فائز السليك قبل عامين، وللبشير دون شك  كانت غصةٌ  في حلقه، فقد كان ثمة أمرٍ آخر يخيفه عند الذهاب إلى جوبا ، وهو استلام العلم من نائبه الأول، والذي صار "نظيره" رئيس الجنوب سلفاكير ميارديت، فقد كنت شخصياً شاهداً على استعدادات الجنوبيين في جوبا بالاحتفال الكبير،

وكان من ضمن الفقرات انزال علم السودان، وتسليمه للبشير، وهو أمرٌ سبب للرجل الكثير من الأرق رغم مظاهر الفرح الظاهري، فقد كشف سلفاكير في حفل افطار رمضاني أقامه للمسلمين في قصره الرئاسي في العشرين من رمضان، الموافق العشرين من اغسطس 2011 أن البشير سأله في العاصمة الأثيبوية أديس أبابا قبل بضعة أيام من الاحتفال، إن كان بالفعل سيعطيه علم السودان؟. وروى سلفاكير أنه أكد للبشير رغبته في تسليم العلم، ثم أعاد البشير السؤال مرةً ثانية في صبيحة التاسع من يوليو بمطار جوبا، حيث كان كير في استقباله ، باعتباره نائبه الأول رسمياً حتى تلك اللَّحظات، وكان البشير حزيناً ، ومتوتراً، وهو يعيد ذات السؤال حول العلم، ورفض البشير استلام العلم ، وبرر ذلك بأن الجنوب لم يكن مستعمراً حتى يسلم العلم للشمال، إلا أن سلفاكير كان يضمر شيئاً آخر، ففي لحظة  انزال العلم السوداني من السارية ، أعلن الرئيس الجنوبي أن جوبا ستحتفظ بالعلم في المتحف، وأعتبرت أن العلم هو جزء من تاريخ وتراث الجنوب.

وتنفس البشير الصعداء، واحتفظ سلفاكير بعلم السودان الكبير بألوانها المعروفة مع تحفظ كثيرين عليه، وعلاقته بأعلام الدول العربية ، أكثر من تعبيره عن (هوية) سودانية جامعة، وسجل سلفاكير هدفاً في مرمى البشير عبر حقباً من المرارات، لأن اليوم كان بالنسبة لسلفاكير يوم فاصل، أدخله التاريخ عبر أبوابه ( كأول رئيس لدولة الجنوب المستقلة ).

ويوم الثلاثاء الماضي سجل سلفاكير هدفاً آخراً بانحنائه أمام علم السودان في مطار الخرطوم، باعتبارها خدم تحت هذا العلم،  وهو لا يزال يكن كل الود له، ولأهله، وان اختلف مع سياسييه وحكومته،  وهي لقطة سرقت اهتمام الإعلام من مفاوضات ( الغرف المطلقة )، وبيانات ( العلاقات العامة) ، مثل التعاون المشترك، العلاقات الأزلية، مصالح السودانيين في الشمال وفي الجنوب ، وربما كانت انحناءة سلفاكير أهم من كل تلك الخطب الحماسية والكلام المكرور، وبالطبع فالصحافي ( الشاطر ) هو من استرق الخبر من تحت كل تلك الركامات .

لكن؛ هذا لا يعني حل القضايا العالقة، فهناك ملفات ساخنة سوف يزيد العنصريون من سخونتها، مثل ( ملف الحريات الأربع)، وأوضاع السودانيين في الجنوب، والسودانيين الجنوبيين في الشمال، مع أن الأمر للأسف تجاوز مسائل الجنسية المزدوجة لعلو الصوت العنصري في الشمال وانتصاره على الدعوات العقلانية .

كما أن هناك أكبر قضية حالية، وهي قضية الحرب في حنوب كردفان ودارفور والنيل الأزرق، وهي حرب لن تحل بالأماني، ولا بخطب العلاقات العامة، بل تحل بإرادة السودانيين في الشمال أنفسهم، وهي عندي كلمة السر، وعبرها سوف تذلل كل العقبات، وستصبح كل الملفات ملفات سهلة الضهم، لكن يبقى السؤال، هل سيحل البشير هذه الأزمة؟؟ أنا من وجهة نظري أستبعد ذلك. وإلى حين تلك المرحلة ستظل انحناءة سلفاكير للعلم هي أكبر الأحداث.