بابكر فيصل بابكر قلت في مقال سابق أنَّ أحد أكبر وجوه الفشل التي مُنيت بها تجربة الإنقاذ تمثل في إنتاج أعداد هائلة من رجال الدين ممَّن يُعرفون ب "الشيوخ", والعُلماء (بزعمهم), إمتلأت بهم بيروقراطية الدولة, و أجهزة الحكم التشريعية,

وانتشروا في مؤسسات المجتمع المدني من هيئات وجمعيات ومنظمات, لهم نفوذٌ واسعٌ, و جمهورٌ من الأتباع, باتوا يحشرون أنوفهم في كل أمور الناس, سلاحهم الماضي والفتاك كلمة سحريَّة إسمها “الفتوى”, تمنحُ من يُصدرها  الحق في تفتيش الضمائر, و تكفير الإنسان المُسلم وإن نطق بالشهادتين.واليوم أعود لأؤكد قولي هذا بمناسبة تصريحات صدرت عن أحد هؤلاء الشيوخ, وهو رئيس لجان الحسبة وتزكية المجتمع بالمجلس الوطني، عبد القادر أبوقرون, الذي خرج علينا الاسبوع الماضي بدعوة لردع كل المخالفين للنظام العام عبر المادة 152 من القانون الجنائي, والتي تعاقب بالجلد كل من يرتدي “زيَّاً فاضحاً”, وقال إنَّ عدم وضع المرأة الطرحة على الرأس يعني مخالفة الأوامر الشرعية.

جاءت تصريحات أبوقرون هذه على خلفية المُحاكمة التي تتعرَّض لها المُهندسة “أميرة عثمان” في البلاغ المقدَّم ضدها من أحد أفراد شرطة جبل أولياء تحت المادة 152.

ولا أريد في هذا المقال الدخول في جدل فقهي حول لباس المرأة الشرعي, فقد تناولتهُ في مقالات سابقة, ولكنني معنىٌ هنا بقضية إستخدام أدوات السلطة وقهرها لإخضاع كافة الناس لما تراهُ فئة محدودة من البشر قيماً فاضلة, إذ أنَّ إجبار الناس على الفضيلة بالقوة – بفرض الإتفاق على معناها – لا يُنتج مُجتمعاً فاضلاً, بل يصنعُ مُجتمعاً منافقاً, يتظاهرُ بإعلان الفضيلة بينما يمورُ بداخله بكل صنوف الرذيلة والإنحطاط.

وأنا كذلك معنىٌ في هذا المقام بتحديد من هو المسئول عن تعريف ماهية “الزي الفاضح”, لأنَّه لا يوجد معيارٌ “موضوعي” يتفق حولهُ الناس, بل هو يخضع للنظرة “الذاتية” لكل إنسان, فما يراهُ أبوقرون زيَّاً فاضحاً, قد لا يراهُ جاه النبي كذلك. وهذا أمرٌ في غاية الخطورة في مجتمع مثل مُجتمعنا السوداني الذي يخشى أفراده من الوصمة “ستيجما” التي تمسُّ في الصميم شرف وسمعة وأخلاق كثير من النساء والأسر وتمتد لأجيال قادمة.

المادة 152 من القانون الجنائي مُطبقة منذ أكثر من عشرين عاماً, ومع ذلك فإنَّ الفضيلة في المجتمع تتراجع بمتوالية هندسية, والسبب في ذلك بسيط وهو أنَّ علاج جذور المشاكل المرتبطة بالأخلاق والقيم لا يتم بتطبيق مواد قانونية, أو بالإصرار على تغطية رأس المرأة, أو منع العائلات من الترفيه على ضفاف النيل.

و هو الأمر الذي يدعونا لسؤال أبوقرون : ماذا فعل الانتشار الواسع “للحجاب” و”النقاب” منذ هبوط الإنقاذ لمنع إكتظاظ دور الرِّعاية الإجتماعية  بالأطفال مجهولي الأبوين ؟ و بالزواج العرفي ؟ و بمحاضر الشُّرطة المليئة بجرائم يشيبُ لها الولدان تعكسُ إنحرافات النساء ؟ و بإنتشار المُخدرات وسط طالبات ( وبالطبع طلاب) الجامعة, وغير ذلك من المصائب الكثيرة التي حلت بالمُجتمع.

الفضيلة التي يرغبُ أبوقرون وأضرابه تطبيقها بالقوة هى فضيلة مُشوَّهة, نابعة من نهجٍ في التديُّن أطلقتُ عليه في السابق مسمى “التديُّن الشكلي”, وهو تديُّن ينمو مع تراجع المجتمع وتخليه عن القيم الجوهرية للدين : الحرية والعدل. تدُّين سهل وغير مكلف ( مجَّاني) يمنحُ صاحبهُ إحساساً كاذباً بالطمأنينة والرضا عن النفس ما دام هو إلتزم بشكليات في مظهرهِ ولبسه وطريقة كلامه.

أبوقرون ورفاقه يظنون أنَّ السودان لم يعرف الإسلام قبل هبوطهم عليه قبل عقدين من الزمن, وأنهم إنما جاءوا ليعلموا أهل السُّودان شؤون دينهم المُستقِّرة منذ مئات السنين, وهم مع جرأتهم الشديدة على  “النساء” ومطالبتهم بجلدهنَّ لما يرتدينهُ من ملابس لا يمتلكون الشجاعة الكافية لإنتقاد الممارسات الخاطئة الكثيرة في الحكم والسلطة, وهو جوهر العمل الذي من أجله إنتدبوا للمجلس النيابي.

من جانب آخر فإنَّ الجهات المنوط بها تطبيق القانون في خصوص اللبس الفاضح يتفاوت أفرادها في مستوى تعليمهم ومعارفهم وخلفياتهم الثقافية, وكذلك في ميولهم وأوضاعهم النفسيَّة, وبالتالي فمن البديهي أن يختلفوا في تقييمهم لطبيعة الزي الذي ترتديه المرأة, وإن هُم لجأوا لتطبيق تعريف أبوقرون ورفاقه لماهيَّة الزي الشرعي فإنَّ غالبية نساء السُّودان ستطبق فيهنَّ عقوبة الجلد والغرامة.

ليس هذا فحسب ولكن بحكم التجربة العملية فإنَّ المادة المتعلقة بلبس المرأة تتحوَّل في أغلب الأحيان إلى أداة لتخويف النساء وإبتزازهنَّ في مجتمعٍ ذكوريٍ تعاني فيه المرأة سلفاً من الكثير من أوجه القهر و التمييز.

ولا يكتفي أبوقرون في تصريحه بالقول أعلاهُ إنما يقتحمُ بإستسهال شديد منطقة شائكة تمسُّ في الصميم مفهوم الوطن الذي ينصُّ عليه الدستور, إذ قال : “إنَّ النساء غير المسلمات في السودان يؤمرن ألا يرتدين ثياباً تثير غريزة الشباب المسلم لأنَّ أهل الذمة منهيون عن إظهار المنكر في بلاد الإسلام لعدم إشاعة الفاحشة”. إنتهى

نحن هنا بإزاء مخالفة صريحة للدستور والقانون, وهى للأسف الشديد مُخالفة صادرة عن رجل يجلس في الهيئة التشريعية (البرلمان) وهى الجهة المنوط بها حماية الدستور, ووجه المخالفة يتمثل في تمييزه بين المواطنين على أساس الدين, فهو يستلهمُ مفهوماً تاريخياً إندثر منذ مئات السنين ليُطلقه على غير المسلمين في السودان وهو “أهل الذمَّة”.

وجه المُخالفة يتمثل في أنَّ علاقة المُسلمين بغيرهم وفقاً لما صرَّح به أبوقرون يحكمها ما يُعرف بـ “عقد الذمة” الذي كان يُعمل به في البلاد الإسلامية في العصور الوسطى, والذمة لغة تعني العهد والضمان والأمان, ومعني عقد الذمة هو إقرار بعض الكفار الذين يعيشون في بلاد المسلمين علي كفرهم بشرط بذل الجزية وإلتزام أحكام الملة.

هذا النوع من العلاقة الذي ينبني على عقد الذمَّة بين المُسلمين وغير المُسلمين يُناقضُ طبيعة العلاقة في الدولة  العصرية, ويترتبُ عليه مُطالبة غير المسلمين بدفع الجزية, وهو أمرٌ يتنافى مع الأساس المدني للدولة الحديثة التي يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن إنتمائهم الديني.

ينصُّ دستور السودان لعام 2005 في مادته السابعة على أن : “تكون المواطنة أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين”. إنتهى

وبالتالي فإنَّ حديث أبوقرون عن “أهل الذمَّة” يُعتبرُ مُخالفة صريحة للدستور توجبُ إخضاعه للمُحاسبة.

ليس هذا فحسب بل إنَّ الرَّجل الذي يترأس لجنة من لجان المجلس الوطني, ويُظهرُ حرصاً شديداً على تطبيق المادة 152 من القانون الجنائى لا يفقهُ ما ورد فيها, فهى تنصُّ على أنه : “يُعد الفعل مُخلاً بالآداب العامة إذا كان كذلك في معيار الدِّين الذي يعتنقهُ الفاعل أو عرف البلد الذي يقعُ فيه الفعل”. إنتهى

ووفقاً لهذا النص فإنَّ النساء غير المسلمات لسنَّ مُلزماتٍ بغطاء شعرهنَّ أو كامل جسدهنَّ إذا كان ذلك غير مطلوب في الديانة التي يعتنقنها, ولا يُعتبرُ ذلك مُخالفة للقانون حتى لو أثار “غريزة الشباب المُسلم” و لأنَّ العُرف السائد في بلادنا منذ عشرات السنين هو ترك حُرية إختيار ملابس النساء لهنَّ ولأسرهنَّ ولم يكن ذلك يُثير أية غرائز عند الشباب قبل أن يُطلَّ علينا أبوقرون وصحبه.

وقبل أن تنقشع سحابة تصريحات أبوقرون, خرج علينا كذلك نائب بالمجلس التشريعي لولاية الخرطوم, بتصريحات على ذات المنوال, إذ نسبت صحيفة “الأهرام اليوم” للنائب إدريس علي مصطفى القول أنَّ شارع النيل تحوَّل لمكان تسكع للشباب غربي الشكل في اشارة للشبان ذوي الشعر (المفلفل) لساعات الفجر الأولى دون رقيب ولا حسيب حسب تعبيره, واعتبر أن “خروج الشباب وتسعكهُ بتلك الطريقة سلوكاً غير حميد ومصادم لقيم الدين وطالب الأجهزة المختصة بالتدخل لحسم الظاهرة”. إنتهى

لا أدري ما هى مُشكلة نواب البرلمانات مع الشعر ؟ فها هو أبوقرون يدعو لجلد من لا تغطي شعرها من النساء, ونائب مجلس تشريعي ولاية الخرطوم يُطالب السُّلطات بحسم الرِّجال أصحاب الشعر المفلفل, وكأنَّ الشعر أضحى يُمثل أخطر مُشكلة يواجهها السودان المنكوب في الوقت الراهن.

يخشى هذا البرلماني الهُمام مناقشة المشاكل الحقيقية التي تجعل الشباب – بحسب تعبيره – يتسكع حتى ساعات الفجر الأولى, فلا تسعفهُ الشجاعة على الحديث عن العطالة المتفشية في أوساط الشباب, وعن تلاشي أملهم في الوظيفة والأسرة والعيش الكريم, ولا يشغل “نواب الشعب” أنفسهم بالسؤال عن جيوش الخريجين والمهنيين التي تتزاحم على سفارات الدول العربية طلباً للهجرة بأية طريقة و ثمن, أو باؤلئك الذين تبتلعهم الحيتان إثر غرق مراكب الهجرة غير الشرعية التي يركبونها للمجهول هرباً من جحيم العيش في الوطن.

نوَّاب البرلمان الأفاضل هاجسهم الأكبر هو الشعر, و يكتفون فقط بتحريض السُّلطات المُختصة على التدخل لحسم الشباب الذي يبحث عن مُتنفسٍ في ضفاف النيل يُفرِّج عنه هموم المُستقبل المظلم والآمال المُجهضة !!

إنَّ أحاديث هؤلاء النُوَّاب تدلُّ على أنهم أبعد الناس عن هموم المُجتمع وهواجسه الحقيقية, وأنَّهم يعانون من أزمة كبيرة في ترتيب الأولويات التي من أجلها إحتلوا مواقعهم النيابيَّة. و عندما يُصبح الشعر أولوية لدى البرلمان فليس أمامنا خيارٌ سوى تلبية  نداء شوقي بأن نُقيم عليه “مأتماً وعويلا”.

“ولا حول ولا قوة إلا بالله”!.

boulkea@gmail.com