عبد الغني كرم الله التغيير: في البدء، ما أعجبك يا معاوية، وأين قطارك "اليوم"؟، في بلد مزقت كل شريان، من لحم، أو حب، أو حديد، يربط جوارح الوطن، ماتت السكة حديد، تلكم الشلوخ الحديدية، التي تزين وجه الوطن الحالم، فلم نعد نرى قرية متحركة، في بيوت متراصة، يجرها حصان حديد، ينفث دخانه في السماء، وفي القمرات خلفه، أنس، وفكر، وبضاعة، وكتب، وتجارة، وتواصل بين أبناء الوطن القارة، 

كان القطار يغذي الوحدة، يعرف قلوب أقاليم على أخرى،  ويسن لحلم جماعي وطني، ويفيد أقاليم، وتستفيد أخريات، من بعضها البعض، عبرك أيها القطار المنقرض، فصار المواطن اليوم، خارج أقليمه غريب الوجه واليد واللسان، والجيب، وتلك هي وقود الحروب، والصراع، فالقطار لم يكن وسيلة مواصلات، بل كف تصافح، ونفع يعم، ووحدة ترفل..بلى، أين قطارك يامعاوية؟ حتى بلادك، أيها القطار الحزين، وأنت تجوب واو، والدندر، وكسلا، مزقت أيدي سبا،  (شمالا، وجنوبا)، ونامت “قمراتك”، في سبات حزين في مخازن مهترئة، وسرقت جلها، وتمزقت شرايين الحديد، وتلك الدورة الدموية التي تغذي جسم الوطن بالحياة والوحدة والتلاقح..

 

تلك قصة أخرى، للمخضرم معاوية نور، باسم “في القطار”، فيها أسى، وسخرية مريرة، وبها سحارة “لمن يبحث عن الفلكلور، وعلم الاجتماع في ثلاثينيات القرن الفائت”، وفيها تصوير لغنج القطار وبحبوبة العيش فيه، ونظافته، وباراته ومطاعمه الشهيرة، الحديدية المتجولة، تلك صورة..

 

اما الصورة الأخرى، ما بعد زجاج نوافذ القطار، فهي لمدينة (أو قل قرية، قرب شندي)، فقر، ومرض، ورياح، كأنه يومي لعالمين، ثراء فاحش (متحرك/قطار)، وفقر ثابت (دنيا تتغير، ودنيا أدمنت عشق الثوابت)، وفتى، مع صحبه يريد بيع شايا، باردا، من كوب متسخ لركاب القطار (من أفندية كبار، وأنجليز)، وكلهم يستغلونه (بسمرتهم، وبيضاهم)، فتأمل؟..

 

هناك صور (في تصوير الصحراء)، تشبه الفصل السابع من قصة موسم الهجرة للشمال، الخالق الناطق، أسمعه، وحين سطرت كان عمر الطفل سنة “أي الطيب صالح”، فتأمل قول معاوية، ومن بعده حفيده الصغير، في دنيا الأدب: (صحراء العتمور العاتية وما فيها من جبال ملتفة ورمال بيضاء منبسطة واحجار سوداء متناثرة، في لج ذلك الخضم الذي لا تقف منه العين على شيء من صور الحياة النابضة)، وقال الطفل الطيب، الذي شب أسدا، الطيب صالح، عام 1964، في  (موسمه الشهير)، وهو يصف الطريق الصحراي، نحو أمدر، من الشمالية (طريق ممل، يصعد ويهبط، لا شئ يغري العين، شجيرات مبعثرة في الصحراء، كلها أشواك، ليست لها أوراق، أشجار بائسة، ليست حية، ولا ميته)، .

 

ثم تلك العلاقة الحميمية، بين المكان والإنسان، ليس المكان الآن، بل المكان الأمس، بل الأمس الغابر (هل المكان دساس، مثل العرق، أظن الوراثة لا تنكر، فهل نتأمل المكان حولنا عسى ولعل نسمع وصاياه، وما جبل فيه، ألم تكتشف جماهير الشعب البسيطة الذهب هذه الأيام في تلكم التخوم، بعد نسيان طويل لهذه الثروة تحت أقدامهم؟)، وفي ترابكم، أفلا تنظرون؟، أسمعه في علاقة المحبة للمكان (خيل إلى أن لي تاريخا مع هذه الصحراء لما اشعر به من القرابة والعطف والإيناس لهذه الجارة التي تترامي بالقرب من سير القطار. وربما جنح بي الفكر فخيل إلى إنني قد رأيت كل هذا وعرفته قبل حياتي الراهنة، وإلا فكيف أفسر هذا العطف وهذه الآلفة وهذه القرابة الروحية التي هي اشد من كل عطف وقرابة وإيناس)، ما أعجب تصويره، لهذا الحب مع المكان، يقال بأن عليا، عليه السلام، وقف حزينا، عند كربلاء، وبكى، بكاءً مرا،  قبيل أحداثها الحزينة، بكاء من يدرك ما سيؤول له التاريخ القادم، بتمحص الحاضر، فكيف نجني العنب؟ حين تزرع في ماضيك شوكا.

 

ليتنا نصغي لتراب الوطن، ونعرف قدراته، وثروته، فهو كبير، ووسيع، ليتنا، ياسيدي معاوية، وفي القصة تخوم وتأملات، ويكفي أنها كتبت عام 1930، كي تكون تراثا قصصيا، يستولد الكثير، من المعاني، والإفادات، لمن يريد ويرغب، ويكفي أن الفتى “بائع الشاي”، لم يفهم إشارات الطقس، وعتاب أمه لها (أمرنا ان نخاطب القوم على قدر عقولهم، وفاته القطار، وهو لا يزال يردد (شااااي، شاي)، فهل من مشتر؟، ولو دخان القطار، أن نصوص معاوية “سحارة”، فيها الكثير للباحثين، فإليكم، قصته، ولها براحات تأويل، لا يحد (في القطار).

 

(في القطار)

للكاتب معاوية نور

 

بعد أن قطع القطار صحراء العتمور العاتية وما فيها من جبال ملتفة ورمال بيضاء منبسطة واحجار سوداء متناثرة، في لج ذلك الخضم الذي لا تقف منه العين على شيء من صور الحياة النابضة.

 

 وسار ينساب في ارض لا تحوجه الى مثل ذلك الكفاح والنضال القوي، بل راح راكضا في اتساق وسرعة على ضفاف وادي النيل، وكنت من قبل ذلك انظر الى هذه الصحراء وامعن النظر اليها وكلما امعنت النظر وجاشت بي الخواطر والذكر، خيل إلى أن لي تاريخا مع هذه الصحراء لما اشعر به من القرابة والعطف والإيناس لهذه الجارة التي تترامي بالقرب من سير القطار. وربما جنح بي الفكر فخيل إلى إنني قد رأيت كل هذا وعرفته قبل حياتي الراهنة، وإلا فكيف أفسر هذا العطف وهذه الآلفة وهذه القرابة الروحية التي هي اشد من كل عطف وقرابة وإيناس والقطار سائر إلى أن اقترب من مدينة شندي بعد أن مر بمدن عدة، والمسافر لا يرى غير السهول الواسعة حينا، والأشجار المتناثرة الكثيفة حينا أخر. وقد يري بعض الأحيان أرضا خضراء ، ولا يرى في غيرها سوى الرمال والحصى. غير إن النظر إلى شجرة من هذا الشجر الذي تجده بين حين وأخر واقفا متدلي الأغصان في أسي واكتئاب وصبر ووحشة لا تخالطها بشاشة أو يمازجها فرح، لحري بان يحمل الإنسان إلى الاعتقاد بنضوب هذه البقاع من الحياة كما عرفها وذاقها بين المدن الصاخبة، وأنفاس الإنسان النابضة ووثبة الحياة الدافقة، كل هذا وبعض أصحابنا المسافرين المترفين في شغل عن الصحراء والسهول والأشجار وحديثها. هذا يدخن سيجارته، وغيره يقرا كتابا، وثالث نائم، وغيره وادع حالم. وما أن يقف القطار عند قرية صغيرة يحسبها الإنسان خلاء وقفرا قبل أن يطلع عليه بعض أهليها من شباب وشيب ومعهم أشياء من الطعام يرغبون في بيعها إلى المسافرين أو أنواع من الخزف والآنية.

ووقف بنا القطار في هدوء طاري في محطة من المحطات بعد أن اجتاز مدينة شندي، وكنت تسمع المسافرين ينادون بعضهم بعضا.. اقفل الشباك . اقفل الباب بين قصف الرياح وأصوات المسافرين ذلك لان الرياح قد ابتدأت تقصف بشدة وتذر التراب في العيون والعاصفة تولول كالشارد المجنون، والشمس تختفي بين حين وأخر لان بالسماء الداكنة غمام يتجمع ويقلع حينا، ثم يتلاشى حينا أخر، فتظهر الشمس سافرة. وكان النيل الذي وقفنا بالقرب منه يرسل اصواتا هائجة من أمواجه الثائرة. وهكذا وقف القطار بين ولولة العاصفة، وهدير الموج الصاخب، ودكنة السماء وحلوكة الجو. وبعد قليل رأينا رهطا من النساء وبعض الصبية يهرولون نحو القطار غير عابئين بالرياح أو حلوكة الأنواء، ولقد كان مع هؤلاء النساء أوان من الخزف المزخرف. وهن في أسمالهن البالية ابعد شيء من الزخرف ودواعيه، وفيهن واحدة قد جاوزت الثمانين آو كادت تعرض وجها قد رسمت عليه الشيخوخة خيوطها الساخرة، وتعجب ما لهذه وعراك الحياة والتكالب على العيش في مثل ذلك اليوم العابس، ولكنك لا تجد جوابا على سؤالك سوى إنها الحياة! فقد جاءت تسابق الفتيات هازئة بشيخوختها غير معترفة بكبرها، آو ربما كان الأصح أن تقول إن العيش ودواعيه يضحك ساخرا أو معجبا من هذه المرأة الهرمة، ولبثت تعرض حاجياتها على المسافرين من خلال النوافذ من غير أن تنبس بحرف واحد، وإنما بإشارة خفيفة من الرأس وامتداد من اليد إلى جانب نوافذ القطار، وهي في إيماءاتها ووقفاتها انطق من كل كلام، وأدل من كل صراخ أو نداء، وكانت تمشي في خطاها المتثاقلة من أول القطار إلى أخره ولا من يشتري أو يجيب حتى أرهقها الإعياء. وقد شهدها احد ركاب الدرجة الأولى من الانجليز فقال لها بالانجليزية ما معناه (( خير لك أيتها العجوز أن تذهبي إلى بيتك ألان)) ولكنها ظلت واقفة ناظرة إلى هذا الرجل من غير أن تفهم قصده، ولعلها ظنت انه قد سألها عن الآنية التي تحملها آو قال شيئا يقرب من ذلك. فعادت تعرض آنيتها في مكان ظاهر أمام الرجل وتطيل النظر مرفوعة الرأس في شيء من الاستفهام والطلب.
وكانت هناك امرأة تجلس على بعد ثلاثة أمتار من القطار ناظرة إلى الصبية الذين ينادون بملء أفواههم بما عندهم من طعام وشراب لجماعة المسافرين، وكانت تشير على احد الصبية بين حين وأخر أن يجري هنا وهناك من واجهات القطار مناديا (شاي) (شآ.. آ … آي) وكان بقية الصبية يحملون بيضا مسلوقا صارخين (بيض مستوي) (بي..ض مستوي) وهم يمدون كسرة الباء مدا طويلا تكاد تخرج معه حناجرهم من شدة الصياح.. كل ذلك الصراخ كان من غير جدوى إذا استثنينا مسافرا واحدا اشترى من احدهم بيضا بقرش صاغ، ولشد ما كانت ترمقه عيون آخرين حاسدة حاقدة! أما ذلك الطفل الصغير فقد ظل في ندائه باجتهاد وصبر من غير أن يلاقي نجاحا وكانت صرخاته تشتد كلما مر الزمن ولكي يبيع شيئا من (شايه) الذي يحمله في آنية تعافها النفس، وأكواب يصعب على الإنسان الشرب منها ولقد كان يلبس هذا الفتى الصغير جلبابا ابيض قد استحال لونه من كثرة الاتساخ، وتراكم عليه التراب قاتما اسود يمشي حافي القدمين عاري الرأس، لم يتجاوز عمره أحد عشر عاما، براق العينين، دقيق الشفاه في أسى واكتئاب تطل عليك من نظرته لوعة وشجو دفين. وقد ارتسمت على جبهته وحول شفتيه غضون جاءت قبل أوانها مبكرة لشدة وقوفه في الشمس، وحياة المتاعب والشظف التي يحياها، كل هذا وقد ترى في وثبته وحركته شيئا من السهوم الواجم، والخفة المستحبة لا تلبث كثيرا إلا وتنقلب إلى انقباض ولوعة، ولعل خفة الحركة والقفز تتملكه عندما ينسى نفسه وما حواليه، ونظرة الأسى والاكتئاب تعتريه عندما يذكر إخفاقه وبؤسه! وإنني لن أنسى ذلك الصوت الذي ظل يردد لفظة، ((شاي)) والناس عنه في شغل، ولعله هو الأخر في شغل عما يحمل من آنية وشاي، بل كان السهوم في أوجه المسافرين وكأنما تنطلق شفاهه في حركة ميكانيكية بين حين وأخر بلفظة (( شآ…آ…ي)) وهو يمد فتحة ((الشين)) مدا تكاد تحسب إن روح هذا المسكين تكاد تزهق مع ندائه الحار وكلما لم يسمع ردا لصداه ولا مجيبا لندائه ازداد عدوه من أول القطار إلى أخره، من أخره إلى أوله، كأنما هو الحيوان الخائف الهارب! 

وابتدأ المطر ينزل رذاذا في هذا الوقت والقطار واقف، وصوت الرياح وهدير الأمواج يبعث في الإنسان شيئا من الخوف والجلال والرهبة… وبين جيشان الطبيعة وثورتها كنت تسمع صوت هذا المسكين بين حين وأخر مناديا (( شاآآآي)).
وأحس الفتى برذاذ المطر يهطل على آنية الشاي وهو لم يبع منها شيئا، فازداد حزنه وكثرت همومه! ولقد كان المسافرون في حاجة إلى الشاي، غير أن ما صدهم عنه رداءة آنيته واتساخ أكوابه، وهيئة حامله التي لا تدل على النظافة أو شيء من ذلك، ولقد كانت تناديه تلك المرأة بين حين وأخر مشيرة عليه بان يسرع خطاه وان يذهب إلى الناحية الأخرى من القطار لعله بائع شيئا لأحد المسافرين، وأخيرا بلغ به التعب واللغوب مبلغه وبح صوته، غير انه واظب على ندائه وكأنما القطار بانتظاره الطويل قد زاد من الم هؤلاء الناس وضاعف أحزانهم وشقوتهم. وقد برد الشاي وصار كالماء البارد وهو لم يزل ينادي! ولما تعب ذهب إلى تلك المرأة وأراد الجلوس إلى جانبها فما كان منها إلا أن دفعته إلى ناحية القطار، ولكنه وقد خارت قواه لم يستطع الصراخ فصار ينادي في شيء من الهمود والإعياء وفقدان الصوت.. ((شآي..شآي..شآي)) حتى كان صوته قد ابتلعته الرياح فيما ابتلعت فلم يعد يسمع له صدى! .. وصفر القطار معلنا سفرته رغم إن رذاذ المطر ما زال يتساقط، والرياح ما زالت تعصف بين كل حين وأخر… فذهب هؤلاء الباعة مبتعدين عن القطار قليلا.. وسمعت هذه المحادثة والقطار يتحرك بين تلك المرأة وذلك ا لفتى:
قالت المرأة: ها قد خسر الشاي من ذا الذي قال لك ضع القرشين في مثل هذا الشاي ومن سيشربه لك الآن؟ لتنام الليلة من غير عشاء.. يا قاسي الرأس، الم تر الرياح تهب حينما عملته، أليس لك عينان؟.
وظلت توبخه على هذه الوتيرة وهو ساكت، وقد بلغ بها الحمق والغضب غايتهما، فدفعته بشدة ارتج لها جسم الفتى، وأخذت منه أنية الشاي، وبعدها اخذ الطفل يبكي ويتنهد تنهدا حارا، فاقتربت منه في عطف واسى وأخذت رأسه بين يديها وخانتها قواها، فانحدرت دمعة كبيرة من مآقيها، ولما رآها الفتى على هذه الحالة، استرد شيئا من شجاعته، وقال لها: ولكنك أنت يا أماه التي قلت لي اعمل هذا الشاي علنا نربح منه قرشا، وقد عملته كما أمرتني!.
فأجابته بعد أن نظرت إلى عينيه الدامعتين، شكله المبتئس، قائلة في صوت هادئ تخالطه مرارة دفينة، وهم لأعج: (نعم أنا … أنا …أنا السبب اسكت يا ولدي الله في!!)
وبعد هذا المقطع لم اسمع شيئا بل رأيت الأم والابن يتجهان نحو قريتهما في خطى متثاقلة وسكون كئيب، على حين كان المطر يزداد، والأمواج تصخب والريح تولول هامسة، وجسماهما يختفيان في تلك الدكنة كنقطتين سوداوين وسط ذلك الظلام الدامس.
وابتعد القطار رويدا رويدا، وصورة ذلك المشهد لا تفارق نظري، ونغم ذلك الجرس الصارخ المملوء لوعة واسى (( شا..آآآآآ..آي)) ما زال يرن في أذني.
وإذا بصراخ أفندية القطار يقطع علي تفكيري وذكراي فهو ينادي الجرسون (واحد بيرة، بس خلي الثلج يكون كثير شوية، فاهم! ) وقام البعض يلبس ملابسه ويصلح من هندامه استعدادا لطعام العشاء، وقال احدهم وهو يربط رباط الرقبة (يا الله .. أيه .. يا ولاه…آنت ليه ما جبتش الكرافتات الحرير؟ ابق ذكرني علشان ما ناخذ دسته من دفس براين!!) واتي من بعد ذلك خادم (الرستوران) مشيرا الى ان طعام العشاء قد آن، فقام البعض في مشية متثاقلة كلها خيلاء وكبرياء، وراينا هناك نفرا من الموظفين الانجليز وهم جالسون في غرفة الطعام يتكلمون بسرعة ويتبادلون النكات المضحكة ويدخنون. وكنت تسمع الافندية من ركاب الدرجة الاولى والثانية وهم على مائدة الطعام الانيقة ينادون بين حين واخر ( واحد توست) بينما القطار في عدوه لا يلوى على شيء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت في السياسة الأسبوعية – العدد 243 – 11 نوفمبر

(1930م)