محمّد جلال أحمد هاشم الذّكورة والعدوان والإخضاع يدور النّقاش فيما يختصّ بالعلاقات النّوعيّة في عدم تكافئها ذكورةً وتأنيثا، بما يفضي في نهاية الأمر إلى وضعٍ مائزٍ للرّجل على حساب وضع المرأة المنتقص. يكمن جوهر انعدام التّكافؤ النّوعي وما يتبع من ظلم في الإخضاع، إخضاع الرّجل للمرأة، ولو بدا أنّ المرأة راضية بذلك.

وفي رأينا أنّ مردّ هذا الإخضاع هو العمليّة الجنسيّة التي في أصلها الفيزيقي تقوم على الإخضاع من حيث تجاوز الذّكر لحدود جسده بدخوله في حدود جسد الأنثى، ولو استدعى الأمر القوّة. هذا بينما يمتنع العكس في حالة العجز البيولوجي أو انعدام الرّغبة عند الرّجل مهما شدّت الرّغبة عند المرأة. لهذا يقول الرّجل عن المرأة التي يمارس معها الجنس إنّها مكّنته من نفسها، ولهذا أيضاً توصف العمليّة الجنسيّة بالرّكوب والاعتلاء، وهو شيء ربّما وردت فيه المشابهة مع الحيوانات. وقد قام الرّجل عبر سلسلة من العمليّات الطقسيّة المعقّدة المستندة على الفوارق البيولوجيّة والقوّة البدنيّة على تكريس هذا الإخضاع في تلافيف وعي الأنثى، وبالتّالي تشكيل وعيها الأنثوي بحيث يقوم على قبول فكرة أنّها لا محالة خاضعة له في نهاية الأمر.

في البدء كانت المجتمعات تجري وفق النّظام الأمومي حيث كانت المرأة هي رأس الأسرة، وبالتّالي الشّخصيّة الأولى في المجتمع. ولكن، بمرور الزّمن، انقلبت الصّورة ليصبح الرّجل هو الذي يسيطر على حرائك المجتمع بما في ذلك المرأة نفسها. فإذا أخذنا وضعيّة المرأة في الحضارة المصريّة القديمة، نلاحظ هذا بوضوح. فبعد “… أن كانت تُرسم على الجدران بحجم زوجها تماماً، دليل التّساوي في المكانة والقدر، أصبحت تُرسم بحجم أصغر من زوجها. ومعنى ذلك أنّها أصبحت أقلّ قدراً من زوجها” (نوال السّعداوي، 1974: 22). وتذهب نوال السّعداوي إلى أنّ انخفاض مكانة المرأة بدأ في الحضارة المصريّة تحت حكم الأسرة السّابعة واستمرّ إلى الأسرة العاشرة (2420 ق.م. إلى 2140 ق.م.) متأثّراً بالنّقلة التي أحدثتها ملكيّة الأرض، حيث ضمّ الرّجل المرأة وأخيه الإنسان أيضاً (العبيد) إلى قائمة ممتلكاته. وقد استمرّ وضعها في التّدهور إلى زمن الدّو الوسطى (من الأسرة الحادية عشرة إلى الثّالثة عشرة)، حيث تفشّى الإقطاع في زمن الهكسوس، “… ولم تستردّ [المرأة] من مكانتها الضّائعة إلاّ في عصر الدّولة الحديثة (1580 ق.م.) بعد ثورة النّساء والعبيد والشّعب المصري القديم كلّه ضدّ المستعمرين والإقطاع. … واستردّت المرأة مكانتها الأولى في تلك الفترة وعرفنا الملكات الشّهيرات من الأسرة الثّامنة عشرة كالملكة نفرتيتي، والملكة حتشبثوت ذات الشّخصيّة القويّة والذّكاء الشّديد والتي حكمت مصر إثنتين وعشرين عاماً (1504 ق.م. إلى 1483 ق.م.)” (المرجع السّابق: 23)، لينتكس وضعها مرّة أخرى عندما جاء الفرعون تحتمس بعد حتشبثوت، فعمد إلى تدمير تماثيلها ومسح تسجيلاتها من على جدران المعابد. وهكذا، تراوحت العلاقة بين الرّجل من جانب، والمرأة من الجانب الآخر، بين سيطرة هذا على الآخر والعكس. وقد حدث ذلك بعد الانتقال من المجتمع كامل الأموميّة إلى المجتمع شبه الأبوي؛ وبالتّالي شُرع في تمجيد الذّكورة وتعيير الأنوثة. فقد خضع الرّجل، كما تقول نوال السّعداوي، للأنثى “… فترة طويلة، كان يشعر طوالها بالخوف من قوّتها. هذا الخوف الذي رسّب في نفسه شعوراً بالكراهيّة والغيرة منها. … . وإنّ الذّكر ظلّ يتطوّر ويقوى من أجل أن يُحظى باختيار هذه الأنثى القويّة، وتفضيلها له عن الذّكور الآخرين، إلى أن اكتسب قوّة كافية استطاع بها أن يرتكب أوّل عمليّة اغتصاب في التّاريخ البشريّ، وكأنّما أراد أن ينتقم بشكلٍ ما من المرأة التي يضمر لها منذ زمن طويل ذلك الخوف وتلك الكراهيّة والغيرة” (نوالس السّعداوي، 1991: 97). وتحت هذا تندرج مجموعة من السّلوكيّات العدوانيّة وغير السّويّة عند الرّجل إزاء المرأة، مثل السّاديّة والماشوسيّة إلخ. ومربط الفرس في هذا التّراوح هو من الذي يسيطر على الآخر، الرّجل على المرأة، أم العكس. فالرّجل يسيطر عليه خوف تاريخي من المرأة، واحتمال أن تسيطر عليه. لهذا، حسبما ترى نوال السّعداوي، يجد الرّجل، في أوضاعه غير السّويّة مثل السّاديّة وغيرها، نفسَه بين أحد موقفين: إمّا أن يفرض سيطرته الكاملة على المرأة، أو تقوم هي بفرض سيطرتها الكاملة له، نائياً بنفسه عن أيّ علاقة سويّة ومتوازنة: “… الرّجل العدواني لا يشعر بالأمان في مثل هذه العلاقة السّويّة الحرّة؛ إنّه يشعر بأمان أكثر في ظلّ العلاقة الأخرى التي تقوم إمّا على الإخضاع، فيصبح هو الطّرف الأقوى المسيطر وتمنحه السّيطرة نوعاً من الأمان. أو العلاقة التي تقوم على الخضوع، فيصبح هو الطّرف الخاضع ويشعر بالأمان لأنّه سلبي يعتمد على الطّرف الآخر، ولا يتحمّل عبء شيء” (المرجع السّابق: 172). وبما أنّ غالب الحال يشير إلى إخضاع الرّجل للمرأة، يقوم المجتمع الذّكوري بتطوير مجموعة من النّظم والمعايير والموجّهات السّلوكيّة لتكريس هذا الخضوع، ومن ثمّ تنشئة المرأة منذ طفولتها لقبول هذا الأمر بوصفه يعود إلى طبيعة الأشياء وقانون النّوع.

يتمّ تكثيف هذا الإحساس بقابليّة الخضوع والانقهار وإمكانيّة حدوثه بالقوّة والعدوان عبر سلسة من طقوس العبور، أهمُّها الختان الذي لا يعدو كونه طقساً اجتماعيّة معقّداً به يتمّ ترفيع الوعي الجنساني الطّفولي القابع في اللاشعور (وهي المراحل الخمس التي لخّصها فرويد في: الفمّيّة، الشّرجيّة، القضيبيّة، الكمونيّة، ثم مرحلة الأعضاء التّناسليّة؛ انظر ذلك على الشّبكة في موسوعة يوكيبيديا) إلى حيّز الوعي المباشر عبر الإخضاع القسري في لحظة تسبيب الألم بطريقة موضعيّة في العضو الخاصّ بإنفاذ العمليّة الجنسيّة. ولكن مع هذا يوصف الأطفال دون الخامسة عموماً بأنّهم لاجنسيّون sexless (وليس لاجنسانيّين non-sexual). وهذا جانب كبير في صورة البراءة التي يتّصفون بها، إذ لها أساسُها الرّاكز في بنية وعيهم المباشر. والفرق بين ختان المرأة وختان الرّجل يكمن في أنّ الأوّل يقوم على تدمير العضو التّناسلي في المرأة دون أن يحقّق لها شرط الطّهارة المزعومة بحكم أنّ الدّورة الشّهريّة تعتبر منبع عدم طهارة المرأة تقليديّاً. هذا بينما لا تتعدّى الآثار الجانبيّة في ختان الرّجل استئصال الحشفة، وهو ما يحقّق طهارةً فعليّةً للرّجل إذ يجعله حرّاً من أيّ تراكمات للأوساخ أو رسوب الأوضار بين ثنايا الحشفة. وتأتي عمليّة الختان بعنفها وعدوانيّتها لتشكّل تركيبة وعقدة من الوعي الجنساني المختلط مع البراءة. فمع الألم يأتي الأذى النّفساني والجسدي المتمثّل في إلحاق الضّرر بهذا العضو إلى درجة قد تحول دون أن تتمكّن المرأة لاحقاً من إشباع نفسها جنسيّاً بطريقة كاملة، وربّما تُحرم من هذا الإشباع بالمرّة. بهذا يتشكّل الوعي الأنثوي في الطّفلة وأساسُه الخوف الدّائم من المرور بحالة الإخضاع الجنسانيّة التي تبدأ في النّمو بوصف المرأة ـ مطلق مرأة ـ على أنّها ليست سوى قابلٍ طبيعيٍّ لهذا. وتكمن المشكلة في أنّ هذا يتناقض مع طبيعيّة الرّغبات الجنسيّة العاديّة. ومن هنا ينجم التّكتيك المتناقض المتمثّل في الحرص البادي على تجنّب الرّجل والتّقرّب منه في آنٍ، وهو الوضع الذي جعل الرّجل يسعى لاحقاً إلى عزل المرأة عن باقي الرّجال، وذلك عندما أصبح الأخير قيّماً عليها؛ إذ إنّه يُدرك بغريزته أنّ تجنّبها للرّجل ينطوي على رغبة خفيّة للتّقرّب منه في حالة شعوريّة قائمة على قابليّة الخضوع. ولهذا نلاحظ كيف تتصرّف النّساءُ كبيراتُ السّنّ، دون سنِّ الشّيخوخة، كما لو كنّ صبيّات صغيرات السّنِّ، وذلك في حال مرورهنّ أمام جمعٍ من الرّجال في مناسبة اجتماعيّة أو خلافه. وبهذا، في المقابل، تكتسب المرأةُ الطّاعنةُ في السّنِّ شكلاً من المهابة والاحترام، ولو كانت ذرِبةَ اللسان، وذلك لأنّها قد تجاوزت كلّ هذا بحكم التّقدّم في السّن.

عبر سلسلة من النّظم السّلوكيّة التي تجري على هذه الشّاكلة أصبحت صورة الفتاة (دون المرأة) التي تبدو على مخايلها البراءة الطّفوليّة الطُّهريّة purity هي الأحبّ عند الرّجل بعموم. فهتك هذه البراءة الملتبسة بثوب النّضج الجسدي الجنسي هي السّبب في تعلّق الرّجال بالصّبايا. وما الاشتطاط في هذا المنحى إلاّ البيدوفيليا؛ وما التّحرّش الجنسي بالذّكور من الأطفال إلاّ لاشتمالهم على هذه البراءة اللاّجنسيّة. وتنطوي هذه العمليّة على جملة من الدّوافع المتناقضة؛ فمن جانب، تمثّل هذه الطُّهريّة صورة الأمّ اللاجنسانيّة عند الرّجل، ومن جانب تستبطن في أعماقها رغباته الخفيّة للسّيطرة على الأمّ نفسها جنسيّاً، بوصفها ممثّلة لجميع النّساء. توجد في بعض أقاليم شمال السّودان النّيلي عادة تعكس لنا مثالاً حيّاً لما نقول. فقد درج النّاس على ابتناء غرفة خاصّة في منزل أهل العروس لاستقبال العريس فيها تتمّ ليلة الدُّخلة. يمثلّ ابتناء هذه الغرفة طقساً رجوليّاً يحظى باهتمام بالغ، إذ يجتمع الرّجال من الشّباب، دون الصّبيان، لبناء الغرفة، فيعمد كلُّ واحدٍ منهم إلى إحداث فتحة صغيرة غير ملحوظة في الجدار تمكّنه من مشاهدة ليلة الدُّخلة (أي الليلة الأولى) التي من المقرّر أن تُفتضَّ فيها بكارة العروس البكر. وقد لا يجد أشقّاء العروس حرجاً في تدبير فتحة خاصّة بهم من خلالها يشاهدون افتضاض بكارة شقيقتهم. أشار الرّصد الدّقيق لهذه العادة إلى أنّ العمليّة كلّها جنسانيّة ذكوريّة، وليست جنسيّة؛ أي أنّ مكمن الإمتاع ليس مشاهدة العمليّة الجنسيّة، بل مشاهدة تغلّب العريس على العروس وإخضاعها عبر عمليّة مكثّفة من الخوف الجامح الذي يسيطر على العروس الفتاة. وفي بعض الحكايات أنّ بعض أشقّاء العروس أخذتهم الشّفقة بأختهم المرتعبة والممتلئة بالخوف والذّعر، فهتفوا من مرقبهم يُهيبون بقريبهم العريس أن يترفّق بالفتاة المسكينة.

ولكن انتهاء الليلة الأولى، بما لها وما عليها من إخضاع للعروس وإثبات لسطوة الرّجل المطلقة على المرأة من خلال تفوّقه الجنسي الفحولي، ليست هي نهاية القصّة. فتمامُها يبدأ بالأيّام التي تلي؛ إذ يبدأ المجتمع بمراقبة تحوّل العروس من براءة وغرارة الطّفولة والخوف الذي زرعته عمليّة الختان فيها إلى الاعتياد على حقيقة أنّها أصبحت تمارس الجنس الذي كان محرّماً من قبل بكلّ وضوح وبعلم الجميع، بما فيهم والداها، إخوانها وإخواتها. وقد تشتمل عمليّة التّحوّل على كمّيّة كبيرة من ممازحات المغايظة والمكايدة كلّ صباح، غمزاً وتلميحاً بما مرّت به العروس في ليلتها السّابقة. هنا يبدأ التّحوّل من البراءة والغرارة (مع استصحابها سلوكيّاً ظاهريّاً) إلى تعلّم فنون وألاعيب الجنس من حيث هو لحظة مجامعة. ونعني بهذا تعلّم الغنج، وهو مزيج من ألوان سلوكيّة، منها الغرارة نفسها، ثمّ التّدلّل، والنّظرات والكلمات الموحية بما تنطوي عليه المجامعة من تلذّذ ماسوشي، كلّ هذا مع استصحاب تناقضي لكون المرأة (تعييناً) قابلاً للانكسار والتّذلّل مع التّحدّي في النّيل منها. والغنج، على هذا، يمكن أن يكون مقدّمة للحظة المجامعة، كما يمكن أن يكون بمثابة البهارات أثناءها. ويستمدّ الغنج قوّته من اشتماله على مجموعة كبيرة من السّلوكيّات المتناقضة، المرتبطة والموحية بالمجامعة. وأقوى تجلّيّات الغنج ذلك الذي يبدو كما لو كان مكبوتاً، تغالبه المرأةُ ثمّ لا تملك من أمره شيئاً إذ يطلّ برأسه وهي تتقطّر خجلاً وحياءً. وإنّما لهذا يكون قطاع كبير من النّساء التّقليديّات ذوات قابليّة كبيرة للارتداد إلى تلك الحالة مهما بلغت بهنّ السّنّ في حال مجابهة عدد كبير من الرّجال (مثل تجمّع الرّجال بكثافة في المناسبات الاجتماعيّة)، إذ يتكثّف الوعي فيهنّ، بالكثافة العدديّة للرّجال الذّكور حولَهُنّ، كونَهُنّ قابلاً للانكسار إزاء عنف الذّكورة. فالتغنّج لحظة المجامعة قد ينتهك من وقار المرأة؛ فما إن تنتهي من هذه اللحظة حتّى يغلبُها الخجل، ليس فقط ممّا قالته، بل حتّى ممّا ندّت به من آهة أو صرخة مكبوتة. وتكون ليلة المجامعة الأولى مركزَ هذا الإحساس الإخضاعي ومبدءه، أي لحظة الإيلاج الأولى، وما يسبقها من تصوّر وترقّب لها.

ولكن كيف جاز للمرأة بعد أن خاضت تجربة المجامعة، وبعد أن انكشف ستر التّابو والمحرّم، أن تسمح لنفسها بالوقوع في شراكه باستمرار، أي كلّما تكرّرت تجربة المجامعة؟ أفلا تعتاد على المسألة! من المؤكّد أنّ هذا يحدث في العديد من الحالات، بينما قد يستعصي إلاّ بعد فترات بعيدة، أي بتقدّم السّنّ، وذلك عندما تتهتّك مسوح التّابو، وتدخل المجامعة طور الاعتياديّة، أي فيما بعد السّتّين من العمر (عندها غالباً ما يكنّ قد فقدن جاذبيّتهنّ الجسديّة، أو يكون الرّجال قد ضعفت عندهم الباءة). كما يمكن أن يحدث هذا عند بعض النّساء اللائي لا يجدن غير الازدراء والتّحقير، والتّجريد من الأدب والأخلاق. لهذا نلاحظ من أشكال انغلاق الرّجل في نظرته الإخضاعيّة للأنثى، غضبه الشّديد من أيّ امرأة، أو فتاة، تتصرّف بشجاعة ومواجهة، أو، باستخدام اللفظ العامّي السّوداني، “بقوّة عين”. فالرّجل في هذا إنّما يتصوّر لحظة الإخضاع التي كان يمكن أن تمرّ بها نفس هذه المرأة حال مواقعتها. فلدى هذه الذّكوريّة الغاشمة يتمّ تعريف المرأة، مطلق امرأة، بتكوينها البيولوجي. وليس أيسر من أن تسمع تعليق أحد الرّجال على سلوك تقوم به امرأة يُلمس فيه التّحدّي، عمّا إذا لم يكن بها حِرّ؛ فكلُّ من تملك عضواً جنسيّاً نسائيّاً يصبح من المفترض اقتدار الرّجل، مطلق رجل، على إخضاعها، ليس فقط بإرغامها على ممارسة الجنس ولو بالقوّة، بل بمجرّد إيلاجه لعضوه الذّكري في عضوها الجنسي النّسائي. فوفق أحكام هذه الرّجولة الملتاثة لا يكون للمرأة من نُدحةٍ غير أن تخضع. وهل يبقى للقلعة المحصّنة غير أن تخضع في حال اقتحامها؟ وهل تقتحم القلعةُ إلاّ بالعنف! ثمّ هل هناك قلعة حوصرت، فلم تخضع في نهاية مطافها!

ما هو يا تُرى التّكتيتك الذي يقوم عليه هذا التّابو الذي قد يجعل المرأة سجينة حالة عمليّة الاغتصاب المتجدّدة طيلة سنيّ حياتها الأنثويّة؟ التّكتيك بسيط، ذلك كونه يتضمّن على فكرة تجدّد حالة العذريّة، بما يسمح بتجدّد حالة افتضاضها، بما يجعلها في حالة خضوع مستمر. ومن تجلّيّات انخضاع المرأة للرّجل لمجرّد أنّه الذي ينتهك عذريّتها بطريقة مستمرّة عدم سماحها لنفسها (في بعض الثّقافات) بنطق اسم زوجها، فتكنّيه باسم ولدها، من قبيل “يا أبو فلان!” إلخ. ومن ذلك تبجيل الأم الكبيرة (الماتريارك matriarch) لزوج بنتها بطريقة مصحوبة بوعي عالٍ بالخجل والحياء منه، بحيث لا تظهر أمامه بملابسها العاديّة، كما لا تأكل معه في مائدة واحدة، وقد لا ترفع بصرها إليه مباشرةً. ومردّ هذا إلى نفس الموقف إزاء زوجها أعلاه. تقف فكرة الجنس، من حيث هو مجامعة يقوم فيها الرّجل بهتك وقار المرأة لمجرّد الإيلاج، من وراء كلّ هذا السّلوك التّبجيلي، به تستعيد المرأة وقارها المسلوب عبر إسباغ الاحترام على الجاني culprit (أي الرّجل) الذي قام بالفعلة ابتداءً. فبالنّسبة للأمّ الكبيرة (الماتريارك matriarch) ليست بنتُها سوى ربيبتها، فضلاً عن كونها بضعةً منها. فالأمّ قد ربّت بنتها كيما تتصرّف بذات مخايل الطّهر والبراءة. وبما أنّ زوج البنت (النّسيب) يقوم بهتك كلّ هذا الوقار لدى مجامعته لبنتها، والتي بدورها لا تملك لحظتها من أمر نفسها شيئاً، فيغلب عليها غنج لذّة المجامعة، وهو ما ينتهك وقارَها ويذهب بصورتها الطُّهريّة البريئة. وبما أنّ هذا هو عين ما يفعله زوج الأمّ الكبيرة، عليه، لا يبقى أمامَها غير أن تُعامل زوج بنتها بنفس الطّريقة التي تعامل به زوجَها كونه قادراً على أن يفعل بها هي نفسها هذا بحكم أنّ له عضواً ذكريّاً.

وفي الواقع، هذه النّزعة الإخضاعيّة هي مصدر الإشباع المرضي الذي تنطوي عليه عمليّة الاغتصاب الجنسي بالنّسبة للرّجال من هذه العينة، بصرف النّظر عن عمر الضّحيّة ونوعها. وهي نفسها إحدى الدّوافع وراء الختان الذي يدمِّر الجهاز الجنسي للمرأة، بما من شأنه أن يحول دون استمتاعها بالجنس، وذلك تكريساً لإخضاعها. ولهذا جاز النّظر إلى العمليّة الجنسيّة التي يبلغ فيها الرّجل الذّروة دون المرأة (ولو بدا لها أنّها راضية عن هذا الوضع) بوصفها درجة من درجات الاغتصاب القائم على الإخضاع. وكذلك جاز النّظر للرّضى الظّاهري الذي قد تُبديه المرأة إزاء تكتيكات الإخضاع التي يتمّ تصويرُها كلازم من لوازم أنوثتها، على أنّه من قبيل اعتياد العبد للعبوديّة للدّرجة التي يرفض معها نيل الحرّيّة. أي عندما يبلغ الإخضاع أعلى درجاته فينتج عن هذا إلغاء الإنسانيّة de-humanization، وهو بالفعل أقصى وأقسى درجات الظّلم.

ولكن كيف تعمل هذه الميكانيزمات التي تقبع في أعماق تلافيف الوعي غير المباشر؟ في رأينا أنّها تعمل عبر عدد كبير ومتشابك من الميكانيزمات التي تتضافر جميعها لتأسيس to institutionalize تعيير جسد المرأة.

 مجتزأ من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان