بابكر فيصل قلت في الجزء الأول من هذا المقال إنَّ فشل جماعة الإخوان المسلمين في الحكم يرجعُ في الأساس لأسباب بنيوية مرتبطة بنوع الأفكار والعقائد وكذلك بطبيعة التنظيم, والتي تعمل على خلق جماعة تتميَّز بما إصطلحتُ عليه من "الإستعلاء والإستغناء",

حيث تفقد صلتها بالمُجتمع وتنكفىء على نفسها بحسبان إمتلاكها للحقيقة المطلقة.

وأواصل في هذا المقال إبراز ملامح نهج الإستغناء و ما يؤدي إليه بالضرورة من إخفاق عند تسلم السلطة.   

 يُمكننا التوقف للإجابة على سؤال الأديب الراحل : من أين جاء هؤلاء ؟ ونجيبهُ قائلين : جاءوا من رحم الإستعلاء والإستغناء, ولذلك إستبانت غربتهم عن المجتمع وتقاليده وأعرافه, لا يعرفون شيئاً خارج إطار التنظيم, ولا يفقهون شيئاً إسمه “الإختلاف” والتنوع, حيث تربوا على نهج “الطاعة” المطلقة الذي يُعاقب كل مختلف بعنفٍ رادع, ولا يسمحُ “بتعدد” الآراء والأفكار, ويتحكم في شؤون الكادر الشخصية.

قال القيادي المُنشق عن الجماعة في مصر “سامح عيد” أنهُ سأل قيادة التنظيم عن حدود “السمع والطاعة”, فقالوا له : طاعة فى غير معصية، فسألهم : هل صحيح أن العضو لكى يسافر أو يفتتح مشروعاً أو يتزوج لابُدَّ له من الإستئذان ؟ فكانت إجابتهم : طبعاً.

شباب الإخوان – بحسب عيد – تُدرَّس لهم سورة البروج التى ترسِّخ لقيم السمع والطاعة المطلقة دون نقاش للمسئول التربوى، وتزرع فيهم القيم من شاكلة ” كن فى يد أخيك كالميت فى يد المغسل”, لضمان استمرار العضو داخل التنظيم.

الجماعة تمضي في سبيل السيطرة على العضو لدرجة أنها تختارُ له ملابسهُ التي يرتديها, فها هو القيادي بفرع الجماعة بالسودان, أمين حسن عمر, يصف نوع الزي الذي يجب أن يرتديه كادر الإخوان بالجامعة : 

 “الزي الرسمي بالنسبة لهم عدم إتباع الموضات، لابد أن تكون في البنطلون طيه، وإذا لم توجد يكون هذا خروجاً عن المألوف والألوان المشجرة غير مقبولة وكذلك الصارخة، فالقميص لابد أن يكون أبيض أو بيج أو أزرق فاتح، والقميص لابد أن يكون كم طويل وبأزرار، ويجب عدم طي أطرافه والحذاء عادي ويغلق بسحَّاب من الجانب.. وكل الموضات في اللبس مستنكرة عند الاتجاه الإسلامي”. إنتهى

الشواهد على نهج الإستعلاء و الإستغناء كثيرة, وقد يبدو بعضها غيرُ لافتٍ للنظر ولكنه دال بصورة كبيرة, لماذا لا نجد بروزاً لكوادر الجماعة في الأنشطة المرتبطة بالإبداع الإنساني, والمُعبِّرة عن التواصل مع المجتمع ؟ أين الروائيون والتشكيليون والممثلون الذين أنجبهم التنظيم ؟ أين الفنانون الموهوبون والرياضيون ؟

الحُرية شرطٌ ضروري للإنسان المبدع, فكيف إذاً يستطيعُ الإبداع من لا يملكُ حتى حُريَّة إختيار ملابسه ؟

سيقول قائل: ولكن بينهم الطبيب والمحامي والمهندس, وسنردُّ عليه قائلين : هذه المهن والوظائف يتم توجيهها واختيارها من قبل الجماعة و هى مُسَّخرة بالكامل لخدمة أهداف التنظيم وليست بالضرورة مدعاة للتواصل مع المجتمع.

وعندما طرح الطيب صالح في مقاله المذكور السؤال التالي : “أما سمعوا مدائح حاج الماحي وود سعد ، وأغاني سرور وخليل فرح وحسن عطية والكابلي واحمد المصطفى ؟ أما قرأوا شعر العباسي والمجذوب ؟ أما سمعوا الأصوات القديمة وأحسُّوا الأشواق القديمة”.

فقد كان يعي أنَّ أجناس الأدب والفنون المختلفة من مثل المدائح والغناء والشعر هى التي تشكل الوجدان السليم للفرد الذي ينتمي إنتماءً حقيقياً للمُجتمع, فعندما تستمع للعميد وهو يتغنى ب “نحنا في السودان نهوى أوطانا, وإن رحلنا بعيد نطرى خلانا, نطرى جلساتنا في ضفاف النيل, والسواقي تدور في سكون الليل” يشكل ذلك جزءاً من تصوراتك ومفهومك للوطن, ولكن هل سمع أحدٌ بمطربٍ ينتمي للجماعة ؟.

الأعضاء محكومون بمنهج صارم يكبت الرغبات والميول الإنسانية الطبيعية, و يقتل المواهب, ويحصر الطاقات والجهود في كل ما من شأنه تأكيد نهج الإستعلاء والإستغناء فقط, حتى القرآن الكريم يقرأونهُ وفق تصورات يقينية بأنهم فئة مختلفة عن بقية فئات المجتمع, فتجدهم يركزون بصفة خاصة على سورة الكهف, بإعتبار أنهم هُم الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى.    

لا يتوقف نهج الإستغناء عند حد عزل الكادر عن المُجتمع, بل يمضي أكثر من ذلك لينفي “الوطن” نفسهُ, فالعضو يتربى على مقولات سيِّد قطب التي تنكر “الوطنية” ولا تعترف بأية رابطة سوى رابطة الإسلام, وهو القائل : “لا رابطة سوى العقيدة، ولا قبول لرابطة الجنس والأرض واللون والوطن والمصالح الأرضية والحدود الإقليمية إن هى إلا أصنامٌ تعبدُ من دون الله”.

وكان الطيب صالح قد طرح في مقاله سابق الذكر التساؤل التالي عن حكام السودان الإنقاذيين : “ألا يُحبُّون الوطن كما نُحبُّه ؟ إذاً لماذا يحبُّونهُ وكأنَّهم يكرهونهُ ويعملون على إعمارهِ وكأنّهم مُسخّرون لخرابهِ ؟”.

إنَّ الإجابة على سؤال الأديب الراحل تكمنُ في كلمات سيد قطب التي شكلت عقول أعضاء التنظيم ورؤاهم, وقد عبَّر مرشد الجماعة السابق في مصر, محمد مهدي عاكف, عن تلك العقلية عندما قال عن بلده الذي ولد وتربي وعاش فيه : “طز في مصر” في معرض حديثه عن رابطة العقيدة وعلوها على كل شىء سواها. 

ربما يقول قائل إنَّ نجاح تجربة حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي في تركيا يدحضُ فرضية هذا المقال التي تقوم على أنَّ الجماعة – وهى أم حركات الإسلام السياسي الحديثة – تحمل بذور فشلها بداخلها.

وهنا لا بُدَّ لنا من التوقف لتوضيح خطأ شائع بين الناس مفادهُ أنَّ حزب العدالة والتنمية صاحب توجه إسلامي شبيه بالإخوان المسلمين, والصحيح أنَّ الحزب الأقرب للإخوان هو حزب “السعادة” الذي كان يرأسهُ الراحل نجم الدين أربكان, ولهذا الموضوع خلفية لا بُدَّ من ذكرها لأنَّ من شأنها إيجاد مخرج للإخوان من مأزقهم التاريخي.

أربكان هو الأب الرُّوحي للحركة الإسلامية في تركيا, وهو مؤسس حزب الرفاه وأستاذ رجب أردوغان, وقد نجح في قيادة حزبه للوصول للسُّلطة ولكن تجربته في الحكم فشلت بعد سنة ونصف بسبب إرتكابه لنفس الخطأ الذي وقع فيه الإخوان المسلمين بمصر, حيث دخل في مواجهة شاملة مع الجيش, والتيارات القومية, والعلمانية, والقضاء, حتي إنقلب عليه الجيش في عام 1997 وتم حل حزبه.

قام أربكان بعد ذلك بتأسيس حزب الفضيلة الذي إنقسم فيما بعد لحزبين هما السعادة, والعدالة والتنمية, حيث بقى أربكان على رأس الحزب الأول بينما قاد تلاميذه وعلى رأسهم أردوغان و عبد الله غول الحزب الثاني.

إستفاد أردوغان ورفاقه من تجربة حزبي الرفاه والفضيلة بحيث لم يدخلوا في أية مواجهات وصدامات مع مؤسسات الدولة والقوى الإجتماعية والسياسية, وإلتزموا إلتزاماً صارماً بأسس وقواعد النظام الجمهوري, والدستور العلماني, وركزوا كل جهودهم في تطوير الإقتصاد وترسيخ النظام المدني والحُريات بعيداً عن النفوذ الكبير للجيش.

لم يتحدثوا عن خلافة إسلامية أو دولة رساليَّة , ولم يُنادوا بتطبيق الحدود الشرعية ولا بإلغاء الفوائد البنكية, بل إنَّ أردوغان رفض في أحد المرَّات المشاركة في منتدي البرلمانيين الإسلاميين – وهو أحد أذرع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين – وقال : لسنا إسلاميين.

وكان الأديب الرَّاحل قد تساءل في مقاله الأشهر عن الأحلام غير الواقعية لأهل الإنقاذ أوَّل عهدهم بالحكم قائلاً “أما زالوا يحلمون أن يُقيموا على جثّة السودان المسكين خلافة إسلامية سودانية يُبايعها أهل مصر وبلاد الشام والمغرب واليمن والعراق وبلاد جزيرة العرب ؟”.

وعندما زار أردوغان مصر بعد نجاح ثورة يناير 2011 دافع عن الدولة العلمانيَّة ونصح الذين يُعدِّون الدستور المصري بالحرص على “ضمان وقوف الدولة على مسافةٍ متساويةٍ من جميع الأديان”, وقال إنَّ ” الدولة العلمانية لا تعنى دولة اللادين، و أنَّ العلمانية الحديثة لا تتعارض مع الدين” بل تتعايش معهُ.

لا شىء إذاً في التجربة التركية يشبهُ ما رأيناهُ من تجارب حُكم جماعة الإخوان المسلمين سواءٌ في السودان أو مصر, ولكن فيها  ما يمثل مخرجاً لهذه الجماعة إن هى أرادت أن تحفظ لها مكاناً في مستقبل المنطقة.

لا بُدَّ أن تحدث ثورة داخلية تهز كيان الجماعة, ثورة في الأفكار وفي التنظيم, الأولى تتحرَّر من نهج العنف والإستعلاء, والثانية تكسرُ حاجز العُزلة والإستغناء, وهذه الثورةُ لا ينتظرُ أن تقوم بها القيادات العليا  لأنها هى صاحبة البضاعة الفكرية والتنظيمية التي أدَّت للفشل التاريخي للجماعة.

عبء الثورة يقعُ على عاتق الجيل الجديد من شباب الجماعة الذي يحملُ قدراً من الإنفتاح على العالم بسبب ثورة الإتصالات والتقنية, والمتأثر بزخم ثورات الربيع العربي وشعاراتها التوَّاقة للحُرية والعدالة, فضلاً عن مُعطيات العصر الحديث بما تشملهُ من مفاهيم حول التنوع و الدولة الوطنية والحقوق.

إذا لم يقع هذا التغيير الجذري في الفكر والتنظيم, وظلت الجماعة أسيرة لنهج الإستعلاء والإستغناء فسيكون الفشل حليفها كلما وصلت إلى سُدَّة الحكم سواءٌ كان ذلك عن طريق صندوق الإقتراع أو عبر فوهة البندقيَّة.

 

boulkea@gmail.com