مجتزء من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان محمّد جلال أحمد هاشم تعيير جسد المرأة وتكتيكات الإظهار والإخفاء يعتبر تعيير جسد المرأة من أقوى التّكتيكات الإخضاعيّة التي مارسها الرّجل ضدّ المرأة. فالإظهار والإخفاء لجسد المرأة تحكمه جدليّة بعمر تاريخ العلاقة النّوعيّة، وتقوم عليه عدّة تكتيكات متعلّقة بالخصوبة والأنوثة، تقابلُها من الجانب الآخر تكتيكات متعلّقة أيضاً بالفحولة والرّجولة. ومسألة تعيير جسد المرأة مرتبطة بمرحلة موغلة في تاريخ العلاقات النّوعيّة، لعبت فيها قلّة الموارد وانكفاء الرّعاية الصّحيّة الجنسانيّة إلى درجة أقرب إلى المرحلة الحيوانيّة (اللعق) دوراً كبيراً.

فالمرأةُ ظلّت تعتادُها الدّورة الشّهريّة منذ أن اكتمل خلقها كامرأة بوضعها الحالي. ولنا أن نتصوّر المرأة في الزّمن الذي كان النّاس يُعدمون فيه جميع لوازم النّظافة من قطن ولفائف قماش إلخ (دع عنك ما نراه الآن من ابتداعات). في ذلك الزّمن لم يكن من بدّ للمرأة الحائض غير أن تختفي عن الأنظار في ركنٍ قصيٍّ ريثما تنقضي عدّة الدّورة الشّهريّة وتبلغ القروء. وحتّى وهي في منعزلها ذلك، لم تكن المرأة تنعم بعزلتها، إذ عادةً ما تجذبُ الدّماءُ هوامَ الأرض والجوّ من ذباب وحشرات، الأمر الذي غالباً ما تصحبه التهابات وروائح مُنتنة. وإذا شاءت لها الأقدار أن تخرج وهي في تلك الحال، عمدت إلى ارتداء الملابس الطّويلة إلى حدّ القدمين بما من شأنه تغطية أيّ آثار لدماء سائلة، متحدّرة، أو لكتم الرّوائح المنتنة. تذهب نوال السّعداوي إلى أنّ سبب عزل الحائض يعود إلى خوف الرّجل من المرأة كونها تختصّ بقوى عديدة لا يملكها، مثل الخصوبة والحمل والإنجاب والأمومة: “ومن هنا جاء عزل النّساء عن الرّجال في فترة الحيض. ثمّ اعتبار الحيص نوعاً من الدّناسة والنّجاسة، وعزل المرأة الحائض عن الحياة. هناك كثير من المجتمعات … حتّى اليوم  تعزل البنت أيّام الحيض في حجرة منفصلة وتغلق عليها الباب حتّى لا تخرج، ويُلقى عليها الطّعام كلّ يوم من شقّ في الباب. بعض الرّجال في مجتمعنا حتّى اليوم يعتقدون أنّ مصافحة المرأة الحائض تُفسد طهارتهم ونظافتهم. وكثير من المعابد تمنع المرأة الحائض من الدّخول” (1991: 104). ولكن ما تقوله نوال السّعداوي يعكس جانباً هامّاً، ألا وهو التّعيير. فنحن هنا بإزاء سلوك قائم على تعيير جانب طبيعي في المرأة، وبالتّالي يحطّ من قيمة المرأة بسبب طبيعتها هذي، وليس مجرّد خوف. وقولنا لا يرفض ما ذهبت إليه، بل يُضيف إليه جانباً آخر يتمثّل في التّشكيل الأخلاقي للسّلوك بحيث يصبح قيمة مستقلّة عن دوافعها الأولى ولو اشتمل عليها. ولهذا كانت المرأة العارية تتبختر في المجتمع، إذ إنّ عُرْيَها كان يقف كدليل نظافة؛ أمّا المرأة المتحشّمة، فكانت تمشي مُنكَّسة الرّأس، إذ إنّ احتشامَها كان يقف كدليل على انعدام النّظافة والقذارة. ولكن ما بين جسارة العُري وحياء الاحتشام كانت تجري لُعبة الإظهار والإخفاء لجسد المرأة، وهي لُعبة لا تزال تُمارس إلى يومنا هذا، وذلك في سياق العلاقة النّوعيّة اجتذاباً للرّجل وابتعاداً عنه في آن.  

منذ تلك اللحظة أصبح لباس المرأة يُشكّل نقطة محوريّة في وعيها الأنثوي من جانب والوعي بخصوبتها من الجانب الآخر. وقد ارتبط هذا الوعي بمفهوم النّظافة الجسديّة الذي تطوّر ليأخذ بعداً أيديولوجيّاً. من ذلك المفهوم الدّيني، أي القدسي، للطّهارة، ما يلي منها طهارة الحيض للمرأة على وجه الخصوص. فاتّهام الرّجل للمرأة بعدم النّظافة، ما يلي منها جسدها بوجهٍ خاص،  قد يكون أشدّ وقعا،ً عندها وعند الآخرين، من اتّهامها في عفّتها. واليوم نظرة عابرة لموضوع لباس المرأة تكشف العنت الذي تكابده غالبيّة الفتيات في بلدٍ كالسّودان في سبيل تدبير ملابسهم بطريقة تفي شرط النّظافة لأنفسهنّ أوّلاً وللمجتمع ثانياً، ثمّ استيفاء متطلّبات الأناقة. ومفهوم الأناقة نفسه قد تشكّل وفقاً لمعياريّة النّظافة النّسبيّة من مجتمع لآخر. وهكذا تمّ دمج مفهوم النّظافة مع القيمة الجماليّة التي تقتضي الظّهور يوميّاً، إن لم يكن كلّ صباح ومساء، بلباس جديد. في هذا تتفتّق عبقريّة المرأة عن حزمة من الحيل كفيلة بأن تصرف الرّجل عن اجتراح المكرمات التي لا يني يأتي بها، وذلك إذا ما ابتُلي بمثل ما ابتُليت به المرأة.

قد تدفع هذه الحيل المرأة إلى التّورّط الأيديولوجي في منظومة سلوكيّات ربّما لم تكن تؤمن بها من قبل. وليس هذا بعجب! فمؤسّسة الزّيّ عند المرأة في السّودان (خاصّةً القطاعات المسلمة منه والمستعربة بعموم) يجوز النّظر إليها على أنّها عبارة عن ورطة أيديولوجيّة تاريخيّة. من ذلك، مثلاً، ما طرأ في العقود الأخيرة، حيث انتشر زيّ العباءة النّسائيّة المستقدَمة من بلاد الخليج بلونها الأسود الفحمي، أو حتّى الحجاب، أكان بالطّريقة الإيرانيّة أو الطّالبانيّة. وهذه العباءة في غالبها الأعمّ تكون باللون الأسود الغامق مع ما في هذا اللون من مفارقة قد تكون غير صحّيّة في مناخ مشتعل كمناخ السّودان.

منذ ذلك الماضي السّحيق أصبحت للنّظافة علاقة طرديّة عكسيّة مع لباس المرأة إظهاراً وإخفاءً. فالاهتمام بنظافة العباءة في الغالب الأعمّ لا يكون بنفس الدّرجة من الاهتمام بالثّوب الذي يليها؛ وكذلك الوضع بالنّسبة للقدمين في حال إظهارهما أو إخفائهما، إذ قد تزيد العناية بنظافتهما أكثر في حال الإظهار عنه في حال الإخفاء بالجوارب مثلاً. في الحال الأخيرة ليس أيسر من ملاحظة الغبرة التي عادة ما تعلو الجوارب. ولذا يمكن الزّعم بأنّ التّحرّر من معرّة الجسد الأنثوي، من المنظور الأيديولوجي للنّظافة من عدمها، عبر التّاريخ، قد أفضى إلى تزايد وتيرة إظهار الجسد وانحسار لباس المرأة عنه، والعكسُ صحيح. وبما أنّ العمليّة قد أصبحت تحكمُها أيديولوجيا الذّكورة القاهرة للمرأة، لم يعد مفهوم النّظافة والاتّساخ عينيّاً، بل أصبح بالإضافة إلى ذلك وعياً أيديولوجيّاً في لعبة قائمة على الإظهار والإخفاء.

من اليسر أن تقود المراقبة اللصيقة إلى رصد حالات الإظهار والإخفاء المتوطّنة في ثقافة الوسط الإسلاميّة العروبيّة، أي التي لا تزال تُمارس إلى يومنا هذا. فعلى شدّة ما يبدو من رغبة في إخفاء النّساء كلّ متعلّقات الدّورة الشّهريّة عن الرّجال، لا تتحرّج النّساءُ من إظهار صيامهنّ قضاءً لعدّة دورتهنّ الشّهريّة في رمضان الفائت. وبمثل هذا قد تنطوي عمليّة إظهارهنّ لصلاتهنّ في الأماكن العامّة على إشهارٍ لانقضاء عدّة الدّورة والدّخول في أيّام القروء، أي ما يعني إرسال إشارة بالاستعداد البيولوجي للجنس بعموم، أي ليس للعمليّة الجنسيّة تحديداً. فالحديث هنا عن لُعبة النّوع الجنسانيّة game of gender sexualism، وليس عن العمليّة الجنسيّة. وكذلك تلاحظ حرص المرأة على نظافة جسدها وتمسّحها بالطّيب والاستحمام بالبخار وبالماء، إذ لا تزال في ذاكرتها اللاواعية بقايا خوف من أوضار الدّورة في الأزمان السّحيقة.

السّلوك الاحتشامي عند المرأة

تعود فكرة الاحتشام في أصولها إلى مؤسّسة تعيير جسد المرأة وفقما أفضنا فيه أعلاه. بعد ذلك استقلّت فكرة الاحتشام عن ذلك عندما تطوّر عند الرّجل السّلوك الاستحوازي على المرأة؛ فقد عمل على حجبها حتّى لا تقع عليها أعين الرّجال، فيطمعون فيها، أو، على أقلّ تقدير، يتشهّونها ويتصوّرون أنفسهم معها في وضع المجامعة. في سياق علاقات نوعيّة معقّدة بهذا المستوى، نبع فهم جديد للاحتشام عند المرأة، قوامه التّرفّع بنفسها من أن تُمتهن بسبب جسدها والنّظرات الشّبِقة التي لا ترى فيها غير آلة للجنس والمجامعة. ولكن نقطة ضعف هذا الفهم الجديد تعود إلى أنّ هذا التّسامي يقوم في أساسه على معالجة الشّبق عبر كبح الجسد. أي بحبس الأغنام في الزّريبة، بينما تحوم حولها الضّواري بالخارج، بدلاً من مواجهة هذه الضّواري والتّغلّب عليها. وقد لعب الاصطفاء (اصطفاء الرّجل لامرأة بعينها لتكون حبيبته، وكذلك اصطفاء المرأة لرجل بعينه كيما يكون حبيبها) دوراً كبيراً من حيث أهليّة الفائز الذي يستحقّ أن يتمتّع بجسد المرأة المخفي. كلّ هذا في سياق حجب الجسد، معالجةً لإشكاليّة جموح الشّبق القائم على تصوّر وضعيّة المجامعة. فحتّى عندما تكشف المرأة عن بعض مفاتن جسدها بغية استثارة جنسيّة، لا يستقيم لها هذا إلاّ بتصوّر وضع المجامعة. في هذا يتساوى الرّجل بالمرأة من حيث كون التّبرّج يكشف مفاتن الجسد؛ فهو، عندما يكشف مفاتن جسده الرّجوليّة بغية تحقيق أيّ استثارة جنسيّة، لا يفعل ذلك إلاّ عبر تصوّر وضعيّة المجامعة.

هذا ينقلنا إلى فكرة التّبرّج المضاد، وهو الوضع الذي يصبح فيه المجتمع مهجّساً بجسد المرأة إلى درجة أن يعمد إلى تغطيتها من شعرها إلى أخمص قدميها، أو بدرجات من ذلك. فهذا التّهجيس يقوم في أصوله ومصادره على تصوّر وضعيّة المجامعة والمواقعة. عند هذه الدّرجة من التّهجيس تتحوّل مسألة إخفاء جسد المرأة إلى إظهار عكسي. فمجرّد مرور امرأة محجّبة في الشّارع يكون كافياً لاستثارة الخيالات فيما يتعلّق بتفاصيل جسدها، أكان مرسوماً بتضاريس ملابسها أم لا. ومثل هذا التّخيّلات السّقيمة لا تجد مرسىً لها إلاّ في تصوّر وضعيّة المواقعة. فباستخدام مصطلحات منهج التّحليل الفاعلي عند الشّيخ محمّد الشّيخ (1987)، يكون هذا المجتمع قد سيطرت عليه بنية الوعي التّناسلي بدرجة أنّ الجنس، من حيث هو مواقعة ومجامعة، قد أصبح هاجساً ونقطة مركزيّة في وعيه عليها يقع مناط التّفاعل والانفعال بالحياة.

أرشد المسالك في هذا الصّدد أن يتمّ تحقيق الاستقلاليّة بين الجنس والجسد. فالجنس ما هو إلاّ حالة تسامٍ، فيه يمكن أن تحقّق الرّوحُ استقلاليّتَها عن الجسد (ولو كان ذلك يتم عبر جسر الجسد نفسه)؛ هذا بينما لا يعدو الجسد كونه حالة عاديّة، إذ ليس فيه سرّ وليس فيه ما يتوجّب الإخفاء. وفي الواقع هذا ما عليه حال العلاقة بين الجسد، من جانب، والجنس، من جانب آخر، في المجتمعات التي تعيش على العُري كحالة طبيعيّة. ولكن، يا تُرى، هل هذا هو نفسه الحال بين أن تمشي المرأة والرّجل في المصايف وهما بالمايوهات، وبين أن يمشوا بكامل ملابسهم في الحياة العامّة؟ بمعنى آخر، هل الاعتياد على حركة النّاس وهم بملابس الشّاطئ، وبالتّالي التّعامل معها كشيء عادي وليس كحالة تبرّج، يعكس ما نعنيه بموضوع الاستقلاليّة في هذا الصّدد؟ ففي هذه الحالة لا تكون هناك علاقة بين انكشاف الجسد، وبين أيّ استثارة جنسيّة من قبيل تصوّر وضعيّة المواقعة، أللهمّ إلاّ في حالات استثنائيّة، كأن لا يكون هناك اعتياد، أو أن تكون الشّخصيّة المستثارة تعاني من عُقد مرضيّة. فبالطّبع المحتكم هنا هو الاعتياد، ويعني نسبيّة القبول والرّفض في سياق تفاعل ديناميكي ينبغي أن يقوم على حرّيّة الاختيار، لا على رقابيّة بوليس الآداب. في رأينا أن القول بعامل الاعتياديّة ينطوي على تطفيف كبير للمسألة. من المؤكّد أنّ هناك أشخاصاً عديدين يعودون إلى خلفيّات محافظة لا تمشي فيها المرأة إلاّ وهي مستورة الجسد، ومع ذلك يُظهرون تكيّفاً مع أوضاع ملابس الشّاطئ متى ما تعرّضوا لها (أو ذهبوا إليها بقصد). ولكن هذا التّكيّف يعكس في الحقيقة ما قلناه من قدرة الإنسان للاستقلال بالأشياء عن الأشياء، وبالمفاهيم عن المفاهيم، بقدر ما هو قادر على الممازجة بينها. إذ لا يمكن قبول الرّأي القائل بالاعتياد خلال دقائق إن لم تكن هناك تهيئة نفسيّة وقبول داخلي لتحققي هذه الاستقلاليّة.