د. جمعه كنده كومى  استعرضنا في الحلقة الاولى العوامل والدوافع التى ادت الي الغاء ولاية غرب كردفان اثناء المفاوضات، التي ادت الي توقيع اتفاقية السلام الشامل في  يناير 2005م. .

نتيجة لذلك تم ضم مناطق المسيرية ونوبة المنطقة الغربية من غرب كردفان الي ولاية جنوب كردفان، بينما اضيفت مناطق الحمر الي ولاية شمال كردفان. وفي الحلقة الثانية تناولنا الصراع السياسي  بين شريكي الحكم المؤتمر الوطني والحركة الشعبية من اجل كسب الولاية والتحكم في مخرجات بروتكوله، خاصة المشورة الشعبية وذلك من خلال سلسلة من اليات سياسية بدءاً من التحكم في السلطة التنفيذية والتشريعية، وتعداد السكان، وتوزيع الدوائر الجغرافية، والانتخابات ونتيجتها. في هذه الحلقة الاخيرة سنركز علي اثر قرار اعادة انشاء الولاية وردود الافعال المختلفة، ومآلات ذلك علي السلام والاستقرار في كردفان الكبرىفي البدء لابد من الاشارة إلي ان الوعد باعادة ولاية غرب كردفان كان من اهم اجندة المؤتمر الوطني اثناء حملتها الانتخابية في الولاية. وكان المؤتمر الوطني يأمل في ان يتم تطبيق المشورة الشعبية وحسم  المستقبل السياسي لولاية جنوب كردفان بمشاركة المنطقة الغربية قبل اعادة انشاء ولاية غرب كردفان، باعتبارها هي مركز الثقل السياسي له في ولاية جنوب كردفان. ولكن اندلعت الحرب واصبح مصير المشورة الشعبية امراً مجهولاً. وباستمرار الحرب وعدم وجود  بوادر للسلام، بدأ ابناء المسيرية في مطالبة بعودة الولاية حسب الوعد اثناء الانتخابات. واخيراً قرر مجلس الوزراء برئاسة الرئيس عمر البشير باعادة انشاء ولاية غرب كردفان، ذلك في ابريل الماضي 2013م. ولقد سبق ذلك قرارا بتكوين لجنة لعمل دراسة  توضح مواقف اصحاب الشان، لا سيما مكونات المنطقة المختلفة. رغم ذالك تحتج العديد من الفعاليات الاهلية والمدنية والسياسية خاصة ابناء النوبة من الجبال الغربية بعدم مشاورتها او مشاورتها دون وضع رأيها فى الاعتبار عند اتخاذ القرار.

فبعد الاعلان عن عودة الولاية في ديسمبر 2012م، بدأت ردود الافعال المتباينة ما بين مؤيد ورافض، ولكن واضح الحماس الكبير لابناء المسيرية خاصة قواعد المؤتمر الوطني، وبعض ابناء النوبة في المؤتمر الوطني من المنطقة الغربية وخارجها، بجانب حكومة ولاية جنوب كردفان. اما الرافضين ففي مقدمتهم الحركة الشعبية قطاع الشمال. وفي هذا الامر فقد اصدر ادم كرشوم نورالدين زايد وهو من ابناء المسيرية  في الحركة الشعبية بولاية جنوب كردفان / جبال  النوبة والمشرف السياسي علي القطاع الغربي بيانا طويلا رفض فيها اعادة انشاء الولاية مع تاكيد بأن الحركة الشعبية ليس ” ضد رغبة المواطنين في ان تكون لهم ولاية او اي شكل اداري يرتضونه، ولكننا نرفض الدوافع التي من اجلها يعمل المؤتمر الوطني لاعادة الولاية في هذا الوقت وبهذة الطريقة “.

بينما وصفت المؤتمر الوطني علي لسان والي ولاية جنوب كردفان انذاك مولانا احمد هارون ان مشروع اعادة ولاية غرب كردفان ياتي وفاءاً للالتزامات التي قطعها رئيس الجمهورية في برنامجه الانتخابي في الانتخابات القومية لعام 2010م، فضلاً عن انه يأتي استجابة للالتزام الانتخابي لوالي جنوب كردفان في الانتخابات الولائية للعام 2001م. وقال ان اعادة الولاية ستسهم في تعزيز نظام الحكم اللامركزي، الذي ارتضاة الشعب السوداني، فضلاً عن انه يمثل دفعة لمسيرة التنمية والاستقرار والمشاركة السياسية. ومن الجانب الاخر رفض قطاع واسع ومعتبر من ابناء الحمرعودة ولاية غرب  كردفان بشكلها القديم، بل طالبوا بولاية جديدة لهم تكون عاصمتها النهود. اما ابناء النوبة في الجبال الغربية  فقد عبروا عن عدم ارتياحهم لهذه الخطوة، بينما عبر اخرون من قواعد المؤتمر في هذة المنطقة عن ارتياحهم للقرار. اما حزب العداله احد الاحزاب المشاركة في السلطة التنفيذية في ولاية جنوب كردفان، فترى علي لسان نائب رئيسها جمعة كلكي كوه بان اعادة تقسيم جنوب كرفان هو تجاوز صريح للدستور ومن كل المتوارت الدستورية، ويري ان انشاء ولاية غرب كردفان قد ضرب بالارادة الشعبية في كل من جنوب كردفان وشمال كردفان عرض الحائط فكأنه لاقيمة لانتخابات عام 2010م وعام 2011م فاصبح الولائيتين فجاءة بلا ولاة منتخبين  ولا مؤسسات منتخبة.

بعيداً عن ردود الافعال المؤيدة والرافضة لاعادة الولاية، الواقع يقول انه تم بالفعل اعادة الولاية تبعه اعادة ترتيب الوضع السياسي لكردفان الكبرى، حيث تم تعيين المهندس ادم الفكى واليا لجنوب كردفان بدلاً عن واليها المنتخب مولانا احمد هرون الذي ذهب والياً علي شمال كردفان بدلاً عن واليها المنتخب، بينما تم تصعيد اللواء احمد خميس نائب والى جنوب كردفان واحد ابناء نوبة المنطقة الغربية والياً علي ولاية غرب كردفان. هذه التعينات كانت موضع دهشة ومفاجأة من العيار الثقيل، حتى داخل اروقة المؤتمر الوطنى نفسه. حيث كان يتوقع المسيرية حكم انفسهم بانفسهم اسوة ببقية الولايات، بنيما كان قيادات النوبة فى المؤتمر الوطنى تتوقع اسناد منصب الوالى لاحدهم. ولكن لصناع القرار فى المركز رأى اخر فاجأ بها الجميع، بما فيها قيادات وقواعد المؤتمر الوطنى فى هذه الولايات الثلاث والتى شعرت هذه المرة بمستوى وعمق التهميش اكثر من اى وقت مضى.

 يمكن للمتتبع للاوضاع السياسية في كردفان الكبرى ان يلحظ بوضوح ان مآلات اعادة ولاية غرب كردفان كثيرة وبعيدة الاثار فيما يتعلق بالاستقرار السياسى والامنى وفرص السلام في المستقبل القريب او البعيد. ويمكن التركيز علي الملاحظات التالية:

1- ولاية جنوب كردفان قبل اعادة ولاية غرب كردفان كان تحتضن معظم المشكلات المعلقة بين السودان ودولة جنوب السودان، خاصة ترسيم الحدود واطولها تقع علي حدود جنوب كردفان مع ثلاث ولايات فى دولة جنوب السودان، وقضية البترول، وقضية ابيي، وقضية الرعاه، وقضية المناطق الحدودية المتنازع عليها في كل من المقينيس وكاكا التجارية وهجليج وجاو/ بحر ابيض، وقطاع الشمال والجبهه الثورية. بهذا التقسيم تم واقعياً توزيع هذه المشكلات بين الولايتين حيث ستكون مشكلات ابيي، وقضية الرعاه المسيرية داخل اراضى دولة جنوب السودان، والجزء الاكبر من البترول، وحركة قوات الجبهه الثورية بين دارفور وكردفان، عبئا امنيا وسياسيا على ولاية غرب كردفان.

2- عودة نوبة الجبال الغربية ووجود بعض قيادات من ابناء المسيريه في الحركة الشعبية قطاع الشمال وعلي رأسهم كرشوم نورالدين زايد نائب عبد العزيز الحلو، يعني بقاء النشاط العسكري والسياسي للحركة الشعبية والجبهه الثورية داخل الولاية الجديدة.

3- عدم رضي الحمر بعودتهم لهذه الولاية دون ان يكون النهود عاصمة لها سيجعل الحمر يضغطون باستمرار لتحقيق تطلعاتهم. كما ان عدم رضي بعض قواعد نوبة الجبال الغربية مع وجود تعاطف ثقافي واثني وسياسي من جهة بقية ابناء النوبة في ولاية جنوب كردفان / جبال النوبة، يعزز وجود رباط سياسي واجتماعي، وسيجذب ذالك قطاع واسع من نوبة الجبال الغربية نحو العودة إلي جنوب كردفان تحقيقاً لوحدة شعب النوبة سياسياً واثنياً فى وحدة جغرافية ادارية سياسية كما كان فى السابق.

4- معلوم ان برلمان ولاية جنوب كردفان كان يسيطرعليه نواب من غرب كردفان خاصة بعد  انسحاب نواب الحركة الشعبية بعد اندلاع الحرب. هولاء النواب سيذهبون إلي ولايتهم، وهذا يعني عملياً ان برلمان ولاية جنوب كردفان سيكون غير موجود فعليا، وبالتالي سيتم تكوينه بالتعين، وهو الامر الذى يدل على ان ما تم من ممارسة سياسية من انتخاب للوالى والمجلس التشريعى، وكل كلفتها الباهظة بما فيها تسببها فى الحرب الدائرة الان كلها مسائل بلا قيمة عند صناع القرار فى المركز.

5- الملاحظة الاهم من وجهة نظرى هي المستقبل السياسي لولاية جنوب كردفان. اذ ان بعودة ولاية غرب كردفان يكون حديث المؤتمر الوطني المتكرر بالتزامه بتكملة مستحقات بروتكول الولايتين، خاصة اجراء المشورة الشعبية قد انتهي علميا. وهذا يعني ان اي مفاوضات قادمة بين الحركة الشعبية قطاع الشمال وحكومة السودان تحتاج لمرجعيات جديدة.هذا الامر سيفتح الباب مشرعاً لكل طرف لرفع سقف شروطه او مطالبه السياسية بلا حدود، مما يعقد عملية ايجاد الحلول مقارنة مع اتفاقية عقار- نافع والتي كانت ترتكز علي ما تبقي من البروتكول.

6-  بذهاب غرب كردفان ترتفع نسبة المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية قطاع الشمال في ولاية جنوب كردفان. كما ان هذا التحول قد يعطى النوبة كمجموعة اثنية اليد العليا في الشأن العام بالولاية بالرغم من تباين انتماءاتهم السياسية. وان اي تسوية سياسية قادمة سيجعل سيطرة الحركة الشعبية قطاع الشمال في وضع افضل مقارنة مع المؤتمر الوطني، مالم يحدث تحولات وتبدلات سياسية كبيرة تعيد ترتيب موازين القوى السياسية لصالح المؤتمر الوطني  مرة اخرى، وهو امر عصى المنال فى المنظور القريب، فى ضوء السلوك السياسى للمؤتمر الوطنى تجاه مختلف الاثنيات فى هذا الجزء من الوطن.

7- بالرغم من تحول مولانا احمد هرون الى ولاية شمال كردفان، الا ان ارجح انه سيظل مؤثرا – وربما اكثر من اى وقت مضى – على القرارات الكبرى خاصة الامنية والسياسية  فى كردفان الكبرى. فتعيين اقرب معاونيه – نائبه احمد خميس واليا على غرب كردفان والمهندس ادم الفكى واليا على جنوب كردفان-  دليل مبكر على مدى تأثيره ومشاورة المركز له فى ترتيب الوضع فى كردفان الكبرى، خاصة بعد ان اصبح كل كردفان تحت تأثير الجبهة الثورية والحركة الشعبية قطاع الشمال.

——-

باختصار، ليست هناك اى مؤشرات ملموسة بان اعادة ولاية غرب كردفان، وما تم من ترتيبات فى كردفان الكبرى هى فى صالح عملية السلام المفقود والاستقرار السياسى والامنى والاجتماعى. بل هناك مؤشرات ملموسة بان حراكا سياسيا جديدا ضاغطا قد بدا من مختلف مكونات كردفان الكبرى تجاه المركز فى اطار جدلية المركز والهامش.