محجوب محمد صالح الإنجاز الأساسي الذي حققته زيارة الساعات السبع التي أمضاها رئيس حكومة جنوب السودان الفريق سلفاكير في الخرطوم الثلاثاء الماضي كان هو التأكيد على استمرار ضخ بترول الجنوب عبر أنابيب الشمال وتجاوز تهديد السودان بوقف الضخ بدءا من صباح (الجمعة)،

وهو قرار كان أصلا متوقعاً بعد الضغوط العديدة التي مورست ضد الخرطوم إقليميا عبر الاتحاد الإفريقي وعالميا عبر الصين, المستثمر الأكبر في نفط الجنوب, إضافة لماليزيا والهند. ما تبقى من البيان الختامي كان تكراراً لوعود ظلت تتكرر برتابة مملة منذ توقيع الاتفاقيات التسع قبل عام من الزمان دون أن يصاحب تلك الوعود التزام بالتنفيذ, بل إن التنفيذ توقف تماما عدة مرات خلال العام.

إذا أجرينا تقييما لمخرجات الزيارة وما احتوى عليه بيانها الختامي مسترشدين بتجربة هذا الماضي القريب فإننا لن نصفها بأكثر من أنها (خمر قديمة في قنانٍ جديدة) وأنها أقوال لم تصاحبها أفعال, ولكن ثمة متغيرات تجعل احتمالات التنفيذ -على الأقل التنفيذ الجزئي- أكبر الآن من أي وقت مضى, ولكن للأسف أكثر هذه المتغيرات يمكن أن تصنف في خانة المناورات قصيرة الأمد, فهي تغييرات «تكتيكية» وليست استراتيجية, ومن ثم لا يمكن أن نعول عليها كثيرا, خاصة في ظل غياب الرؤية الشاملة والإرادة السياسية الفعالة, فهي متغيرات فرضها الواقع الاقتصادي والسياسي في البلدين حيث أجبرهما على خطاب إعلامي وسياسي أكثر اتزانا وموقف تفاوضي أكثر مرونة ويمكن حصر بعض هذه المتغيرات في:

أولاً: تردي الموقف الاقتصادي في البلدين تحت ظروف القطيعة الاقتصادية, وتحميل الشعبين من الأعباء ما هو فوق طاقتهم, وقد فرض ذلك على الحكومتين مراجعة الموقف, خاصة مع ارتفاع النبرة الاحتجاجية ضد تلك المعاناة وعلو أصوات نافذة مطالبة بالعقلانية وعدم التضحية بالمنافع والمصالح الاقتصادية على مزيج الكيد السياسي.

ثانيا: اللعب بكرت النفط وصل مداه وخلق ردة فعل سلبية لدى الدول المستثمرة في نفط الجنوب والشمال وعلى رأسهم الصين التي يحتاج لها البلدان والتي عبرت عن قلقها من العبث باستثماراتها واستثمارات ماليزيا والهند في لعبة (صفرية) النتائج, بل هي ترقى لمستوى الانتحار المتبادل الذي يؤذي مصالح تلك الدول.

ثالثا: كلا الحكومتين تعانيان احتقانا سياسيا داخليا وارتفاعا للأصوات المعارضة حتى من داخل صفوف الحزب الحاكم في البلدين, ولا تستطيع الحكومتان مواجهة معارضة داخلية وتوترات ثنائية وأزمة اقتصادية في آن واحد, فليكن الانفراج الاقتصادي -على الأقل- مدخلا لإحداث انفراجة داخلية قد تغير الواقع المأزوم قليلا, وتوقف ضغوطا إقليمية ودولية متزايدة, وتسكت أصوات دول مستثمرة في قطاع النفط تعتمد الدولتان على دعمها ومناصرتها في هذه المرحلة.

وكل هذه المبررات تدخل في باب (التكتيك) المؤقت الذي قد لا يستمر طويلا إذا حدثت أية متغيرات جديدة وهو لا يرقى إلى مستوى الرؤية الاستراتيجية الكاملة التي تتبنى مشروعا للسلام الداخلي والخارجي وتغييرا جذريا في نظام الحكم, وتحولا ديمقراطيا يستصحب رؤى القواعد في مستقبل العلاقة بدلاً من القرارات الفردية الانفعالية, وبناء تلك العلاقة على أسس تكاملية, فالتسوية الحالية تفتقد عنصرين أساسيين هما: الرؤية الاستراتيجية الشاملة, والإرادة السياسية الغلابة التي تنجز مشروعا متكاملا.

وإذا ظلت الدولتان تعانيان من حروب داخلية في بعض أجزائها، ومن توتر سياسي من قوى معارضة جهيرة الصوت فهي ستظل تعيش في دوامة الحلول العسكرية والمواجهات الداخلية التي ستنعكس سلبا على العلاقات بين الشمال والجنوب. وما دامت الحرب الأهلية دائرة في جبال النوبة والنيل الأزرق في دولة وفي ولاية جونقلي وولاية الوحدة في الدولة الأخرى فإن ذلك الوضع سينعكس على مستقبل العلاقة الثنائية بين الدولتين, ويوفر الفرصة لتبادل الاتهامات حول الحرب بالوكالة مهما تحسنت لغة الخطاب السياسي وأجزلت الوعود. وإذا ظلت الأنظمة الحاكمة في البلدين محاصرة بمعارضة تشمل حتى صفوف الأحزاب الحاكمة نفسها فإن منهج القوة في حسم الصراعات السياسية سيتسرب إلى العلاقة الثنائية مهما كانت الجهود الإقليمية والدولية المبذولة عبر الوساطات المختلفة.

البحث عن السلام لا يتجزأ, والبحث عن الاستقرار السياسي لا يتجزأ, وإذا كان السلام والاستقرار غائبا في البلدين فلن يتوفر السلام والاستقرار بين دولتي الجوار التي ترتبط علاقتهما الثنائية بموروثات وتحالفات الماضي القريب. قد ينتج اتفاق الأمس على المدى القريب أجواء متفائلة ولكنها مهددة بالزوال إذا واجهت أية عقبة، محسوبة أو غير محسوبة، في المناطق الحدودية أو في أبيي أو مناطق الصراع الحدودية في الشمال أو الجنوب!.

د. محجوب محمد صالح
mahgoubsalih@maktoob.com

نقلا عن صحيفة العرب