د. سلمان محمد أحمد سلمان 1 نشر الأستاذ عبد الله الفكي البشير مقالين يومي السبت 31 اغسطس، والأثنين 2 سبتمبر عام 2013 بجريدة الصحافة السودانية بالخرطوم وعلى عددٍ من المواقع الالكترونية بعنوان "تعقيب على تعقيب الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان – لا يستقيم الاطلاق قط مع إعلان أي نتائج لأي بحث علمي."

وقد حاول الأستاذ عبد الله الرد على المقالين اللذين قمنا فيهما بالرد على تعقيباته الثلاث. وقد كانت تعقيباته تلك رداً على المقابلات الأربعة التي أجراها معي الأستاذ الطاهر حسن التوم في برنامج “مراجعات” حول مفاوضات اتفاقية مياه النيل لعام 1959.

لم تغيرّ مقالات الاستاذ عبد الله قناعاتنا أنه لم يقمْ أيٌ من الأحزب السودانية بالاعتراض على اتفاقية مياه النيل بما في ذلك الحزب الجمهوري. وقد قرأنا تلك المقالات على أنها تعضيدٌ لموقفنا الذي بنيناه على بحثٍ مكثّفٍ ودقيقٍ وصارم لخفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل لعام 1959. 

بل أثارت مقالات الاستاذ عبد الله تساؤلاً كبيراً ومشروعاً وهو: إذا كان الحزب الجمهوري قد وقف تلك الوقفة الشجاعة في مسالة مياه النيل وحقوق السودان خلال فترة الحكم المدني الأولى (1954 – 1958)، فلماذا صمتَ عن ضياع تلك الحقوق بعد أن وقّعت حكومة الفريق إبراهيم عبود على اتفاقية مياه النيل في 8 نوفمبر عام 1959؟ ولماذا لم يعلن الحزب معارضته للاتفاقية بعد التوقيع عليها كما كان قد فعل قبل التوقيع عليها (كما يقول الأستاذ عبد الله)؟

إننا نعتقد أن هذا السؤال قد أصبح محور وقلب النقاش كما سنوضّح في هذا المقال، وعلى الإخوة في الحزب الجمهوري،خاصةً الأستاذ عبد الله، التركيز ومحاولة الإجابة عليه بدلاً من محاولة القدح في أسلوبنا البحثي والحديث في العموميات.

2

حاول الأستاذ عبد الله الربط بين حقيقة أن المفاوضات بدأت في عام 1955، واستمرت حتى عام 1959، وبين مقالات الحزب الجمهوري والأستاذ محمود محمد طه خلال تلك الفترة. وذكر أن مقالات الحزب الجمهوري والأستاذ محمود محمد طه التي نُشِرتْ عام 1958 صدرتْ أثناء عملية التفاوض وبالتالي هي رفض للاتفاقية.

ولكي يتم قبول هذا الطرح فلا بد أن يكون موضوع مقالات الحزب الجمهوري والأستاذ محمود هو ما دار ونتجت عنه تلك المفاوضات، وأن تناقش تلك المقالات وترفض ما دار في تلك الجولات من التفاوض، فهل حدث هذ؟

الإجابة هي لا وألف لا. فمقالات الحزب الجمهوري والأستاذ محمود محمد طه شملت العموميات ولم تتناول لا من قريبٍ أو من بعيد ما كان يدور في تلك المفاوضات لسببٍ بسيط. وهذا السبب هو أن تلك المفاوضات وما دار فيها كان وقتها سرّياً. ولقد ظلّ جلُّ ما دار في تلك الجولات من التفاوض مدفوناً في دور الوثائق حتى قرّرنا في عام 2008 أن نتحراه بالبحث عن تلك الوثائق في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والسودان، وفي كتبٍ نادرة بحثنا عنها وعثرنا عليها بعد مشقةٍ كبيرة في لندن والقاهرة والخرطوم.

وقد كانت مقالاتنا الأربعة عشر بعنوان “خفايا وخبايا مفاوضات اتفاقية مياه النيل لعام 1959” هي أول ما كشف النقاب عن المفاوضات، وعدد جولات التفاوض، وما دار فيها، ومن مثّل السودان. وكانت مقالاتنا أول ما أوضح التنازلات الكبيرة التي قدّمها السودان، واحدةٍ بعد الأخرى. وقد امتد جهدنا البحثي ذلك لأكثر من ثلاثة أعوام، وشمل التجوال بين تلك العواصم الأربعة.

3

دعونا نلقي نظرة على تنازلات السودان التي بدأت عام 1955 من جهة، وكتابات الحزب الجمهوري والأستاذ محمود محمد طه من الجهة الأخرى. وسنرى ونجد أنه لا علاقة بين ما كان يجري في غرف التفاوض المغلقة في الخرطوم والقاهرة، وبين ما كان يكتبه الحزب والأستاذ محمود في قضايا مياه النيل في تلك الفترة، والذي وصفناه بالعموميات.

بدأت جولة المفاوضات الأولى في سبتمبر عام 1955 في الخرطوم. وفي تلك الجولة قدّم السودان طلبه لمصر للموافقة على بناء خزان الروصيرص لري امتداد المناقل وتحديد نصيبه من مياه النيل والذي قدّره السودان بثلاثةٍ وعشرين مليار متر مكعب. أعلن الوفد المصري ترحيبه بقيام خزان الروصيرص ولكنه ربط موافقته على ذلك بقيام السد العالي. واشترط ايضاً أن يتمَّ بناء خزان الروصيرص بعد بناء السد العالي، ويتمَّ توزيع مياه النيل بعد قيام السد العالي لأن نصيب السودان من مياه النيل لن يكون متاحاً قبل قيام السد العالي. كما أصر الوفد المصري أن يتقاسم السودان مع مصر فاقد التبخر في بحيرة السد مناصفةً، لأن السد العالي (كما أدعي الوفد المصري) سيتم بناؤه لمصلحة مصر والسودان معاً.

أصرّ الجانب المصري على ذلك الطرح السيريالي طيلة أسبوع التفاوض. ورغم رفض السودان لذلك الطرح الغريب وتلك المطالب الظالمة في الجولة الأولى للمفاوضات، إلا أنه عاد وقبل في الجولة الثالثة والتي جرت في القاهرة في أبريل عام 1955  قيام السد العالي. وقد اشترط السودان “أن يُعوّض أهالي حلفا تعويضاً عادلاً.”  وقد كان ذلك دون شك تنازلاً كبيراً من السودان وحدثاً جللاً في عملية التفاوض. فالمسألة بالنسبة للسودان لم تعد بعد أبريل عام 1955 قيام السد العالي وإغراق منطقة وادي حلفا وقراها، بل تركّزت على مبلغ التعويضات.

ماذا نال السودان مقابل ذلك التنازل الكبير؟ لا شئ إطلاقاً. بل لقد فتح ذلك التنازل الضخم، والسهولة التي تمّ بها، شهية المفاوض المصري لمزيدٍ من التنازلات التي قدّمها السودان، واحدةً بعد الأخرى، وبدون مقابل أيضاً. وكما نجحت مصر في عام 1912 في ربط بناء خزان سنار بخزان جبل أولياء الذي بنته مصر لمصلحتها داخل الأراضي السودانية في ثلاثينيات القرن الماضي، فقد نجحت مصر مرةً ثانية في عام 1955 في ربط خزان الروصيرص بالسد العالي. وهكذا توطّد وترسّخ مبدأ “سدّ مقابل سدّ” – خزان جبل أولياء لمصلحة مصر مقابل خزان سنار لمصلحة السودان، والسد العالي مقابل خزان الروصيرص. ومثلما أغرق خزان جبل أولياء أراضي زراعية ضخمة واضطر الآلاف من السودانيين للنزوح، فقد حدث نفس الشئ عند بناء السد العالي. ولكن نتائج السد العالي السلبية على السودان كانت أكبر حجماً وأعلى تكلفةً وأكثر كارثيةً.  

هل تناول الحزب الجمهوري والأستاذ محمود هذه القضايا المحدّدة في كتاباتهم ومحاضراتهم؟ الإجابة كما سنرى بعد قليل هي بالنفي الكامل.  

4

تواصل التفاوض ولم تحقّق الجولة الرابعة التي انعقدت في يونيو عام 1955 أي تقدمٍ في المسائل العالقة. ودارت الجولة الخامسة في نهاية شهر ديسمبر عام 1957. وفي تلك الجولة احتدم الخلاف حول حجم التعويض العادل. فبينما طالب السودان بمبلغ 35 مليون جنيه مصري، عرضت مصر مبلغ 10 مليون جنيه مصري فقط، شاملةً التعويض عن الآثار والمعادن. وكان السودان قد أثار مسألة الشلال الثاني (شلال سمنه) الذي ستغرقه مياه السد العالي، والتعويض عن الطاقة الكهربائية المتاحة التي سيخسرها السودان نتيجة غرق هذه الشلالات. لكنّ مصر لم تتزحزح قيد أنملة عن عرضها لمبلغ العشرة مليون جنيه مصري. أثار السودان أيضاً مسألة مدِّه ببعض كهرباء السد العالي، ولكن  مصر تجاهلت ذلك المطلب، ولم يواصل السودان مطالبته تلك.

5

كانت تلك هي الصورة التفاوضية وموقف السودان ومصر عندما بدا الحزب الجمهوري والأستاذ محمود محمد طه التحدّث والكتابة عن مياه النيل في العامين 1957 و 1958، والتي أوردها الأستاذ عبد الله الفكي وذكر أنها رفض لاتفاقية مياه النيل. فماذا قال الحزب والأستاذ محمود؟ سوف نأخذ بعض النماذج التي قدمها الأستاذ عبدالله نفسه لما كتبه ونشره الحزب الجمهوري والأستاذ محمود في تلك الفترة وسماه رفضاً للاتفاقية، ونستميح القارئ العذر في بعض التكرار.

كتب الأستاذ عبد الله أنه “في يوم الأحد 14 سبتمبر 1958م نشر الأستاذ محمود في صحيفة أنباء السودان مقالاً بعنوان: “مشكلة مياه النيل.” يكشف المقال عن المتابعة الدقيقة للأستاذ محمود لسير المراسلات بين الحكومتين السودانية والمصرية، وحرصه على نقد التعاطي من قبل الدولتين مع ملف المياه ونقده بشكل أشد لمواقف حكومة السودان. كتب الأستاذ محمود في مستهل مقاله قائلاً: “لقد جاء في رد مصر على مذكرتي جمهورية السودان الخاصتين بمشكلة مياه النيل المؤرختين 19 أغسطس و25 أغسطس من هذه السنة ما يأتي: “نود أن نسترعي النظر إلى ما بين هاتين المذكرتين من اختلاف في الاسلوب والاتجاه، إذ ترحب المذكرة الثانية بفتح باب المفاوضات حرصاً على ما بين الشقيقتين من علاقة في حين أن المذكرة الأولى بإعلانها عدم الاعتراف باتفاقية سنة 1929م من جانب واحد لم تهيئ جو الثقة المتبادل الواجب توافره في أية مفاوضات.”

هذا المقال تطرّق لاتفاقية مياه النيل لعام 1929 والتي كانت حكومة السيد عبد الله خليل قد رفضتها، وليس عن اتفاقية عام 1959 التي لم يكن قد تمّ التوقيع عليها في 14 سبتمبر عام 1958 عندما كتب الأستاذ محمود مقاله.  ولم يرد ذكر في المقال لأيٍ من تنازلات السودان الكبيرة التي أشرنا إليها وأهمها ترحيل أهالي حلفا ومبلغ التعويضات وكمية المياه التي كان يطالب بها السودان.

6

ويتكرّر المشهد عند ما يكتب الأستاذ عبد الله أن الأستاذ محمود قدّم محاضرة في مساء يوم 23/7/1958 بمدينة مدني، كانت بعنوان: “الموقف الدولي الراهن”، ونُشِرت المحاضرة بصحيفة السودان الجديد تحت عنوان: “الحكومة القومية خطرة وستضيع على السودان مياه النيل والحدود.” تحدث الأستاذ محمود في تلك المحاضرة قائلاً: “فالحكومة القومية… خطرة لأنها ستأتي بأغلبية الموالين لمصر من الأحزاب وبالتالي تضيع المشاكل المعلقة بيننا ومصر وهي مياه النيل والحدود ولذلك يحبذ أن تكون في هذا الوقت حكومة حازمة من جهة مصر حتى تحل هذه المشاكل.” 

مثل سابقاتها فهي محاضرة عن عموميات مياه النيل قُدِّمت في شهر يوليو عام 1958، ولم تتطرّق لا من قريبٍ أو بعيد لأيٍ من القضايا الصعبة التي كانت محل التفاوض والجدل الحاد بين مصر والسودان في ذلك الوقت، ولا التنازلات الكبيرة التي قدمها السودان.

7

ثم يكرّر الأستاذ عبد الله أن الأستاذ محمود كتب في 3 مايو 1958 في صحيفة أنباء السودان، العدد 149، مقالاً بعنوان: “نظرات في السياسة الخارجية والداخلية: “بلغنا أن حكومة السودان قد استعدت بالوثائق التي تؤيد حقها في نزاع الحدود ولكنها لا تنوي أن تثير المسألة من جانبها وإنما تترك البدء لمصر.” ثم أضاف الأستاذ محمود رابطاً بين نزاع الحدود ومشكلة مياه النيل فكتب قائلاً: “ولما كانت المسائل المعلقة بيننا وبين مصر لا تقف على مسألة الحدود فقط وإنما تتعداها إلى ما هو أهم منها مثل مشكلة مياه النيل التي لا بد من حلها حلاً نهائياً حتى نستطيع أن نمعن في استغلال حصتنا من المياه.”

مرّة أخرى هذا مقال عن عموميات العلاقة عن الحدود ومياه النيل بين مصر والسودان تمّت كتابته في شهر مايو عام 1958، ولم يتطرق إطلاقا لقضايا التفاوض التي كانت محل جدلٍ بين السودان ومصر  في ذلك الوقت.

8

من هذا العرض الموجز يتّضح لنا أنه لم تكن هناك علاقة مباشرة بين مقالات ومحاضرات الحزب الجمهوري والأستاذ محمود محمد طه عن مياه النيل من جهة، وبين ما كان يدور في جولات التفاوض بين مصر والسودان من جهةٍ اخرى. فمقالات الأستاذ والحزب كانت تدور في عموميات، بينما كانت المفاوضات تُركّز على قضايا محدّدة خسر السودان جلّها، واحدةً بعد الأخرى، دون أن يتطرّق الحزب الجمهوري (أو لذلك الغرض أي حزبٍ سوداني آخر) إلى تلك التنازلات والخسائر، سواءٌ كان وقت التفاوض أم بعد توقيع اتفاقية مباه النيل في 8 نوفمبر عام 1959.

غير أن تلك الكتابات المكثّفة من الحزب الجمهوري والأستاذ محمود عن مياه النيل خلال فترة التفاوض، خصوصاً في عام 1958، لا بُدّ أن تثير التساؤل الهام الاتي: مع كل ذلك الاهتمام بقضايا مياه النيل، لماذا لم يصدر الحزب الجمهوري بياناً يوضّح فيه موقفه من اتفاقية مياه النيل بعد أن تمَّ التوقيع عليها في 8 نوفمبر عام 1959؟ وهل يعقل أن يرفض حزبٌ الاتفاقية قبل التوقيع عليها ويهاجمها، ثم يصمت عنها صمتاً كاملاً بعد التوقيع عليها، ويدّعي بعد ذلك أنه عارضها قبل التوقيع عليها؟ ألا تمثّل المعارضة الحادة قبل التوقيع ثم الصمت الكامل بعد التوقيع تأييداً لتلك الاتفاقية؟

إن هذا في رأيي هو السؤال الذي يجب أن يُجيب عليه السيد عبد الله الفكي البشير والإخوة في الحزب الجمهوري (والأحزاب السياسية الأخرى). ونرى أنه لا بُدَّ من التركيز على هذا السؤال بدلاً من محاولات القدح في مصداقية منهجنا البحثي الصارم، وبدلاً من محاولة خلط الأوراق بين العموميات ومسائل التفاوض المحدّدة التي كان أهمها الترحيل القسري لأهالي حلفا.

وقد كان ذلك الترحيل القسري لخمسين ألف سوداني نوبي، وإغراق مدينة وادي حلفا ومعها 27 قرية وكذلك 200,000 فدان خصبة ومليون شجرة نخيل في قمة عطائها، وآثار لا تُقدّر بثمن وشلالات كانت ستولّد قدراً كبيراً من الكهرباء، هو النتيجة الكارثية لاتفاقية مياه النيل لعام 1959.

لكن رغم ظلم تلك الاتفاقية وجورها فإنه لم يعارضها الحزب الجمهوري، أو أي حزبٍ آخر، عندما أعلنها الفريق عبود على الشعب السوداني في 8 نوفمبر عام 1959. بل لقد أيدتها الأحزاب الثلاثة الرئيسية (الأمة، والوطني الاتحادي، والشعب الديمقراطي) بالبرقيات والبيانات، وأيدها الحزب الجمهوري، والحزب الشيوعي والحركة الإسلامية بالصمت.   

Salmanmasalman@gmail.com

www.salmanmasalman.org