،  أنا بهز وسطي وأنت بتلاعب لسانك وتخطب) تلك جملة مفصلية وردت على لسان مدام سونيا بطلة الفيلم المصري الشهير ( الراقصة والسياسي)،  .. ثم تقول سونيا في جملة حوارية  أخرى ( نحن الاثنين   نطلع في التلفزيون ، أنا الناس بتتفرج علي رقصي،  وانت أول ما تظهر الناس بتقفل التفزيون لأن رقصك ليس له جمهور ولرقصي جمهور   ).. وهي جملة حوارية  بليغة ، مليئة بالمعاني المباشرة .

وكانت  خلاصة الفيلم هي ؛ أن الاثنين يرقصان،   فمثلما  يرى السياسي في  رقص الفنانة  ( اثارة رخيصة ، ومثيرة للشهوات والغرائز،    فإن  الفنانة  كانت  تعتبر نفسها  أفضل من السياسين، وبل ترى في رقص السياسي كذباً ونفاقاً، فهو  يكذب على الجماهير، بمشاريع المستقبل  التي لا تتحقق .

والفيلم ، مأخوذ من رواية الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس ،  ويحمل نفس الإسم ( الراقصة والسياسي) ، وهو من بطولة الفنانة نبيلة عبيد، والفنان الراحل صلاح قابيل، وقصة الفيلم تروي فساد السلطة المستبدة، واستغلال النفوذ، لكن الحوار ما بين السياسي ( عبد الحميد) ، والراقصة سونيا ( نبيلة عبيد ) كان هو خلاصة الفيلم، فالرجل ارتبط بعلاقة مع الراقصة،  لكنه حين صار سياسياً كبيراً، ووزيراً في الحكومة أصبح يتهرب من مجرد ملاقاتها، أو الحديث إليها، بينما كانت هي تحاول الوصول إليه لكي يساعدها   على  فعل خير، و هو بناء ملجأ للإيتام،  بعد أن وقفت السلطات  ضدها باعتبارها ( راقصة)، ولا يمكن أن تفعل عمل خير، بل أن السلطة وكأنها هي ( الإنقاذ ) كانت تفضل تشريد الأطفال اليتامى في الشوارع بدلاً أن تقوم سيدة راقصة بإيوائهم!.  

تذكرت الفيلم، وأنا أقرأ خبراً عن اعتزام المغنية ندى القلعة الدخول في مجال النشر، باصدار صحيفة اجتماعية فنية، وأشارت الأنباء إلى أن ندى في مرحلة اختيار الصحافيين، والتقديم لمجلس الصحافة والمطبوعات للحصول على التصديق، ومن ثم العمل على ترتيبات الصدور .

ومع جدة الخبر، وأهميته من الناحية المهنية، إلا أن عدداً من الصحافيين والمحررين أبدوا سخريةً من دخول المغنية المثيرة للجدل ندى القلعة لمجال النشر الصحفي، وتحدث البعض عن مصادر أموالها، بل لم تخلوا الأحاديث من ( الهمز واللمز)، حول رحلات ندى الخارجية ، ولست هنا بصدد التقليل من أهمية تلك التساؤلات من قبل زملاء صحافيين معظمهم من جيل الشباب،  أقدر دوافعهم، وأدرك سر قلقهم على المهنة، كما أنني لست بصدد  الدفاع عن ندى أو عن غيرها، لكن من حقي أن أتساءل ،   أو ليس من حقها  كمواطنة سودانية، أن تمتلك صحيفةً، أو قناة فضائية؟؟،  مثلما كان من حقها توزيع اغاثات، على متضررين السيول والأمطار والفيضاانات ، بل أن بعض المحتاجين كانوا قد اقتحموا قسم الشرطة الذي اضطرت ندى لجمع الإغاثة فيه لكثرة الزحام، وهي حالة توضح احتياجات الناس لكل دعم، وهو ما حاول بعض المتحذلقين، والمتنطعين التبخيس منه . يسخرون من مشاركة مغنية في عمل ( خيري)، ويدعون الناس إلى الصبر والمثابرة، وهم لا يدركون أن الجوع كافر، وأن الشعارات التي لم تقتل ذبابة، فإنها كذلك لن تسد رمقاً، ولا تستر جسداً عارياً.

 ثم؛ ولماذا ندى القلعة دون سواها هي محل تلك التساؤلات  ؟. وما هي مصادر تمويل الناشرين الآخرين ؟.، وماذا كان شخص مثل جمال الوالي مثلاً قبل عام 1989؟، وأين هو؟ ومتى أصبح بهذا الثراء  العريض لدرجة شراء صحيفة ( السوداني)،  وتأسيس قناة ( الشروق)؟. وغير الوالي،  هناك  عشرات من الناشرين، ومن الأثرياء الجدد في أزمنة المشروع الحضاري الأكذوبة، ورقص القطط السمان التي توعد الناس بالسلام فتشتعل الحرب، وبالوحدة فيتقسم الوطن، وبالرخاء فيسود الفقر والبؤس، وبالمساواة فلا نرى سوى التهميش، وبالحرية فلا نجد سوى القهر والاستبداد، وبالمواطنة فلا نحس سوى بالعنصرية وأحاديث القبيلة والقبلية، والتي ضيعت وطنناً كان اسمه ( السودان).