خط الاستواء  عبد الله الشيخ "أنداندي"، مُفردة نوبية ذات مدلول عميق فى التعبيرعن الانتماء والحنين الى الجذور.. معناها "واشريري" بلهجة الشوايقة، أو هي "جعلناكم مننا" على طريقة الجعليين فى النِسبة ، أو هي " يا للكبد الحرَى" كما تقول العرب.. أنداندي،هي عبارة شاملة لمضامين كثيرة، و لذا أُتخذت إسماً وعنواناً، للفرقة النوبية للتراث..

 لغة النوبة في شمال السودان تبدو عصية على الترجمة، لانها ترتبط بانسياب النيل وبمطمورات تحت الرمال تمتد الى أبعد من سبعة ألاف سنة فى التاريخ..لذلك يصعب ــ على وجه الدقة ــ  تحديد مرادف اللفظ النوبي فى العربية ، بسبب اختلاف البيئة بين لغة العرب  التي ترتبط بالصحراء، و لغة النوبة التي ترتبط بالضفاف والجداول وخرير المياه ، ويتم توقيع الفاظها على جرس مواجد روحية لانها كانت وسيط لغوي يعبر منذ القِدم عن فكرة “التوحيد”.. وبرغم الضجر التى يحْتوش بلادنا، فى عهد غيهب شهد رحيل رجل قامة محمد وردي وإعتزال إدريس ابراهيم وهجرة زكي عبد الكريم.. رغم كل هذه الخيبة على كافة المستويات السودانية، ظهرت فرقة فنية رائعة هي “أنداندي”، التي أعادت الأمل فى تفرُّد سوداننا، الذي سيبقى قى تنوعه متميزاً على غيره من البلاد، مثل فركة القرمصيص بين الأثواب..

ازهلتنا الفواجع ولم نعد نستسيغ حنين السواقي..أصبحنا مشدوهين من  تكجير الساسة لحياتنا السهلة البسيطة، وكم هو جميل هذا السودان..غرَّفني زميلي الصحفي حسن بركية على ابداعات هذه الفرقة النوبية “أنداندي”، فأعادني إلى عبق طري كدت انساه ، لولا أن فتية الفرقة استولفوا تواشيح الحانهم من سحارة المجد القديم من جدران المعابد والقواسيب والقواديس وجبانات ملوك وادي النيل.. استمعت الى فرقة “أنداندي” للتراث النوبي وهي تقدم فناً جماعياً بألحان نوبية  شجية و حالمة مثل وشوشة الريح فى الجروف..فى ثنايا اللحن  بث شعراء النوبة أحاديث سمعتها فى الطفولة أو فى حيوات أخرى عشتها في زمن ما.. كلمات وحوارات عن “الكَجِكول”، و القماري ، ومقالة الريح لسبيط النخيل، و الـ “كوبش”  و، “أوو مِسكاا”..! كانت هذه الكلمات السلسة التى لا علاقة لها بالعنف، هي لغتي الأُم  قبل أن أكون غريباً  عنها ، و”أعجمياً ” مع فورة القومية العربية “الناصرية” عند دخولي المدرسة وفرض مناهج السُلَّم التعليمي..ليت محي الدين صابر، وهو أكبر أنداندي فى التاريخ المعاصر ،، ليته أفسح المجال فى المدارس لهذه اللغة الحنونة بدلاً من تعليمنا العربية على حساب تراثنا وقد كان من الممكن ان نتقنها مع رطانتنا المحلية كما تمنى قرنق بعد اربعين سنة من خم الرماد..!؟

بقليل من الاهتمام يمكن أن تكون فرقة “أنداندي” فرقة قومية ،لأن لغة النوبة هي لغة تاريخ السودان وقد كانت اللغة الرئيسة فيه حتى القرن الخامس عشر.. إستمعت بخشوع إلى أداء الفرقة” أنداندي” ولكنني افتقدت آلة الطمبور برنَّاته الحميمة..أين إختفى الطمبور وهو آلة سودانية كاملة الدسم..!؟ وأين ” بنات حلتنا نايرات الشباب”..؟! لماذ لا يظهرن ككورس بالجرجار والثوب السوداني فى هذه الفرقة، فنحن نعلم ان للمرأة وجودها الأصيل والفاعل فى مجتمعاتنا المحلية..!؟

فرقة انداندي تقدِّم إيقاعات سودانية رائعة أهمها إيقاع “القمر بوبا” وهو رزْمٌ مشترك بين كل شعب النوبة، وإيقاع الدليب وهو  كذلك إيقاع نوبي يتفرد به الشايقية فى الوقت الراهن، وإيقاع العرضة الخاص بالمستعربين بعد أن تم ترويضه بالرطانة النوبية، وبرع فى الشدو بالحانه كروان دنقلا العظيم زكي عبد الكريم..

 التحية للمنظمة ﺍﻟﻨﻮﺑﻴﺔ ﻟﻠﺜﻘﺎﻓﺔ وﺇﺣﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ، التي بدأت فى مشروع تعليم لغة النوبة التي هي أول لغة مُدوَّنة فى التاريخ، و عندما نتمكن من فك طلاسم لغة اجدادنا نستطيع أن نقول للعالم من نحن.. هذا هو تراثنا الذي نسيناه فى ذهولنا عن ذواتنا..هذا هو كنزنا المخفي تحت جدار غربتنا  العقيمة.. لقد كانت هذه اللغة حية وإلى وقت قريب و كان يتحدث بها أهل سلطنة سنار ،وما سنار فى لغة المروية  إلا “محل طرف البحر”..

تحية لـ “أنداندي” وهي تنفض الغبار عن موروثنا الثقافي دون الوقوع فى محظور التحنط الجهوي والقبلي.. وكم نحن بحاجة الى “أنداندي” فى كل مكان من هذا السودان.. “أنداندي” تعيد انتاج ثقافة الداجو والتنجور، والفونج، والمساليت،و البجا ،، إلخ ..” أندادي” لنتعرف على أنفسنا قبل أن نقدم أنفسنا للعالم..