د.  جمعة كندة كومى هذا المقال بمناسبة اليوم العالمى للشعوب الاصيلة والذى يصادف 9 أغسطس كل عام. والمقال والذى يأتى فى جزءين قدم فى شكل محاضرة بدار مجلس كيقا الذى اشتهر بدار النوبة يوم السبت 7 سبتمبر 2013.

فى الحلقة الاولى يركز المقال على ماهية الشعوب الاصيلة، وموضوع الاحتفال لهذا العام واهم الخطابات التى وجهت الى الشعوب الاصيلة بهذه المناسبة. بينما تتناول الحلقة الثانية حقوق الشعوب الاصيلة والشراكات الداعمه لها، مغزى ومضمون الاحتفال لشعوب اصيلة التى لم يعترف بها بعد، بما فيها الشعوب الاصيلة فى السودان.

 

. مفهوم وماهية الشعوب الاصيلة1

لا يوجد تعريف واحد جامع وشامل لمفهوم ” الشعوب الاصيلة “.  ومع ذلك يتفق معظم الخبراء وهيئات الامم المتحده وناشطى حقوق الانسان والشعوب بأن الشعوب الاصيله هي : مجموعة اثنية محددة  تقطن في منطقة جغرافية معينة يعتبرونها أرض الاجداد، ومع ذلك فهم مهمشون سياسياً واقتصادياً واجتماعياً حينما صاروا هم واراضيهم جزءاً من دولة ما . وقد وصف مكتب حقوق الانسان التابع للامم المتحدة (الشعب الاصلي) بأنه هو الذي ولد وعاش وتوالد وصار جزءاً من مكان معين وله ثقافته وتاريخ معين يريد المحافظة علي عاداته وتقاليده وثقافته وهو الذي يعاني من الظلم لأنه لا يختلف عن الشعب الذي يسيطر علي الحكومة.

 ويعرفون في التشريعات الدولية والوطنية بانهم هم مجموعة من الناس لديهم حقوق خاصه قائمة على تاريخهم المرتبط باراضيهم ولديهم تميز ثقافي يميزهم عن غيرهم من بقية السكان في دولة ما . من اهم الخصائص المشتركة بين الشعوب الاصيلة هي انهم معرضون لابشع عمليات الاستغلال والتهميش المركب والاضطهاد والاقصاء بواسطة مؤسسات الدول رغم انهم مكون اصيل فيها. من اجل هذا فقد تم وضع حزمة من الحقوق الاساسية خاصه بالشعوب الاصيلة من اجل حمايتهم بواسطة المنظمات الدولية اهمها الامم المتحدة ومنظمة العمل الدولية والبنك الدولي . ولتحقيق ذلك فقد وضعت الامم المتحدة مايعرف بـ “اعلان حقوق الشعوب الاصيلة ” لكي تسترشد بها الدول الاعضاء في وضع سياسات وتشريعات لحماية الحقوق الجماعية للشعوب الاصيلة فيما يتعلق بـ 1- ثقافاتهم 2- لغاتهم 3- هوياتهم 4- اراضيهم ومواردهم 5- سبل كسب عيشهم 6- وحق التعليم والصحة . بالرغم من عدم وجود احصائيات دقيقة الإ انهم  يقدرون اجمالاً في العالم ما بين  220-350 مليون نسمة. ومن خلال ماسبق يتضح ان الشعوب الاصيلة تشترك في اربع خصائص رئيسية هي:

(أ) تميز ثقافي ولغوى وعرقى فى الحقوق والحياة العامة. (ب) تاريخ مرير من الخضوع القسري والتهميش المركب والاضطهاد. (ج) التعريف الذاتي بانهم شعوب اصيلة. (د) اسبقيتهم في الوجود فيما يظنون انها  اراضيهم والتي ترتبط باجدادهم وبهوياتهم الثقافية وقاعدة لسبل كسب عيشهم. (ه) لديهم خصائص ثقافية ولغوية مشتركة ونظام اجتماعي وديني واقتصادي مميز.

 

2. اليوم العالمى للشعوب الاصيلة وموضوع الاحتفال هذا العام

في كانون الأول ديسمبر 1994، قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإنهاء قرون من عدم المبالاة الدولية تجاه الشعوب الأصيلة حول العالم وذلك من خلال إعلان 9 آب/أغسطس يومًا عالميًا للشعوب الأصيلة في العالم مستهدفًا تعزيز وحماية حقوق الشعوب الأصيلة، شمل الاحتفال الدولي الجديد تشجيع التوعية العامة بثقافات أبناء الشعوب الأصيلة والتحديات المعاصرة التي يواجهونها. ومنذ ذالك الحين يُحتفل به سنويا في أثناء العقد الدولي الأول للشعوب الأصيلة (من 1995 إلى 2004). ومنذ إنشاء الاحتفال بهذا اليوم الدولي، وانقضاء أول “عقدين دوليين” للشعوب الأصيلة، برزت مجموعات عديدة من حول العالم لدفع تقدم ثقافات الشعوب الأصيلة ومصالحها. وفي عام 2004، أعلنت الجمعية العامة انتهاء العقد الاول وبداية العقد الدولي الثاني للشعوب الأصيلة في العالم، الذي يمتد من 2005 إلى 2015، وموضوعه هو ’’عقد للعمل والكرامة‘‘.

موضوع هذا العام هو: “بناء تحالفات الشعوب الأصيلة: تشريف المعاهدات والاتفاقات وغيرها من الترتيبات البناءة”.

ويهدف موضوع هذا العام إلى تسليط الضوء على أهمية تكريم الترتيبات بين الشعوب الأصيلة والدول ومواطنيها، اللواتي اختيرت للاعتراف بحقوقهم الثقافية واللغوية والدينية وملكيتها لاراضيها. وترسم الاتفاقات أيضا الخطوط العريضة لرؤية سياسية للشعوب ذات سيادة مختلفة يعيشون معا على نفس الأرض، وفقا لمبادئ الصداقة والتعاون والسلام. وفى اطار الاحتفال وجه الأمين العام للامم المتحدة بان كى مون الرسالة التالية:

بمناسبة اليوم الدولي للشعوب الأصيلة في العالم بمناسبة هذا اليوم الدولي للشعوب الأصيلة في العالم، نؤكد أهمية الالتزام بالمعاهدات والاتفاقات وغيرها من الترتيبات البناءة بين الدول ومواطنيها وشعوبها الأصيلة. وتتيح هذه الترتيبات التوافقية فهماً لآراء هذه الشعوب وقيمها على نحو أفضل وتكتسب أهمية لحماية حقوقها والنهوض بها وتحديد الرؤية السياسية والأطر اللازمة لتعايش مختلف الثقافات في تناغم.

وتمثل الشعوب الأصيلة تنوعاً مذهلاً يربو على 5000 مجموعة متمايزة في نحو 90 بلداً. وتشكل هذه الشعوب أكثر من 5 في المائة من سكان العالم، أي نحو 370 مليون شخص. ومن المهم أن نسعى جاهدين لتعزيز الشراكات التي تساعد في صون الزخم الثقافي وفي الوقت نفسه القضاء على الفقر وتحقيق الإدماج الاجتماعي والتنمية المستدامة.

ويجب أن نكفل مشاركة الشعوب الأصيلة – نساءً ورجالاً – في عملية صنع القرار على جميع المستويات. ويشمل ذلك إجراء مناقشات بشأن الإسراع في اتخاذ إجراءات نحو تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية وتحديد خطة التنمية لما بعد عام 2015. ولقد أوضحت الشعوب الأصيلة بأنها تتطلع إلى تنمية تراعي ثقافتها وهويتها وحقها في تحديد أولوياتها. ولذلك، يتعين إدماج حقوق الشعوب الأصيلة ومنظوراتها واحتياجاتها في خطة التنمية لما بعد عام 2015.

ويتيح المؤتمر العالمي للشعوب الأصيلة الذي سيعقد العام المقبل فرصة للنهوض بقضية الشعوب الأصيلة في كل مكان. وإنني أحث الدول الأعضاء على اتخاذ خطوات ملموسة من أجل التصدي للتحديات التي تواجهها الشعوب الأصيلة، ولا سيما تهميشها وإقصائها، وذلك من خلال الوفاء بجميع التزاماتها ودراسة ما يمكن أن تبذله أكثر من ذلك. فلنعمل معاً لتعزيز حقوق الشعوب الأصيلة ودعم تطلعاتها. فلنبادر إلى إنشاء عالم يقدِّر قيمة ما يختزنه تنوع البشر من ثراء ويعزز ما يتيحه من إمكانات.

وفى اروقة منظمة الامم المتحدة للثقافة والعلوم (اليونسكو) وجهت ايرينا يوكوفا المديرة العامة للبونسكو خطابا للشعوب الاصيلة بهذه المناسبة قائلة:

يجب ان يكون التضامن مع الشعوب الاصيلة وشركائها من اجل صون وحماية ما تنفرد به السعوب الاصيلة من هويات ولغات ونظم معرفية ورؤى للعالم. وترى اليونسكو أن الاستدامة العالمية يجب أن تقوم على ركائز محلية تعبّر عن رؤى واحتياجات المجتمعات المحلية، بما فيها رؤى واحتياجات الشعوب الأصيلة. ولهذا السبب، فإننا نسعى إلى إدماج الثقافة في صميم عملية التنمية – بوصفها منبعاً يعزز الشعور بالهوية والتماسك ومصدراً للإبداع والتجديد. فلا يمكن لأي مجتمع أن يزدهر بدون ثقافة – وعلى ذلك لا يمكن لأي تنمية أن تكون مستدامة بدونها. وهو أمر تعرفه الشعوب الأصيلة أكثر من سواها، فهي تقوم بدور الحارس الأمين للثراء اللغوي والتنوع الثقافي، وتملك معارف فريدة من نوعها بشأن أنماط العيش المستدام واحترام التنوع البيولوجي. واشارت الى إعلان الأمم المتحدة لعام 2007 بشأن حقوق الشعوب الأصيلة الذى يؤكد ان “احترام معارف الشعوب الأصيلة وثقافاتها وممارساتها التقليدية يساهم في تحقيق تنمية مستدامة ومنصفة للبيئة وفي حسن إدارتها”. وانطلاقاً من هذه الرؤية وبغية حماية حقوق جميع الشعوب الأصيلة، نحن بحاجة إلى عقد تحالفات واتفاقات وترتيبات جديدة لتحقيق الاستدامة العالمية. وهذا هو التعهد الذي تقطعه اليونسكو على نفسها بمناسبة اليوم الدولي للشعوب الأصيلة في العالم.

ويشير تقرير صادر من الامم المتحدة حول حق التعليم والصحة للشعوب الاصيلة الى ان على الرغم من تكريس الأمم المتحدة ما يقارب العقدين اى عشرين عاما (1994-1915) للشعوب الأصيلة، فإن هذه المجموعة من الشعوب ما زالت تواجه مظاهر تمييز خطيرة في ما يتعلق بالانتفاع بالخدمات الاجتماعية الأساسية، بما فيها التعليم والرعاية الصحية والثقافة. ويعاني عدد كبير من هذه الشعوب  من أوضاع معيشية مهمشة ويدعو التقرير الى:

1) تطوير مبادئ توجيهية للشعوب الأصيلة تتناسب مع احتياجاتها وتطلعاتها، مما يجمع بين ثقافاتها ولغاتها وأساليب تعلمها. 2) دعم التفكير والعمل من أجل وضع المناهج الدراسية ومنهجيات التدريس التي تراعي حقوق الشعوب الأصيلة، وإمكانياتها، وخبراتها وتطلعاتها، لاسيما عن طريق إشراك هذه الشعوب في العمل الذي يجري تنفيذه في هذا المجال. 3) استحداث برامج تعليمية وتدريبية للشعوب الأصيلة تتعلق بحقوقها، واكتساب تقنيات التفاوض، والمهارات القيادية.