بينما يعاني المواطن السوداني من ضائقة معيشية خانقة، انضافت إليها كارثة السيول والأمطار التي نكبت عشرات الآلاف من المواطنين بفقد منازلهم وممتلكاتهم وقبل ذلك فقدان بعض ذويهم، قررت الحكومة مضاعفة معاناة المواطن السوداني،

ليس ب(رفع الدعم عن المحروقات وبعض السلع) – كما يتردد في كثير من وسائل الإعلام – وإنما ب(زيادة أسعار كافة السلع الضرورية) حتى تضاعف الحكومة أرباحها من جيب المواطن المسحوق! فهذا هو التوصيف الدقيق لما تنوي الحكومة فعله، أما الحديث عن “رفع الدعم” فهذا محض تضليل وخداع وطمس للحقائق بهدف تجميل وجه الحكومة. فالدعم الحكومي للسلع يعني ان تدفع الحكومة جزءا من قيمة السلعة حتى تصل للمواطن بسعر أرخص من سعرها الحقيقي، ومنذ ان طبقت الحكومة سياسات التحرير الاقتصادي وامتثلت ل(روشتة صندوق النقد الدولي) عام 1993م انتهى عهد الدعم إلى غير رجعة، ولأن سياسات التحرير الاقتصادي طبقت في ظل نظام شمولي السلطة فيه محتكرة لحزب مهيمن، ومبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص وسيادة حكم القانون غائبة تماما، نجد ان المواطن السوداني اكتوى بنار سلبيات التحرير الاقتصادي ولكنه حرم ومع سبق الإصرار والترصد من بعض ايجابيات هذه السياسة! فالتحرير الاقتصادي يعني ان تباع السلعة بسعرها الحقيقي لا أكثر ولا أقل،  ولكن المواطن السوداني ظل على الدوام يشتري السلع المختلفة بأكثر من سعرها الحقيقي أضعافا مضاعفة في بعض الاحيان!  لان شروط التنافس الحر وتكافؤ الفرص  غائبة والنظام السياسي والقانوني مصمم لحماية مصالح الحزب الحاكم ومحاسيبه وضمان سيطرتهم على الأسواق، لا لحماية المصلحة العامة.

لا شك ان الاقتصاد السوداني يعاني من أزمة كبيرة، ولكن على الحكومة ان تعلم أن الخطوة الأولى للخروج من الأزمة هي مواجهة الحقائق كما هي ماثلة في الواقع، وعلى رأس هذه الحقائق ان أس أزمة الاقتصاد السوداني هو انهيار القطاعات المنتجة ممثلة في الزراعة والصناعة بسبب الفساد وسوء التخطيط والإدارة، وتضخم الإنفاق السيادي والإداري بصورة سرطانية، والصرف الأمني والعسكري والسياسي الذي يتضخم يوما بعد يوم بسبب استشراء الحروب الأهلية، والنزيف المستمر في رأس المال البشري بهجرة أصحاب الكفاءات النوعية في مختلف المجالات،   والدين الخارجي الذي يثقل كاهل البلاد يوما بعد يوم ولا أمل في إعفائه نتيجة لأن النظام الحاكم غير مستوف لشروط إعفاء الديون بسبب السجل السيء في مجال حقوق الإنسان، وبسبب ان رأس النظام مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية وبسبب ان السودان ظل يتصدر لعدد من السنوات المتعاقبة قوائم الدول الأكثر فشلا والأكثر فسادا في العالم، وهي ذات الأسباب التي تجعل أهم الدول المانحة في العالم تحجم عن تقديم المساعدات التنموية للبلاد، هذه أهم أسباب الأزمة الاقتصادية وكلها أسباب ذات ارتباط وثيق بطبيعة نظام الحكم، ومن ثم فلا معنى لأي حديث عن إمكانية إصلاح اقتصادي في السودان مالم يكن ذلك مقرونا بتغيير سياسي جذري نحو الديمقراطية والحكم الراشد، ونحو رؤية اقتصادية تعلي من شأن الإنتاج المقرون بالتنمية البشرية بمعناها الشامل.

أما ما تفعله وزارة المالية من ترديد لاسطوانة “رفع الدعم” فهو دليل على ان الحكومة ماضية في سياسات إفقار المواطن وإثقال كاهله بما لا يطاق، وماضية في الكذب عليه ،بل وقلب الحقائق رأسا على عقب! فالحكومة التي تجني أرباحا طائلة من بيع البنزين والجازولين والكهرباء والسكر كما أثبت كثير من الخبراء الاقتصاديين تردد بلا حياء ان دعم المحروقات عبء على ميزانيتها! السودان حتى بعد انفصال الجنوب ينتج من خام النفط ما يكفي الاستهلاك المحلي ويتبقى له جزء للتصدير، وحسب خبراء اقتصاديين تربح الحكومة السودانية 12 جنيها في كل جالون بنزين لان التكلفة الحقيقية لجالون البنزين بعد تكريره لا تتجاوز 50 قرشا! كما تربح الحكومة 7 جنيهات في كل جالون جازولين! وتربح الحكومة خمسة قروش في كل كيلوواط من الكهرباء لأن تكلفة إنتاج الكيلوواط لا تتجاوز العشرة قروش! اما من القطاع التجاري والصناعي فإن الحكومة تربح في الكيلوواط الواحد ستة عشرة قرشا حيث تبيعه ب26 قرشا! أما السكر فإن المواطن السوداني يشتريه بضعف سعره العالمي! وكل هذا يدل على أن المواطن السوداني هو الذي يدعم هذه الحكومة وليس العكس، ولوضع الأمور في نصابها الصحيح يجب ان نقول : قررت الحكومة زيادة الأسعار لتعظيم أرباحها على حساب الفقراء، وسوف تتوالى الزيادات ما لم تتم مواجهتها بتحرك جماهيري كبير ومنظم.