اعدها للنشر : صالح عمار تعريف التغيير وأنواعه تدور الارض حول نفسها لتولد الايام وتدور حول الشمس لتصنع السنين، ومابين ذلك وأثناءه تمضي البشرية هي الاخري في حراك لاينقطع، لياتي كل يوم بما هو جديد وتمضي الحياة نحو آفاق وعوالم جديدة طاقتها ومحركها الاول القلق والرغبة في التغيير الملازم للانسان اينما وجد وفي اي عصر عاش.

وخلال الاعوام القليلة الماضية دخلت مفردة (التغيير) السياسة العالمية من أوسع ابوابها بعد فوز ذي الاصول الكينية الافريقية باراك اوباما برئاسة الولايات المتحدة، عبر أصوات الناخبين الشباب، والنساء، وذوي الاصول الافريقية، والاقليات المستفيدين والمتطلعين للتغيير.

وبالشريحة الشبابية نفسها وعبر كسرها لحاجز الخوف والقهر المستمر لاكثر من خمسين عاما علي الشعوب العربية، تهاوت الانظمة الشمولية تباعا في عدد من البلدان العربية وتستعد اخرى لمصير مشابه، وغليان الثورة ممتد فيما بات يسمي بموجة “الربيع العربي”.

ولايبدو السودان بعيداً عن هذه الموجة؛ هذا اذا لم يكن سباقاً لغيره منذ ستينيات القرن الماضي عبر ثورة اكتوبر وحركة المقاومة بجنوبه [ 1].

ومع حالة التعطش والاندفاع للشعوب نحو التغيير تحتاج الطليعة ـ وحتي العامة ـ من الماضين في طريق (التغيير) للالمام والتدقيق في الاساسيات العلمية للمفهوم، وكل مايرتبط به من استراتيجيات وتكتيكات.

ويُعد الوعي بطريقة رسم استراتيجيات واضحة المعالم والأبعاد، من أهم خصائص قادة الحراك التغييري، سواء استهدف هذا الحراك إحداث تحولات على مستوى الحكومات أو الأحزاب أو الحركات أو المؤسسات. ومن هنا تأتي أهمية الدراسات التي تستعرض الخبرات والتجارب التغييرية، وتؤسس لنظريات عمل تفسر الواقع، وترسم الطريق للوصول إلى المستقبل، وتصف المهارات اللازمة لإحداث التغيير والتحول.

ولما كانت طرق التغيير متعددة ومتنوعة وتتراوح مابين السلمي وغير السلمي، فإن الخيار الاول هو الذي اصبح يستقطب اتباعاً اكثر وتحول لخيار أمثل عند المتطلعين (للتغيير) في مناطق واسعة حول العالم، وهو ما اصبح يعرف باسم “حرب اللاعنف” والتي تمثل إحدى خيارات التصدي والمقاومة لتغيير النظم التعسفية والدكتاتورية سواء على مستوى الحكومات أو المؤسسات.

تعريف التغيير

عندما نتحدث في إطار التغيير السياسي والاجتماعي – وهما نطاق البحث والهدف المقصود هنا – يُعرف التغيير[2] على أنه “انتقال المجتمع بإرادته من حالة اجتماعية محددة إلى حالة أخرى أكثر تطوراً”[3].

مفردات التعريف:

* انتقال المجتمع: وأي تجمع بشري كالدول أو المؤسسات أو الحركات أو الأحزاب من حال إلى حال، من الحاضر إلى المستقبل، لتصبح طرفاً فاعلاً في الأحداث.

* بإرادته: أي بعموم الرغبة والإرادة الجماعية للمجتمع بمؤسساته وهيئاته وأفراده. ومن ثم فإن حالات التحول التي تحدث دون إرادة جموع وحدات المجتمع[4] لا تدخل في نطاق التعريف لمصطلح التغيير هنا.

* من حالة اجتماعية محددة إلى حالة أخرى: وتشمل كلمة الحالة الاجتماعية أنماط العلاقات الاجتماعية والنظم الاجتماعية المختلفة كنظم الأسرة والاقتصاد والسياسة والنظم التشريعية والقضائية، ومن ثم فإن مصطلح الحالة الاجتماعية يجعل نطاق التعريف يتسع ليشمل عمليات التغيير في مناحي الحياة المختلفة.

* أكثر تطوراً: فمصطلح التغيير يعني الانتقال بأي تجمع بشري إلى الأمام، وبناء قدرته على الفعل. وبالتالي فإن انتقال المجتمع إلى وضع أكثر تخلفاً أو ارتداده خطوة إلى الوراء لا يدخل في نطاق هذا التعريف، لأنه لا يمكن أن تتلاقي إرادة المجتمع بعمومه على الانتقال لوضع متخلف.

وهكذا فإن مصطلح (التغيير) يقصد به حالات التحول الاجتماعية التي يخوضها المجتمع بعمومه للانتقال إلى أوضاع أفضل تمكنه من الانطلاق إلى المستقبل. وهي حالات التحول التي يخرج منها المجتمع – بأفراده ومؤسساته وهيئاته – أكثر إيجابية وفاعلية وقوة وقدرة على إدارة شؤونه، وعلى محاسبة قيادته ومكافأتها ومعاقبتها، وعلى التصدي لمحاولات كبته أو قهره. ومن ثم فإن حالات التحول التي يتم فيها استبدال قلة مسيطرة متحكمة بقلة أخرى دون المشاركة الإيجابية والفعالة من قبل وحدات المجتمع المختلفة  لا تدخل في نطاق مصطلح التغيير الذي نعنيه هنا.

أنواع التغيير

إذا ما التقت وتواطأت رغبة المجتمع بعموم وحداته المختلفة على أهمية التغيير أصبح لزاماً على الفاعلين السياسيين وقادة الرأي والفكر في المجتمع تحديد نوع التغيير المطلوب، هل هو تغيير شامل جذري عميق أم تغيير جزئي.

والتغيير الشامل العميق يبدأ بتغيير القيادة الدكتاتورية[5] ويمتد ليشمل جميع مناحي النظم الأخرى الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والتشريعية والقضائية والدينية، …الخ.

ومن ثم فإن تغيير القيادة الديكتاتورية أو المتعسفة أو النجاح في تغيير أنماط تفكيرها بما يتناسب مع صالح الدولة أو المؤسسة لا يمثل الهدف النهائي للراغبين في إحداث التغييرات، ولكنه يمثل الخطوة الأولى الفعالة نحو التحولات النوعية الكبرى التي تقفز بالدولة أو المؤسسات قفزة هائلة إلى الأمام. فتغيير القيادة هو خطوة نحو التغيير الشامل، وليس هو الهدف النهائي.

أما التغيير الجزئي فيتناول فقط جزئية من الجزئيات، كالتغييرات التي تتناول الإصلاح الاقتصادي أو الدستوري أو العسكري، أو غيرها من التغييرات التي تمس جانباً من الوضع العام للمجتمع وتترك الجوانب الأخرى إما لكون الجوانب الأخرى لا تحتاج إلى تعديل أو لعدم توفر المشروع المحلي الذي يملي على المجتمع وقيادته التحرك في اتجاه محدد.

وهكذا فإن تحديد القادة والفاعلين الاجتماعيين والسياسيين لنوع التغيير يمثل الأولوية الأولى في العملية التغييرية، ويلي ذلك تحديد المسار الذي سيسلكه المجتمع لتحقيق التغيير الشامل.

*نقلا عن اكاديمية التغيير بتصرف


(1)            يتجاهل البعض في غمرة احباطاتهم خروج الجماهير في اكتوبر 64 ومارس 85 ونجاحها في اسقاط دكتاتوريتين من قبل، كما يقع الكثيرون في خطأ الانكفاء علي الذات المركزية حين يتناسون الثورات وحركات الاحتجاج بدارفور وجبال النوبة والنيل الازرق والشرق، واستقلال الجنوب وكأن شيئاً لم يحدث. ونحن ننظر للامر باعتباره عصيانا وحالةً ثورية تعيشها اجزاء واسعة من السودان سيكتمل تأثيرها بانضمام المركز لمسيرة التغيير ـ وهو ماسنعود اليه بالتفصيل لاحقاً ضمن هذه السلسلة.

 

(2)            التغيير لغة  في المعجم الوسيط هو “جعل الشيء على غير ما كان عليه”، واصطلاحاً يعرف في العلوم الاجتماعية على أنه “التحول الملحوظ – في المظهر أو المضمون – إلى الأفضل”، (Berch Berberoglu, 1994) كما يعرف في الإطار الإداري على كونه “عملية تحليل الماضي لاستنباط التصرفات الحالية المطلوبة للمستقبل”،  وعلى كونه “تحول من نقطة التوازن الحالية إلى نقطة التوازن المستهدفة”  ( مصطفى الخشاب 1992).

 [3] بهذا التعريف نكون قد وضعنا لاصطلاح التغيير حدوداً تجعله منفصلاً عن غيره من المترادفات التي تقفز إلى أذهاننا فور قراءتنا لكلمة التغيير، والتعريف هو القول الشارح، فمثلاً حين نقول بأن المعرفة هي “مجموعة المعاني والتصورات والآراء والمعتقدات والحقائق التي تتكون لدى الإنسان نتيجة لمحاولاته المتكررة لفهم الظواهر والأشياء المحيطة به” وأن العلم هو “المعرفة المصنفة التي تم الوصول إليها بإتباع قواعد المنهج العلمي الصحيح، مصاغة في قوانين عامة للظواهر الفردية المتفرقة” تبين أننا أردنا فصل الكلمتين المشتبكتين في أذهاننا عن بعضهما، وتحديد استخدام كل منهما كاصطلاح، فالمعرفة في التعريف السابق تشمل كل المدركات، بينماالعلم وضعت له حدود في التعريف السابق في محاولة لفصلة عن العموم الموجود في المعرفة، مثل اشتراط التصنيف، والتوصل إليه بالنهج العلمي الصحيح،وصياغته في قوانين عامة، هذا النوع من التعريف يسمى التعريف بالحد، وكلما كانت الحدود أوضح فيه بحيث تدخل كل أجزاء الشيء في التعريف وتمنع كل ما عداه من الدخول فيه كان أقوى وأصلب. وللإطلاع على المزيد حول التعريف وأنواعه يمكن الرجوع إلى كتاب عبد الباسط محمد حسن ، أصول البحث الاجتماعي، مكتبة وهبة، القاهرة (1998)، الطبعة الثانية عشر.

[4] نقصد بالوحدات الاجتماعية مكونات المجتمع المختلفة من جماعات وأفراد ومؤسسات وهيئات وكل ما يقع تحت التقسيم الاجتماعي لمجتمع ما.

 [5] سنتناول هذه الفكرة بالتفصيل لاحقا، لدى شرحنا لخارطة الصراع ومكوناتها الاستراتيجية، وكيف تمثل قضية تغيير القيادة الدكتاتورية مكونا أساسيا من مكونات التغيير الشامل.

(6) لا نقصد بتغيير القيادة تغيير الشخص أو الأشكال. ولا نقصد ذهاب طاغية ومجيء طاغية يخلفه. فالقيادة على مستوى الدولة تشمل الحاكم والحكومة ومؤسسات وأجهزة الدولة وطريقة إدارتها وطريقة الوصول للحكم وكيفية تداوله. وينسحب هذا الكلام على القيادة على مستوى المؤسسات. ولهذا السبب فشلت تجارب الاستئصال عبر الاغتيالات على مستوى الدول أو الإقصاء على مستوى المؤسسات في تغيير الأوضاع. لأن القائد يتم استئصاله بينما يظل النظام بكامله يعمل؛ بل ويولد القائد البديل، الذي يمثل امتداداً للقائد السابق بمنهجيات تفكيره وأسلوب إدارته ورؤيته.