أمدرمان مدينة السراب والحنين معاوية نور يدخلها الإنسان عن طريق القنطرة الجديدة المقامة على النيل الأبيض بعد أن ينهب الترام سهول الخرطوم الخضراء الواسعة، فيلقي نظرة على ملتقى النيلين في شبه حلم، ويعجب لهذا الالتقاء الهادئ الطبيعي، وذلك التصافح العجيب من غير إثارة ضجة ولا صوت، فكأنما النيلان افترقا في البدء على علم منهما وهنا يتلاقيان كما يتلاقى الحبيبان ويندمجان نيلاً واحداً، فما ندري أنهما كانا نيلين من قبل ولا ترى في موضع الالتقاء ما يشير إلى شيء من المزاحمة أو عدم الاستقرار مما يلاحظ عادة في التقاء ما بين جهتين مختلفتين، وإنما هناك عناق هادئ لين، وانبساط ساكن حزين.

فإذا فرغ المشاهد من هذا المنظر الذي لابد أنه آخذ بنظرة مرغمة على التأمل، انتقل إلى الضفة الأخرى من النيل الأبيض فرأى البيوت الصغيرة مثبتة في الصحراء، ورأى السراب يلمع ويتماوج بعيداً ورأى بعض العربان وراء جمالهم المحملة حطباً تمشي في اتئاد وفتور، ومن ورائها سراب ومن أمامها سراب، فكأنما هي تخوض في ماء شفاف. ورأى إلى شماله بعض ثكنات الجنود السودانيين منبثة هي الأخرى في أماكن متقاربة، ثم سمع صوت “البوري” يرن حزيناً شجياً وسط ذلك السكون الصامت وفي أجواز ذلك الفضاء اللامع وتلك الشمس المحرقة، فيحس بشيء من الحنين والحزن الفاتر المنبسط ويعجب لذلك المكان ما شأنه وشأن الترام الكهربائي والقنطرة والأتومبيل الذي يخطف كالبرق بين كل آونة وأخرى في ذلك الفضاء السحيق.

وإذا سار به الترام قليلاً في اتجاه النيل رأى أول المدينة المعروف بـ”الموردة ” ورأى السفن البخارية الآتية من أعالي النيل واقفة على الشاطئ محملة ببضائع تلك الأماكن الجنوبية, كما رأى بائعي الذرة أمام حبوبهم المرصوصة في أشكال أهرامات صغيرة, وهم يبيعون للمشترين وينطقون العدد في نغمة إيقاعية موسيقية فيها شيء من الملال والترديد الحزين، وفي مثل ذلك المكان كانت تباع الجواري ويباع العبيد في أسواق علنية مفتوحة في عهود مضت، وكان البائعون يتفننون في عرض تلك الجواري بما يلبسونهن من الحلي والزينات.
فإذا سار الترام قليلاً وجد المشاهد نفسه أمام قبة المهدي- ذلك الرجل الذي كان له الشأن الكبير في تاريخ تلك البلاد- ورأى تلك القبة مهدمة مهدودة كما رأى الجامع الواسع الكبير الذي بناه الخليفة عبد الله لكي يصلي فيه المصلون أيام الجمع والأعياد فوقف هنيهة يذكر عهداً مضى بخيره وشره وخالجه شيء من إحساس “الزمان” الذي لا يبقي على شيء إلا مسخه وتركه باهتاً شائخاً بعد أن كان كله رونق وشباب!

وهنا يذكر الإنسان قصة ويذكر تاريخاً ويذكر حروباً أقامت عهد المهدية وتخللته وقضت عليه أخيراً.

وربما يرى في الشارع القائم بين ذلك الجامع وبين طريق الترام صبياً واضعاً رجلاً على رجل في حماره القصير وهو يمشي في طريق معاكس للترام ساهم النظر مفتوح الفم، ينظر إلى بعيد من الآفاق ويغمغم بنغمة حزينة ملؤها الشجو والفتور ناسياً نفسه ناظراً إلى في ما حوله نظرة الحالم الناسي.

ذلك مشهد لن تخطئه قط في شوارع أم درمان. حركة خفيفة ساهية وغناء كئيب حزين كأنما يستعيد قصة مضت، ويحكي رواية مجد وبطولة عفا عليها الزمان ودالت عليها الحوادث كما تدول على كل عزيز على النفس حبيب إلى الفؤاد، ولم تبق على شيء سوى الغناء والسهوم الكئيب.

وفي ذلك المنظر يتجسد تاريخ أمة ونفسية شعب رمت به الطبيعة وسط ذلك الجو المحرق وتركت له صفات الصدق والبساطة في عالم لا بساطة فيه ولا صدق! هو شعب من بقية أمم مجيدة طيبة الأرومة، اضطره الكسب والمعاش أن يهاجر إلى تلك البلاد ذات السهول الواسعة والصحراء المحرقة، فكان تاريخه مأساة تتبع مأساة، وماضيه كله الجرم والإثم، وهؤلاء المهاجرون من أذاقوا السكان الأصليين الألم وساموهم الخسف والعذاب، كرت عليهم النوبة من أمم أخرى فكان نصيبهم الألم والتعب والخوف. وإذا كل السكان سواسية أمام عوامل الجو ودواعي الملال والسأم، ومغريات الشعر والذكر وويلات الفقر، وإذا بكل تلك العوامل المختلفة تترك طابعاً خاصاً على نفوسهم وسمات خلقهم وسحنات وجوههم لا يخطئها الناظر العارف، ولا تقل في الدلالة والشاعرية والحزن الكظيم عن تلك الخصائص التي يراها الإنسان على وجه الرجل الروسي الحزين.
وأبلغ ما يدل على تلك النفسية وذلك الخلق الأغاني الشعبية التي يرددها الكل، من أكبر كبير إلى الأطفال في الطرقات والشوارع، بل إنني لا أعرف شعباً فتن بأغانيه وأعجب بها فتنة السوداني وإعجابه بها. فإذا أنت تجد الموظف في مكتبه، والتاجر في حانوته، والطالب في مدرسته، والشحاذ والحمّار والعامل والمزارع والطفل الذي لم يتجاوز الثالثة ومن إليهم كلهم يغنونها ويرددونها في كل ساعة وكل مكان، ويأخذون من نغمها وإيقاعها معيناً لهم يعينهم على العمل ويلهب إحساسهم بدواعي النشاط والتيقظ الشاعر. بل بلغ افتتانهم بها أن الرجل ربما يشتري “الأسطوانة” الغنائية بعشرين قرشاً وهو لا يملك قوت يومه، وقل أن يمر الإنسان بأي شارع من شوارع أم درمان إلا ويعثر على إنسان أو جماعة تدمدم بتلك الأغاني في شبه غيبوبة حالمة وصوت باك حزين!
والأغاني لا يمكن أن تذيع في أمة مثل هذا الذيوع وتحظى بمثل هذا الانتشار إذا هي لم تعبر عن نفسية تلك الأمة أتم التعبير.
وأغرب من ذلك وأدعى إلى الدهشة أنهم يرقصون على تلك الأغاني الحزينة الكئيبة ولا يرون فيها حزناً ولا كآبة لاعتيادهم سماعها وارتباطها الوثيق بحياتهم. فإذا غنى المغني قائلاً “يا حبيبي خايف تجفاني” وكان هذا المقطع الأخير الذي يرددونه مثل “الكورس” المسرحي وغناها المغني بصوت عال وترديد شجي ناعم طرب الكل واشتد الرقص واشتعل النظارة حماساً، ونسي كل نفسه في موجة طرب راقص، فيعرف المشاهد أن هذا الشعب قد وطد نفسه على قبول الحياة كما هي في غير ما ثورة وكان له في آلامه الدفينة البعيدة القرار نعم السلوى عن الحاضر، ونعم العزاء عن الآلام والمتاعب. وتلك هي نعمة الاستسلام والحنين ومظهر الاستهتار بألم طال وتأصل فانقلب فرحاً ونعيماً!
ونفوس السودانيين واضحة واسعة وضوح الصحراء وسعتها، وخلقهم لين صاف لين ماء النيل وصفائه، وفيهم رجولة تكاد تقرب من درجة الوحشية، وهم في ساعات الذكرى والعاطفة يجيش الشعور على نبرات كلماتهم وسيماء وجوههم حتى تحسبهم النساء والأطفال؛ وتلك ميزات لا مكان لها في حساب العصر الحاضر، وإن كان لها أكبر الحساب في نفوس الأفراد الشاعرين وفي تقدير الفن والشعر والحضارة.